1. يقوم النظر في العلم عند ابن تيمية أولًا على أصل واقعي حاسم: حقيقة المعلوم ليست أثرًا لعلمنا به، بل العلم هو الذي يطلب موافقة حقيقة سابقة عليه. ولذلك يقول إن «ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس موقوفًا على وجودنا، فضلًا عن أن يكون موقوفًا على عقولنا»، ويقرر القاعدة: «العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم، تابع له، ليس مؤثرًا فيه» (درء تعارض العقل والنقل، 1/88). ولو كان الموجود تابعًا لطريقة تصوره لم يبق معنى حقيقي للخطأ والتصحيح؛ إذ لا يكون وراء تصورات المتنازعين واقع مستقل يمكن أن يصيب أحدهما وصفه ويخطئه الآخر. لكن استقلال المعلوم عن العالم لا يعني أن ما يوجد في الذهن نسخة أخرى من الخارج، ولا أن صدق المعرفة يقتضي إحاطتها بالشيء من جميع وجوهه. بل يصرح ابن تيمية في موضع بأن «مطابقة العلمي للعيني» هي مطابقة العلم للمعلوم، «ليس كمطابقة الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج»، وأن الإنسان يفرق بالضرورة «بين ما تمثله في نفسه وبين الحقائق الموجودة في الخارج» (درء تعارض العقل والنقل، 10/107). فالمعرفة تمثيل لشيء لا إنشاء له، والتمثيل يمكن أن يطابق موضوعه من جهة مع اختلافهما في كيفية الوجود وفي كثير من الصفات. وهذا الأصل هو الذي يجعل بناءه صالحًا للجمع بين الواقعية وبين الاعتراف بالدور النشط للعقل في التجريد والتصنيف والقياس والنمذجة؛ فالذهن لا يخلق الأشياء، لكنه لا يتعامل معها كذلك إلا بواسطة صور ومعانٍ وعلاقات ينتزعها منها.
2. ولهذا كانت واقعية ابن تيمية مقترنة بقيد معرفي شديد القوة: معرفة الشيء لا تستلزم استنفاد حقيقته. يقول: «ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه، ونحن لا سبيل إلى أن نعلم شيئًا من كل وجه»، ثم يربط ذلك بعجز الإنسان عن الإحاطة بلوازم الموجود: «ولا نعلم لوازم كل مربوب ولوازم لوازمه إلى آخرها»، وينتهي إلى قوله: «ما من شيء نعلمه إلا ويخفى علينا من أموره ولوازمه ما لا نعلمه» (الرد على المنطقيين). فالتصور يمكن أن يكون صادقًا ولكنه غير تام؛ ومعرفة صفة من صفات الشيء لا تساوي معرفة ماهيته من كل وجه، كما أن اكتشاف علاقة حقيقية لا يستلزم الإحاطة بكل العلاقات التي يدخل فيها الموجود. ويؤكد المعنى من جهة الكليات بقوله: «بل يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها، ويمكن وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج» (درء تعارض العقل والنقل، 5/134). فلا توجد مطابقة شاملة مضمونة سلفًا بين فضاء المفاهيم البشرية وبين فضاء الموجودات الممكنة والواقعة: قد يكون في الخارج ما لم نصغه بعد في مفهوم مناسب، وقد نصوغ مفهومًا لا يصدق على شيء في الخارج. ومن هنا يمكن فهم التقدم العلمي دون الثنائية الساذجة التي تجعل كل نظرية سابقة جهلًا محضًا وكل نظرية لاحقة إحاطة نهائية؛ فقد نكون قد عرفنا شيئًا حقيقيًا ثم ازداد تصورنا له اكتمالًا، أو عرفنا علاقة صحيحة لكن أخطأنا في تعيين حاملها، أو جمعنا تحت كلي واحد ما ظهر لاحقًا أنه أنواع مختلفة. فالخطأ والنقص ليسا شيئًا واحدًا، والتحسن العلمي قد يكون زيادةً في التعيين والتمييز والإحاطة لا مجرد استبدال جملة كاذبة بجملة صادقة.
3. ويبدأ العلم الطبيعي عنده من الموجودات المعينة المحسوسة، لا من كليات قائمة في الخارج على نحو مستقل. يقول: «التجربة إنما تقع على أمور معينة محسوسة»، ويصرح بأن «الحس لا يدرك أمرًا كليًا عامًا أصلًا»؛ فالذي يقع تحت الحس هذه النار وهذا الدواء وهذا الجسم، لا «كل نار» ولا «الدواء بما هو دواء». لكن العلم لا يقف عند الجزئيات؛ إذ يقول: «فهذه القضية الكلية لا تعلم بالحس، بل بما يتركب من الحس والعقل» (الرد على المنطقيين، ص93). ويشرح اجتماع الطريقين بأن الإنسان إذا «اجتمع الحس والعقل» أدرك «الحقائق الموجودة المعينة» وعقل «حكمها العام الذي يندرج فيه أمثالها لا أضدادها» (مجموع الفتاوى، 9/70–72). فالحس يعطي المعين، والعقل يلتفت إلى المشترك، ويجمع ويفرق، ويقرر ما إذا كان الحكم متعلقًا بوصف يمكن حمله على النظائر. وفي سياق قريب يقرر أن الاعتقاد الكلي في التجربيات يتكون بعد تكرر الجزئيات، إذ «الحس به يعرف الأمور المعينة، ثم إذا تكررت مرة بعد مرة أدرك العقل أن هذا بسبب القدر المشترك الكلي» (الرد على المنطقيين، ص386). ولهذا كذلك ميز بين التجربة التي يتدخل فيها الإنسان بالفعل، وبين الظواهر التي تتكرر دون إحداثه لها، كأحوال الأجرام السماوية، وعدّ الأخيرة في الحقيقة «تجربة علمية بلا عمل». فالتجربة بمعناها الواسع عنده تتناول ما يتكرر للباحث من وقائع، سواء كان هو الذي أنشأ شروط ظهورها أم كانت الظاهرة تجري مستقلة عن تدخله، ثم يكون العمل العقلي بعد ذلك في تعيين المشترك وتفسير ما وقع.
4. غير أن هذا لا يجعل «المشاهدة» شيئًا واحدًا بسيطًا؛ بل ينبغي التمييز بين ما وقع للحس وبين الحكم الذي بني على ما وقع له. وقد أعطى ابن تيمية في الفلك مثالًا بالغ الأهمية لهذه المسألة. يقول إن الحس «لا يرى إلا حركة الأجسام المعينة؛ فيرى الشمس متحركة، والقمر متحركًا، والكواكب متحركة، هذا الذي يعلم بالحس»، ثم يعقب: «وأما كون هذه المذكورة في أفلاك متحركة فهذا إنما يعلمونه من علم الهيئة» (الرد على المنطقيين، ص388). فالمشاهدة هنا تعطي حركات معينة، أما بنية العالم التي تفسر تلك الحركات ــ الأفلاك وعددها وترتيبها ــ فهي تفسير نظري للمشاهد، لا جزء من معطى الحس نفسه. ويزيد الأمر قوة حين يقول عن الثوابت: إن الناظر يرى أنها «لا تختلف حركتها بالطول والعرض بل حركتها حركة واحدة فيحدس أن فلكها واحد»، ثم يفتح فورًا احتمالًا آخر: «وإلا فيجوز أن يكون لكل واحد فلكًا حركته مثل حركة الآخر» (الرد على المنطقيين، ص387). فالمظهر المرصود الواحد يمكن ــ من حيث ذاته ــ أن يكون متوافقًا مع أكثر من بنية غير مرصودة. وهذه ليست بعدُ دعوى بأن كل النظريات متساوية أو أن المشاهدة عاجزة عن الترجيح إلى الأبد؛ وإنما تعني أن المشاهدة الأولية لا تأتي ومعها تفسيرها الوحيد مكتوبًا فيها.
وهنا ينبغي التفريق بدقة بين معنيين كثيرًا ما يخلطان تحت عبارة «المشاهدة المشبعة بالتنظير». أحدهما أن النظرية قد تدخل في تفسير ما نشاهده، واختيار ما نقيسه، وربط القراءة ببنية غير مرصودة؛ وهذا حاضر بقوة في كلام ابن تيمية. والآخر دعوى أقوى هي أن النظرية السابقة تخلق ذات المدركات الحسية أو تحددها من أولها تحديدًا مغلقًا؛ وهذه لا ينهض كلامه المذكور وحده لإثباتها. ويزداد الأمر وضوحًا حين ينبه إلى أن «الأرصاد يقع فيها من الغلط ما هو معروف»، ويحتج باختلاف أرصاد المتقدمين والمتأخرين (الرد على المنطقيين، ص389). فبين الواقع وبين الحكم النظري مراحل: إحساس أو قراءة، وتقدير، ونقل، وتصنيف، ثم تفسير. الاعتراف بهذه الوسائط لا يفضي إلى القول بأن الواقع من صنعها؛ بل يسمح بفهم كيف يمكن للواقع أن يبقى مستقلًا بينما تختلف النظريات في تفسير ما جاء منه.
5. ومن هنا يظهر شكل أول من عدم حسم الدليل للنظرية. إذا كانت المشاهدة توافق تفسيرين مختلفين، فإنها وحدها لا تكفي في تلك المرحلة لإثبات واحد منهما. ومثال ابن تيمية في الحركة الواحدة للثوابت واضح: قد تفسر بفلك واحد، ويمكن من حيث تصور المشاهد نفسه أن تفسر بأفلاك متعددة متساوية الحركة. وهذا أوسع من مشكلة «أي عامل من عاملين سبب الأثر؟»؛ لأن النزاع هنا بين بنيتين نظريتين مختلفتين بالنسبة إلى المعطى محل النظر. لكن ابن تيمية لا يجعل هذا نهاية العلم؛ فالفلكيون أنفسهم يستدلون بالكسوفات وباختلاف الحركات وبمواقع الأجرام على ترتيبها، أي إن التمييز بين الفرضيات المتوافقة مع دليل أول يكون بطلب آثار أخرى تختلف فيها لوازمها أو تنبؤاتها. ومن ثم فعدم الحسم نسبي إلى مجموعة الأدلة القائمة في مرحلة معينة، لا حكمًا بأن الحقيقة غير قابلة للتمييز.
وهذا قريب من الصور المحلية لما يسمى في فلسفة العلم الحديثة عدم تعين النظرية بالدليل، لا من أوسع صيغ أطروحة دوهم–كواين. وما لدينا في كلام ابن تيمية كافٍ من غير مبالغة: المشاهدات المعينة قد تكون متوافقة مع أكثر من تفسير، والانتقال إلى بنية غير مشاهدة يحتاج إلى دليل زائد يميزها من بدائلها. وهنا تلتقي هذه القضية بمشكلته في العلية، وبمبحث البدائل غير المتصورة لاحقًا: فالسؤال ليس دائمًا «هل توافق النظرية البيانات؟»، بل كذلك «هل توجد بنية أخرى توافقها؟ وهل اختبرنا موضع الاختلاف بينهما؟».
6. وكذلك لا يجوز في التعميم أن ينقل الحكم من جزئي إلى جزئي آخر لمجرد أي تشابه؛ لأن كل موجودين يمكن أن يشتركا في أوصاف لا تعلق لها بالحكم. يقول ابن تيمية: «لا يكفي في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزئين لثبوته في الجزء الآخر لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم… بل لا بد من أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم» (الرد على المنطقيين، ص117). وفي تنبيه الرجل العاقل يقول: «الجامع في الأصل والفرع هو المقتضي للحكم»، وينبه إلى فساد الاعتماد على «الجامع المبهم الذي لم يتميز عن غيره»، ثم يقول: «فحيث ما كان القدر المشترك أخص كانت المشابهة والمماثلة أتم فتكون حقيقة القياس أقوى» (1/129). ويهاجم في موضع آخر من «يظن كثيرًا أن الاشتراك في شيء هو التماثل»، لأن «الاشتراك أو الاشتباه في أمر ما… لا يقتضي التماثل بوجه من الوجوه، بل يقتضي نوع اشتباه» (بيان تلبيس الجهمية، 4/373).
وهذا يحدد معنى قوله «حكم الشيء حكم مثله»: ليس كل شبيه مثلًا من الجهة المنتجة للحكم. فقد تتشابه حالتان في عشر صفات وتختلفان في الحادية عشرة التي يتوقف عليها الأثر، فيكون العشر غير صالحات للتعميم. وهنا تقع مشكلة الاستقراء في عمقها: من الوقائع الماضية يمكن انتزاع عدد لا يحصى من وجوه التشابه، لكن ليس كل وصف منها صالحًا للإسقاط على المستقبل أو على أفراد بعيدة. وجواب ابن تيمية واقعي سببي: الجامع الأقوى هو ما ثبت أنه «المقتضي للحكم» أو مستلزم له من الجهة المقصودة. فالتعميم لا يقوم على مجرد أن الحالات «تشبه بعضها»، بل على معرفة في ماذا يجب أن تتماثل لكي يتحد حكمها.
7. ولهذا ينتقل ابن تيمية من مجرد التماثل والاقتران إلى تعيين العامل المؤثر وتمييزه من منافسيه. فهو يقرر أولًا أن نقل الحكم لا يتم حتى يعلم أن الغائب «مثل هذا الشاهد أو أنه يساويه في السبب الموجب» (الرد على المنطقيين، ص116)، ثم يقول في طرق إثبات كون الوصف علة: «لا بد من دليل يدل على ذلك: من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران» (ص117). وفي بحثه للتجربة يطبق هذه المسالك نفسها؛ فالتجربة تحصل من ملاحظة «الأثر المعين دائرًا مع المؤثر المعين»، «لا سيما إن شعر بالسبب المناسب، فيضم المناسب إلى الدوران مع السبر والتقسيم»، ثم يشدد على أن «لا بد في جميع ذلك من السبر والتقسيم الذي ينفي المتزاحم، وإلا فمتى حصل الأثر مقرونًا بأمرين لم تكن إضافته إلى أحدهما دون الآخر بأولى من العكس ومن إضافته إلى كليهما» (ص93). فالتغاير المشترك لا يكفي وحده لتعيين السبب ما دام عامل منافس لم يستبعد، ولذلك يقول: «فإن كان نفي المزاحم ظنيًا كان اعتقاد العلية ظنيًا، وإن كان قطعيًا كان الاعتقاد قطعيًا»، ويعقب بأن «القضايا العادية من قضايا الطب وغيرها هي من هذا الباب».
والتكرار نفسه عنده ليس مجرد عدّ للوقائع، بل مادة لاكتشاف العلاقة؛ إذ يقول: «السبب المقتضي للعلم بالمجربات هو تكرر اقتران أحد الأمرين بالآخر، إما مطلقًا وإما مع الشعور بالمناسب» (الرد على المنطقيين، ص95). ولهذا كان فساد تكرر الحالة نفسها قادحًا في التجربة؛ وهو ما طبقه ابن القيم على التنجيم بقوله: «لا سبيل إلى معرفة طبائع البروج وطبائع الكواكب وامتزاجاتها إلا بالتجربة، وأقل ما لا بد منه في التجربة أن يحصل ذلك الشيء على حالة واحدة مرتين» (مفتاح دار السعادة، 3/1198)، ثم بين أنه حتى لو عادت الهيئة المركبة لم يعلم بمجرد اقتران الحادث بها «هل المؤثر في ذلك الحادث هو مجموع الاتصالات أو اتصال معين منها؟». فإعادة النتيجة لا تعين وحدها أي عنصر من الحزمة هو المؤثر.
ولا يحصر ابن تيمية العلاقة السببية في موجب حتمي منفرد؛ بل يعرف صلاحية الوصف بأن «يكون موجبًا له أو مغلبًا له، بحيث يكون وجوده معه أكثر، أو أن يكون مدارًا له، بحيث يوجد بوجوده ويعدم بعدمه» (تنبيه الرجل العاقل، 1/130)، ويعرف الدوران نفسه بأنه «اقتران أحدهما بالآخر بحيث يوجد بوجوده ويعدم بعدمه» (1/79). فزيادة وقوع الأثر مع العامل وجه من وجوه الدلالة، لا برهانًا آليًا على أنه السبب التام؛ إذ تبقى المناسبة، والسبر، واستبعاد المزاحم، والشروط والموانع داخلة في تحقيق العلية.
8. ثم يميز ابن تيمية بين ما يدلنا على الشيء وما يحدث الشيء في الخارج؛ فيقول: «الدليل هو وسط في الذهن للمستدل، ليس هو وسطًا في نفس ثبوت الصفة للموصوف»، ولهذا «قد يستدل بالمعلول على العلة كما يستدل بالعلة على المعلول، ويستدل بأحد المعلولين على الآخر»، ثم يقرر أن «الدليل باتفاق العقلاء أعم من العلة» (الرد على المنطقيين، ص399–401). فالعلاقة التي تصلح للاستدلال أو التنبؤ لا يلزم أن يكون اتجاهها هو اتجاه الإنتاج السببي. ولهذا يقول: «ليس كل ما كان لازمًا لغيره يكون ذلك الغير هو العلة المقتضية لوجوده في نفس الأمر» (ص404)، ثم يضرب أمثلة صريحة على السبب المشترك: «الأبوة والبنوة هما متلازمان وليس وجود أحدهما علة للآخر بل كلاهما معلول علة أخرى»، وكذلك «الحس والحركة الإرادية متلازمان وليس أحدهما علة الآخر»، بل قد تتلازم أشياء زمنًا طويلًا كنجوم الثريا «ما دام الفلك موجودًا على هذه الصفة» من غير أن يكون بعضها علة لبعض.
وبذلك ينفصل عنده ثلاثة أمور لا يجوز جمعها في مفهوم واحد: التلازم، والدلالة، والعلية. فقد يكون أحد المتغيرين دليلًا ممتازًا على الآخر لأنه معلول معه لعلة ثالثة؛ وقد نتنبأ بالأثر من علامته من غير أن نعرف العامل الذي أنتجه؛ وقد نعرف السبب من أثره مع كون اتجاه السببية من السبب إلى الأثر. ولذلك لا يكفي النجاح التنبؤي وحده لإثبات التفسير السببي، كما لا يكفي ثبات الارتباط لإثبات أن أحد طرفيه هو «المقتضي» للآخر. وعند جمع هذا بما سبق من الدوران والمناسبة والسبر والتقسيم ونفي المزاحم، يصبح اكتشاف السبب عملية تمييز بين علاقات متعددة ممكنة، لا مجرد العثور على متغيرين يتكرران معًا.
9. ومع هذا كله لا يختزل ابن تيمية السببية في مجرد اقتران منتظم؛ بل يجعل في الأشياء قوى وطبائع تقتضي آثارًا. ففي بحثه للتجربة يذكر قول من يجعل المعلوم مجرد اقتران شيئين من غير أن يكون لأحدهما تأثير في الآخر، ثم يقابله بأن جمهور العقلاء «كما يعلم اقتران أحدهما بالآخر يعلم أن في النار قوة تقتضي التسخين، وفي الماء قوة تقتضي التبريد، وكذلك في العين قوة تقتضي الإبصار» (الرد على المنطقيين). ويقول ابن القيم في نقد من ينفي التأثير السببي إنهم لا يجعلون بين الأشياء وآثارها إلا «مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي» (الداء والدواء). فالانتظام عندهما دليل يمكن أن يقود إلى معرفة القوة، لكنه ليس هو عين القوة؛ والنار لا تكون محرقة لأننا لاحظنا فقط تكرار الاحتراق بعدها، بل التكرار طريق إلى معرفة ما فيها من قدرة مقتضية لذلك.
فالعالم عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ليس دفترًا من التتابعات، بل موجودات لها خصائص وقدرات وتدخل في علاقات إنتاجية. وهنا تظهر مقاربة مفيدة مع فلسفات القدرات المعاصرة، وبخاصة عند نانسي كارترايت، من جهة رفض اختزال السببية في التعاقب الظاهر، وإن كان جهاز ابن تيمية الميتافيزيقي مختلفًا عنها.
10. فالسبب الجزئي لا يستقل عنده عادة بإحداث النتيجة. يقول: «العلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، وهذا إنما يكون إذا علم السبب التام الذي لا يتخلف عنه حكمه»، ثم يقول إن الناس قد يعرفون «جزءًا يسيرًا من جملة الأسباب الكثيرة، ولا يعلمون بقية الأسباب ولا الشروط ولا الموانع» (الفتاوى الكبرى، 1/63). وفي منهاج السنة: «ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه». ويصوغ ابن القيم المبدأ بعبارة جامعة: «ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير، بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره»، ويذكر «وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم إلى ذلك السبب» (الفوائد، ص52). وينقل ابن المحب الصامت عن ابن تيمية قوله: «كل ما في العالم من الرزق وغيره يحدث بأسباب، ولا يعلم جميع شروطها التي بها يتم تأثيرها إلا الله، ولا يعلم جميع الموانع التي يندفع عنها حتى يتم التأثير إلا الله» (صفات رب العالمين، 1/270)، وهي عبارة تلخص مذهبه، وإن كان الاعتماد في أصل التقرير على نصوصه المباشرة أولى.
ويعطي ابن القيم مثالًا بالغ الدقة للفرق بين وجود القدرة وبين تجلي أثرها: «السيف الحاد إذا صادف حجرًا فإنه يمنع قطعه وتأثيره، لا أنه يزيل حدته وتهيؤه لقطع القابل» (مفتاح دار السعادة، 2/910). فعدم الأثر لا يساوي عدم القوة؛ قد تكون القوة قائمة، لكن المحل غير قابل، أو الشرط مفقودًا، أو المانع حاضرًا. وهكذا تصبح البنية السببية أقرب إلى مقتضٍ يعمل مع أسباب مشاركة، في محل قابل، عند تحقق شروط، وانتفاء موانع. وهذا بدوره يمنع أن تصاغ القوانين الطبيعية دائمًا في صورة سطحية مطلقة من نوع «كل سبب جزئي يحدث أثره كيفما كانت الظروف».
11. وهذه البنية تفسر لماذا معرفة سبب حقيقي لا تستلزم القدرة على التنبؤ التام. يضرب ابن تيمية مثال حرارة الصيف والعنب؛ فحرارة الشمس عامل حقيقي في تحول العنب إلى زبيب، لكن من علم الحرارة وحدها لا يستطيع الجزم بوقوع الزبيب: قد لا يثمر العنب أصلًا، أو يؤكل، أو يعصر، أو يسرق، أو لا تتهيأ بقية الأسباب والشروط. فمعرفة عامل سببي ليست معرفة «السبب التام». وفي الجهة الأخرى قد يكون الأثر الواحد ناتجًا من طرق مختلفة؛ إذ يقول: «الأحكام المتماثلة يجوز أن تعلل بعلل مختلفة»، ويمثل للملك الذي يثبت «بالبيع والهبة والإرث» (تنبيه الرجل العاقل، 1/298). فإيجاد الأثر الواحد لا يكشف وحده أي مسار سببي أحدثه.
ومن هنا يظهر فرقان متلازمان: الأول بين التفسير والتنبؤ؛ فقد نعرف بعض البنية السببية ولا نملك معلومات كافية عن بقية الشروط للتنبؤ بالحادثة المعينة، وقد ننجح في التنبؤ باستعمال علامة لا نعرف بها السبب. والثاني بين إثبات السببية وبين الإحاطة بالشبكة السببية؛ فالسببية قد تكون حقيقية مع أن معرفتنا بها جزئية. وهذا ينسجم تمامًا مع قوله: «ما من شيء نعلمه إلا ويخفى علينا من أموره ولوازمه ما لا نعلمه». فالتعقيد ليس بالضرورة جهلًا في العالم نفسه، وإنما قد يكون فرقًا بين بنية الواقع الكاملة وبين مقدار ما عزلناه منها في تجربتنا أو نموذجنا.
12. وإذا كانت العلل تعمل ضمن شروط، فإن القانون الطبيعي نفسه يحتاج إلى مجال صلاحية. يقول ابن تيمية عن القضايا المبنية على التجربة والعادة إن كثيرًا منها «منتقضة، ولا يجزم العقل بامتناع انتقاضها إلا بشروط»، لأن «العاديات يجوز انتقاضها» (الرد على المنطقيين، ص328). ويظهر المعنى في مثال النار؛ إذ يقول إن ثبوت قوة محرقة فيها «لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه»، لأن «لا بد من كون المحل قابلًا للإحراق»، ثم يذكر أشياء لا تحرقها النار ويقول: «وأما خرق العادة فمقام آخر»، ثم: «ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها» (الرد على المنطقيين، ص300). وليس المراد أن كل قانون طبيعي باطل أو أن كل قضية كلية ستكذب؛ بل أن الحس بذاته لا يعطي القضية الكلية غير المقيدة، وأن بعض الصيغ الكلية تفشل لأنها أهملت القابلية والشروط والموانع.
وهنا يجب التفريق بين تخلف الأثر مع بقاء القانون وبين تغير النظام نفسه. عدم احتراق شيء غير قابل ليس خرقًا للقوة المحرقة، كما أن تغير العادة أمر آخر. ولذلك لا تكفي إضافة عبارة «مع ثبات سائر الشروط» بصورة لفظية لإنقاذ أي دعوى؛ ينبغي قدر الإمكان معرفة ما هي الشروط ذات الصلة قبل الاختبار، وإلا أمكن تحويل القانون إلى عبارة لا يمكن أن تفشل. لكن أصل الفكرة واضح: القانون الطبيعي يصف علاقة تعمل داخل بنية مخصوصة، وليس بالضرورة قضية رياضية مجردة تصدق تحت كل وصف ممكن للعالم.
13. ومن أدق نصوصه في هذا الباب قوله في النبوات إن بعض الدلالات تكون لازمة لذاتها، وبعضها يكون الشيء «مستلزمًا له مدة طويلة أو قصيرة»، ويمثل بالنجوم التي يستدل بها على الجهات والأمكنة والأزمنة «ما دام العالم على هذه الصورة» (2/739). فهناك فرق بين اللزوم الذاتي وبين استقرار العلاقة ببقاء صورة نظام معين. وقد طبق ابن تيمية هذا الفرق صراحة في نقد السهروردي حين حكى أنه استدل من قوله تعالى في سنة الله على «أن العالم لا يتغير بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب لأنها عادة الله»، فرد بأن الله «لم يخبر بأن كل عادة لا تنتقض»، ثم قال: «العادة تتبع إرادة الفاعل وإرادة الفاعل الحكيم هي إرادة حكيمة»، وأن ما اقتضت الحكمة تغييره «فتغييره من الحكمة أيضًا ومن سنته» (الرد على المنطقيين، ص390–391).
وهذه نقطة دقيقة جدًا في مسألة اطراد الطبيعة: ابن تيمية لا ينكر أن المتماثلات من الجهة المؤثرة يسوى بينها في الحكم، بل يقول في النص نفسه إن «السنة تقتضي تماثل الآحاد وأن حكم الشيء نظيره». لكنه يفرق بين هذه القضية الشرطية وبين دعوى أخرى أوسع: أن بنية العالم التي تحقق تلك الحالات المتماثلة ستبقى هي نفسها بلا تغير إلى الأبد. فقولنا: إذا وجد المقتضي نفسه مع الشروط نفسها وانتفت الموانع حصل الأثر النظير، لا يساوي قولنا: يستحيل أن تتغير صورة العالم أو شروطه الكبرى في أي زمان. ومبدأ اطراد الطبيعة في فلسفة الاستقراء الحديثة لا يلزم منه بذاته القول بأزلية الطبيعة، لكن ابن تيمية يقدم نقدًا قويًا للقفزة من انتظام محدود بالدليل إلى ضرورة ميتافيزيقية غير محدودة.
ولا يعني إمكان تغير العادة وقوع الأحداث بلا سبب؛ إذ يقول في النبوات: «فأما انقلاب العادة بلا سبب فهذا ممتنع عند العقلاء». وبذلك يرفض طرفين معًا: أن تكون صورة النظام الحالية ضرورة أزلية مستقلة، وأن يكون تغيرها فوضى بلا أسباب وحكمة.
14. أما التطبيق التجريبي لهذه الأصول فيظهر بصورة لافتة عند ابن القيم في نقد التنجيم. فهو يقول إن معرفة ما يدعيه المنجمون من طبائع الأفلاك والكواكب لا سبيل إليها بحسب أصلهم إلا «بالتجربة»، ثم يشترط في أقل صور التجربة أن تحصل الحالة المطلوبة أكثر من مرة، ويناقش أن الهيئة المركبة بعينها قد لا تتكرر على الوجه الذي يسمح بعزل أثرها. ثم يفترض جدلًا تكررها مرات كثيرة ويسأل: هل «المؤثر في ذلك الحادث هو مجموع الاتصالات أو اتصال معين منها؟». فتكرار النتيجة مع حزمة مركبة من العوامل لا يعين تلقائيًا العامل المسؤول. ويضيف أن «التجارب التي دلت على كذب ذلك وبطلانه ووقوع الأمر بخلافه أضعاف أضعاف التجربة التي دلت على صدقه» (مفتاح دار السعادة)؛ أي إن حالات الإخفاق ليست ضوضاء يجوز طرحها، بل جزء من الدليل الذي يجب أن تفسره الدعوى.
ويناقش كذلك حالة أن يخبر المنجم الشخص بما سيفعله فيتعمد مخالفته، ويذكر محاولة إخفاء التنبؤ عنه لاختبار وقوعه من غير أن تتدخل معرفته في سلوكه. فالمشكلة المنهجية واضحة: معرفة المشارك بالفرضية قد تغير موضوع الاختبار نفسه. وهذه المباحث تجمع عدة شروط للبحث التجريبي الجاد: إعادة الحالة ذات الصلة، عزل العامل، احتساب الإخفاقات، ومنع آلية الاختبار من تغيير النتيجة التي يراد قياسها.
15. ثم لا يكفي نجاح النتيجة في بيئة أن تنقل بلا بحث إلى كل بيئة أخرى. يقول ابن القيم: «نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدواء وعدمه»، حتى «ربما لم ينتفع به من لم يعتده»، ثم يضع قاعدة في كلام الأطباء: «كلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقًا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة، والأماكن والعوائد» (الطب النبوي، ص268). فقد تأتي العبارة العلمية في صورة عامة، بينما يكون صدق تطبيقها الفعلي مقيدًا بخصائص الأشخاص والزمان والمكان والعادة. ولا يرى أن هذا يقدح في الطب؛ بل هو من تمام فهم حدوده.
وهذا امتداد طبيعي لمبحث التماثل: السؤال عند نقل نتيجة تجربة ليس هل المجموعة الجديدة «تشبه» القديمة بإطلاق، بل هل تشبهها في المقتضيات والشروط والمتغيرات التي يتوقف عليها الأثر. ومن هنا تكون قابلية نقل النتيجة نفسها حجة تحتاج إلى دليل، لا امتدادًا آليًا للتجربة الأولى. فإذا ثبتت آلية مستقرة تعمل بالطريقة نفسها رغم اختلاف بعض الملابسات، اتسع مجال القانون. وإذا تغير عامل ذو صلة، فقد تختلف النتيجة من غير أن تكون التجربة الأولى خاطئة.
16. ومنهج تعيين الأسباب عند ابن تيمية أوسع من مجرد تكرار المشاهدة؛ فهو يستعمل جهاز العلة ومسالكها استعمالًا قريب البنية من البحث السببي التجريبي. والعلة عنده هي «الجامع، والمناط، والعلة، والأمارة… والمقتضي، والموجب» (مجموع الفتاوى، 19/17). ويجعل «تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط» «جماع الاجتهاد» (مجموع الفتاوى، 22/329). فتخريج المناط هو البحث عن العامل المرشح الذي يحمل الحكم؛ إذ يعرفه بأنه الاستدلال على الاشتراك «في الوصف الذي قام الدليل على أن الشارع علق الحكم به» (مجموع الفتاوى، 19/17)، وهو من حيث الوظيفة قريب من توليد الفرضية السببية. وأما تنقيح المناط فيظهر فيه عزل المتغيرات غير المؤثرة بوضوح؛ ففي واقعة المجامع في رمضان يقول: «عُلم أن كونه أعرابيًا أو عربيًا أو الموطوءة زوجته لا أثر له»، ثم يحصر السؤال في: «هل المؤثر… كونه مجامعًا في رمضان أو كونه مفطرًا؟» (مجموع الفتاوى، 19/15)، وهو قريب من عزل المتغير المؤثر. وأما تحقيق المناط فهو أن يكون الحكم متعلقًا بمعنى كلي ثم «ينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان» (مجموع الفتاوى، 19/16)، أي التحقق من حضور العامل في الحالة المعينة.
وتتسع مسالك الاختبار بعد ذلك: فـالسبر والتقسيم عنده «حصر أوصاف الأصل في جملة معينة وإبطال كل ما عدا المستبقى» (مجموع الفتاوى، 9/198)، ويقول في التجربة إنه «ينفي المتزاحم» (الرد على المنطقيين، ص93)، وهو نظير الاستبعاد المنهجي للفرضيات السببية المنافسة. والدوران هو عنده «اقتران أحدهما بالآخر بحيث يوجد بوجوده ويعدم بعدمه» (تنبيه الرجل العاقل، 1/79)، وهو أقرب إلى تتبع التغاير المشترك بين العامل والأثر. والنقض هو اختبار العلة بحالة مضادة؛ فإذا تخلف الحكم قال إن على المستدل أن يبين أن «صورة النقض اختصت بفوات شرط أو وجود مانع» (تنبيه الرجل العاقل، 1/309)، وإلا أصاب المثال المضاد دعوى العلية نفسها. والمعارضة تقيم في مقابل تفسير المستدل تفسيرًا أو دليلًا منافسًا، فلا يتم دليله حتى يسلم منها؛ فتقارب من حيث الوظيفة اختبار الفرضية المنافسة. ولا يلزم أن تكون العلة بسيطة؛ فقد يقول في اجتماع عاملين إن «ذلك المجموع لم يحصل إلا بمجموع العلتين… فكل منهما جزء من العلة» (مجموع الفتاوى، 20/173)، فضلًا عن تقريره المتكرر أن السبب لا يتم أثره إلا مع بقية الأسباب و«الشروط» وانتفاء «الموانع»؛ وهي بنية أقرب إلى شبكة سببية منها إلى سبب منفرد. ثم يأتي الاستقراء انتقالًا من الجزئيات إلى حكم أعم، مع تمييزه بين مجرد استقراء الجزئيات وبين التجربة التي يضم فيها العقل إلى التكرر معرفة القدر المشترك والمناسب ونفي المزاحم. فالفارق بين هذا الجهاز الأصولي وبين الاستدلال السببي التجريبي المعاصر ليس أن أحدهما يعرف توليد الفرضية والعزل والاستبعاد والتغاير والنقض والشروط والبدائل والآخر لا يعرفها، بل في تقنيات التطبيق والقياس والتكميم والتصميم التجريبي التي تطورت لاحقًا.
17. ولهذا إذا وافقت البيانات أكثر من نظرية، لم يكن الترجيح بينهما اختيارًا ذوقيًا محضًا. من أصول ابن تيمية يمكن إعادة بناء مجموعة من مرجحات النظريات من غير نسبتها إليه بصياغتها المعاصرة: النظرية أقوى إذا فسرت المشاهدات القديمة ونجحت في مواضع جديدة لم تبن أصلًا لأجلها، وإذا أمكن عزل علتها عن البدائل، وإذا لم تحتج بعد كل إخفاق إلى قيد جديد لا دليل عليه، وإذا أمكن وصلها بأدلة مستقلة، وإذا صمدت عند تغير بعض ظروف الاختبار، وإذا كشفت مقتضيًا سببيًا بدل أن تكتفي بعلامة مرتبطة بالنتيجة.
أما البساطة فلا ينبغي جعلها عند ابن تيمية أصلًا ميتافيزيقيًا يوجب أن يكون الواقع أقل تعقيدًا؛ فقد أثبت بنفسه تعدد الأسباب والشروط والموانع. وإنما يظهر عنده اقتصاد في الفروض والاستدلال: فلا يدخل في البرهان ما لا يحتاج إليه المطلوب. ولهذا ينتقد بناء الاستدلال على مقدمات زائدة فيقول: «لم يكن بك حاجة… بل كان هذا تطويلًا»، ويعلل بأن المطلوب قد يثبت بطريق «أظهر وأبين»، ثم يقول: «فلماذا تجعل موقوفة على مقدمات… فيها من التطويل والغموض» (درء تعارض العقل والنقل، 8/319). ويقول في موضع آخر عن أهل المنطق إنهم يطيلون «بما لا يحتاج التعريف والبيان إليه»، حتى يكون «ما طولوا به مانعًا من التعريف والبيان» (درء التعارض، 3/192). ففضيلة البساطة عند إعادة بناء منهجه ليست أن الأبسط أصدق لذاته، بل ألا تثبت في النظرية من الفروض والوسائط أكثر مما يقتضيه الدليل؛ فإن ثبت التعقيد بدليله وجب قبوله، وإن لم يحتج إليه التفسير كان زيادته عبئًا لا مزية.
18. وأما الرياضيات فموضعها عند ابن تيمية مختلف عن العلم الطبيعي من جهة موضوعها وطريقة يقينها. فهو يقول عن الحساب والهندسة إنهما «علم يقيني لا يحتمل النقيض ألبتة» (مجموع الفتاوى، 9/126)، لكنه في الوقت نفسه يفرق بين المقدار المجرد وبين الموجود الذي اتصف به. يقول: «النقطة والخط والسطح والواحد والاثنان والثلاثة قد يراد بها هذه المقادير مجردة عن موصوفاتها، وقد يراد بها ما اتصف بها من المقدرات في الخارج»، ثم: «فإذا أريد الأول فلا وجود لها إلا في الأذهان لا في الأعيان، فليس في الخارج عدد مجرد عن المعدود، ولا مقدار مجرد عن المقدر» (منهاج السنة، 2/576–577). ويقول في موضع آخر: «الماهية الكلية إنما تكون كذلك في الذهن، وما في الذهن لا يوجد في الخارج إلا معينًا، ومعنى وجوده وجود ما يطابقه» (درء تعارض العقل والنقل، 5/127).
فالرياضيات لا تكون وهمًا لأنها ذهنية من جهة تجريد موضوعها؛ بل العقل يعزل من الموجود جهة كمية ويترك صفات أخرى ثم يجري البرهان على ما عزله. واليقين الذي يحصل داخل هذه البنية المجردة لا يثبت وحده أن جسمًا في الطبيعة يحققها تمامًا. ولهذا يقول إن «المعدودات لا تدرك إلا بالحس والعدد المجرد يعقل بالقلب». فهناك مرحلتان: برهان على المجرد، ثم دليل على أن موجودًا خارجيًا يطابق ذلك المجرد من الجهة اللازمة للتطبيق. وهذه التفرقة تمنع الخلط بين الضرورة الرياضية وبين قوانين الطبيعة؛ فكون النتيجة ضرورية داخل النموذج الرياضي لا يعني أن الواقع ملزم بأن يحقق مقدمات النموذج في كل حال.
19. ومن هنا يظهر عند ابن تيمية أصل بالغ القوة لفلسفة النموذج العلمي. فالعلاقة بين التمثيل والشيء لا يشترط فيها التماثل التام؛ يقول: «مطابقة العلمي للعيني هي مطابقة العلم للمعلوم، ليس كمطابقة الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج»، ثم يصف المثال الذهني بقوله إنه «لا يماثله: لا في ذاته، ولا صفاته، ولا مقداره، ولكن يشابهه ويحكيه نوع مشابهة وحكاية، والمشابهة من وجه لا تقتضي المماثلة في الذات والصفات والمقدار» (درء تعارض العقل والنقل، 10/107–108). وهذه العبارة تفرق بوضوح بين أن يمثل النموذج هدفه وبين أن يكون نسخة منه. فالخريطة تمثل الأرض مع أنها ليست أرضًا، والمعادلة تمثل حركة الجسم مع أنها ليست حركة، والنقطة قد تمثل كوكبًا في مسألة لا يؤثر فيها امتداده مع أن الكوكب ليس نقطة.
ويرتبط هذا مباشرة بمبحث التماثل؛ فقولنا إن النموذج «يشبه» الواقع لا يكفي، كما لم يكن تشابه حالتين كافيًا لنقل الحكم. السؤال: في أي جهة يشبهه؟ وهل تلك الجهة هي التي تحمل الاستنتاج؟ فقد يطابق النموذج الهدف في نسبة أو ترتيب أو اعتماد سببي، ويختلف عنه في مئات الصفات الأخرى. ومن ثم يكون نجاح الاستدلال من النموذج إلى الخارج تابعًا لثبوت العلاقة ذات الصلة بينهما، لا لدرجة شبه عامة مبهمة.
ويستطيع العقل كذلك أن يمثل ما ليس موجودًا على الصورة المفروضة في الخارج؛ إذ يقول ابن تيمية إن المثال الذهني يمكن أن يحتوي «الموجود والمعدوم والممتنع، وما له وجود في الخارج وما ليس له وجود في الخارج»، وأن هذه «مثل خيالية، ليست حقائق موجودة في أنفسها» (درء تعارض العقل والنقل، 10/108). ومن هنا نفهم المثالية: قد يهمل النموذج خصائص حقيقية، وقد يفترض حدًا لا يتحقق نقيًا في الخارج، كالخط المجرد أو النقطة عديمة الامتداد. ولا يبطل بذلك؛ لأن وظيفته قد تكون عزل علاقة معينة وإظهار لوازمها. الخطأ يبدأ حين ينسى الباحث عملية التجريد، فيقع فيما يسميه ابن تيمية «اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان».
20. ويترتب على ذلك أمران مهمان. أولهما أن للنموذج مجال صلاحية كما للقانون مجال صلاحية. فإذا أهمل عاملًا لأنه لا يؤثر إلا قليلًا في نطاق ما، لم يجز تمديد النموذج إلى نطاق يصبح فيه ذلك العامل مهمًا. وإذا مثل جسمًا بنقطة لأن الامتداد لا يغير النتيجة في مسألة معينة، انهارت صلاحية هذا التجريد حين تصبح هيئة الجسم جزءًا من السبب. ففشل النموذج خارج مجاله لا يثبت بالضرورة أن ما أثبته داخله كان باطلًا، كما أن نجاحه داخله لا يجيز إطلاقه خارجه.
وثانيهما إمكان تعدد النماذج لنظام واحد. فالموجود الخارجي أغنى من أي تجريد مفرد، و«المشابهة من وجه» لا تستلزم المماثلة من جميع الوجوه؛ ولذلك يمكن لنموذج أن يعزل الخاصية الكمية، وآخر البنية السببية، وثالث السلوك في مقياس مختلف. وليس كل اختلاف بين النماذج تناقضًا؛ قد تكون وظائفها وأهدافها مختلفة. لكن التعدد لا يعني أن كل نموذج صحيح كيفما كان؛ بل كل نموذج مطالب بإثبات الجهة التي يدعي تمثيلها، وحدود نقله، ومقدار دقته.
وهذا هو الجسر بين النماذج وبين الواقعية العلمية: نجاح النموذج لا يثبت أن كل عناصره موجودة حرفيًا في العالم، لكنه كذلك لا يجعله أداة فارغة من الدلالة على الواقع. فقد ينجح لأنه حفظ علاقة أو قدرة أو بنية حقيقية، بينما بعض عناصره مثالية أو تقريبية. ومن هنا يكون السؤال الأدق بعد نجاح نموذج: ما الذي حمل نجاحه؟ ما الذي تغير لو حذفناه؟ ما الذي ثبت بأدلة مستقلة؟ وأي عناصر لم تدخل إلا لتسهيل الحساب أو التصوير؟
21. لكن ثمة سؤالًا أسبق من الالتزام بكيان نظري غير مشاهد: كيف يستطيع الإنسان أصلًا أن يفهم معنى شيء غائب عن حسه؟ وهنا يقرر ابن تيمية أصلًا بالغ الأهمية يربط الحس بالكليات وبالمعرفة بالغائب. يقول: «إنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه، فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن، وتلك معرفة معينة مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا»، ثم يذكر أن الإنسان لولا معرفته بالجوع والعطش والحب والبغض والحياة والعلم والقدرة في المشهود لما فهم الخطاب بهذه المعاني إذا وصف بها غير المشاهد، وينتهي إلى قوله: «فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذا خاصة العقل»، ثم يقرر: «ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته» (مجموع الفتاوى، 5/346).
فالخبر الصادق يمكن أن يثبت لنا وجود شيء غائب ويخبرنا بصفاته، والدليل من الآثار يمكن كذلك أن يدلنا عليه؛ لكن لكي يكون الوصف نفسه مفهومًا للذهن لا بد أن يحمل معنى حصل لنا أصله من المشهود، أو من شيء بينه وبين الغائب شبه من بعض الوجوه. ولهذا يقول في التدمرية: «والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد» (ص97). فالقدر المشترك شرط للفهم، لكن الفارق المميز شرط لئلا يتحول الفهم إلى تمثيل وتسوية في الحقيقة.
وهذا يظهر بأوضح صورة في كلامه على نعيم الآخرة: «فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه» (مجموع الفتاوى، 5/347). ثم يفرق بين مرتبتين يمكن اجتماعهما في غائب واحد: «يعلمون تفسيره ومعناه»، أما «الكيفية الثابتة» فشيء آخر لا يلزم من فهم المعنى العلم به. ويقول في وصف ما أخبر به من نعيم الجنة: «نعلم تفسير ما أخبر الله به، وأما كيفيته…» فليست معلومة لنا على حقيقتها (مجموع الفتاوى، 5/347–348). وفي قاعدة في المحبة يعمم الأصل: «فكما أن الشيء لا يتصور إلا بعد الحس به أو بما فيه شبه به من بعض الوجوه… فإن الأمور الغائبة عن المشاهدة والإحساس لا تعرف… إلا بنوع من التمثيل والقياس» (ص214).
وهنا يظهر فرق معرفي شديد الأهمية بين إثبات الشيء، وفهم المعنى الذي نصفه به، وتصور كيفيته التفصيلية. فقد يدل الأثر على وجود سبب غير مرصود، وقد يثبت الخبر الصادق صفات لذلك الغائب، وقد نفهم تلك الصفات بواسطة قدر مشترك تعلمناه من المشهود، ولا يلزم من ذلك كله أن نمتلك صورة لكيفية ذلك الموجود كما هو في نفسه. وليس مراد ابن تيمية أن الغائب يجب أن يكون له نظير مماثل من جميع الجهات؛ بل يكفي «ما فيه شبه به من بعض الوجوه»، ثم يجب حفظ الفارق. فالمعرفة بالغائب تقوم على: اشتراك يكفي للفهم، واختلاف يمنع التماثل.
وهذا الأصل بالغ الأهمية لفلسفة النماذج والكيانات النظرية؛ لأن العقل حين يمثل غير المشاهد بصورة مأخوذة من المألوف ــ موجة، أو جسيم، أو شبكة، أو مجال، أو بنية مكانية ــ قد يكون قد وجد واسطة تصورية تعينه على فهم بعض العلاقات والآثار، ولا يكون قد أثبت بذلك أن كيفية الموجود في نفسه هي كيفية المثال الذي استعان به. فالقدر المشترك الذي حمل التفسير يجوز نقله بقدر دليله؛ أما الخصائص التي جاءت من هيئة النموذج الحسي لمجرد أنها كانت وسيلتنا إلى تصور الغائب فلا تنتقل إليه بلا حجة.
22. ومن هنا تشتد مسألة الكيانات غير المرصودة مباشرة. فقد يدل أثر على وجود سبب، وقد تسمح التجارب بتعيين بعض خصائصه، لكن لا يلزم من ذلك أن تصورنا النظري استنفد ماهيته أو كيفيته. وهنا يجتمع عند ابن تيمية أربعة أصول: أن «يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها»، وأن «يمكن وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج»، وأن «عدم العلم ليس علمًا بالعدم»، وأن معرفتنا بالغائب لا تتجاوز في كل موضع القدر المشترك وما قام عليه الدليل إلى كيفية لم تقع لنا بمشاهدة أو بنظير مناسب.
ويظهر أصل «عدم العلم ليس علمًا بالعدم» حين يضرب مثالًا بمن ينفي شيئًا لأنه لا يجده في صناعته، فيقول عن «نفي الطبيب» لما ليس في صناعة الطب ما يدل عليه: إن عدم دلالة صناعة معينة على وجود الشيء لا يعني أن فيها ما ينفيه (مجموع الفتاوى، 17/336). فحدود الأداة المعرفية أو التخصص ليست نفسها حدود الموجود. لكن هذا الأصل لا يعني أن غياب الدليل لا تكون له قيمة أبدًا؛ فإذا كانت فرضية ما تستلزم ظهور أثر معين في شروط معلومة، وكانت أداة الاختبار قادرة على كشفه، ثم لم يظهر حيث كان ينبغي ظهوره، أصبح ذلك الغياب نفسه دليلًا ضد الفرضية. فالفرق بين عدم العثور لأن الأداة غير كاشفة وبين عدم العثور حيث كان الكشف متوقعًا فرق حقيقي.
والإضافة التي يمنحها مبحث تعقل الغائب هنا أن حتى النظرية التي نجحت في إثبات موجود غير منظور قد تستعمل لتصوره نماذج مأخوذة من رصيدنا الحسي السابق؛ وعندئذ ينبغي التمييز بين ما أثبتته الآثار من صفات ذلك الموجود وبين ما أدخلته الصورة التمثيلية لتجعله قابلًا للفهم. فقد تثبت التجربة أن للكيان قدرة معينة أو علاقة كمية أو نمطًا من التأثير، من غير أن تثبت أنه في ذاته «يشبه» الصورة التي رسمناها له إلا في ذلك القدر.
ومن ثم تتدرج الواقعية تجاه غير المرصود في مراتب:
ثبوت الأثر، ثم ثبوت موجود أو سبب وراءه، ثم ثبوت بعض الصفات والعلاقات والقوى، ثم دعوى معرفة الكيفية أو الماهية التفصيلية.
ولا يلزم من قوة الدليل في مرتبة أن تنتقل القوة نفسها آليًا إلى ما بعدها.
23. ويزداد هذا الاحتياط قوة عند النظر في مجموعة البدائل نفسها. قد تكون نظرية ما أفضل ما خطر للبشر، لكن هذا لا يضمن أن النظرية الصحيحة موجودة أصلًا في مجموعة ما تصوروه. ونص ابن تيمية لا يثبت أن هناك حقائق يستحيل على البشر تصورها من حيث المبدأ، لكنه يثبت ما يكفي للحذر: «يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها». فمجال الفرضيات البشرية تاريخي محدود، لا قائمة نهائية مضمونة بكل الاحتمالات الواقعية.
وهنا تتصل ثلاثة مستويات كان ينبغي فصلها.
أولًا: قد تكون مشاهدة واحدة متوافقة مع أكثر من سبب متصور.
ثانيًا: قد تكون مجموعة من المشاهدات متوافقة مع أكثر من بنية نظرية متصورة، كما في مثال الأفلاك.
وثالثًا: قد تكون هناك بدائل لم تدخل أصلًا في فضاء التصور العلمي في ذلك العصر. وهذا الأخير قريب مما يناقش اليوم تحت مشكلة البدائل غير المتصورة. ولا يثبت ذلك أن أفضل تفسير لا قيمة له، ولكنه يمنع القفزة من «هو أفضل ما نعرفه» إلى «استنفد كل ما يمكن أن يكون».
والأصل التيمي في تعقل الغائب يجعل هذه المشكلة أعمق قليلًا؛ لأن المفاهيم التي نبني بها نظرياتنا نفسها تنشأ من مواد حصلت لنا من المشهود ومن التجريد منه. ولذلك قد يكون تطور العلم أحيانًا لا في اختيار جواب جديد لمسألة قديمة فقط، بل في تكوين مفهوم جديد أو إعادة تشكيل مفهوم قديم بحيث يصبح من الممكن تصور بديل لم يكن متاحًا داخل الشبكة السابقة. فحدود الفرضيات ليست دائمًا حدودًا في عدد الجمل فحسب، بل قد تكون حدودًا في أدوات التصور نفسها.
24. ومن هنا ينبغي أن يكون الالتزام الواقعي متدرجًا بحسب ما حمله الدليل. يمكن أن تثبت الواقعة أولًا، ثم أن لها سببًا خارجيًا، ثم تثبت قدرة معينة لذلك السبب، ثم بنية أو علاقة كمية، ثم يأتي بعد ذلك ادعاء أثقل بكثير: أننا عرفنا طبيعته أو كيفيته على الوجه المستنفد. والانتقال من درجة إلى أخرى يحتاج دليلًا زائدًا. فإذا كان نجاح نظرية قائمًا على علاقة استمرت في اختبارات متنوعة، لم يلزم أن نصدق بسبب ذلك كل التفاصيل التصويرية التي أحاطت بها. وإذا تغيرت النماذج وبقيت علاقة معينة تصمد وتنجح، حصلت تلك العلاقة على دعم أقوى من العناصر التي كانت تتبدل مع كل نموذج.
وهذا لا يجعل ابن تيمية منتميًا إلى «الواقعية البنيوية» أو أي مدرسة حديثة بعينها؛ فهو لا يمنع العلم بالطبائع والقوى نفسها متى قام دليل مناسب عليها. وإنما المبدأ الأعم هو: لا تجعل مقدار الالتزام أكبر من مقدار ما أثبته الدليل. وقد يكون الدليل قويًا على الطبيعة نفسها في موضع، وعلى بعض آثارها وعلاقاتها فقط في موضع آخر. كذلك لا ينبغي الخلط بين عدم تصور كيفية الشيء وبين عدم إمكان العلم بأي شيء عنه؛ فقد يكون وجوده وفعله وبعض صفاته معلومًا، مع بقاء كيفيته غير ممثلة تمثيلًا مطابقًا في الذهن. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تحرر الواقعية العلمية من الثنائية بين «إما أن نصور الشيء كما هو من الداخل» و«إما ألا نعرف عنه شيئًا».
25. وبذلك يمكن بناء تصور أكثر دقة لتغير النظريات والتقدم العلمي. إن قول ابن تيمية «ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه» يسمح بفهم التقدم بوصفه ازديادًا في إحاطة التصور بموضوعه من غير اشتراط أن يكون كل ما سبقه باطلًا. قد تكتشف النظرية اللاحقة أن قانونًا سابقًا كان صحيحًا في مجال أضيق مما ظن، أو أن نموذجًا كان تقريبًا صالحًا عند مقياس محدد، أو أن علاقة تنبؤية صحيحة لم تكن هي العلاقة السببية، أو أن وصفًا جامعًا أخفى تحت نفسه نوعين مختلفين، أو أن صورة كيفية كانت مجرد استعانة بمثال مألوف بينما الذي ثبت حقيقة هو علاقة أعمق وأقل ارتباطًا بذلك التصوير.
وهذا يعطي معيارًا مهمًا لفهم الاستمرار عبر تغير النظريات: الشيء الذي يحتفظ بقدرته على التفسير أو القياس داخل مجاله، ويؤيده دليل مستقل، قد يبقى معرفة حقيقية حتى لو تبدلت الصورة الأوسع التي كان موضوعًا داخلها. وفي المقابل، بعض العناصر التي كانت تبدو ضرورية داخل النظرية قد يظهر أنها أدوات تمثيل أو فروض غير لازمة. فالتقدم ليس تراكم جمل فحسب، ولا محو الماضي دفعة واحدة؛ بل عملية فصل متزايد بين ما كان نجاح النظرية قائمًا عليه فعلًا وما كان زائدًا عليه.
ومن هنا تلتقي الواقعية بالتواضع المعرفي دون تناقض: نستطيع أن نقول إن علمًا سابقًا أصاب الواقع في جهة، وإن نظرية لاحقة كانت «أكمل» منه في جهات أخرى. وهذه الصورة أقرب إلى التاريخ الفعلي للعلوم من الثنائية التي تجعل النظرية إما صورة كاملة للعالم وإما خطأ محضًا.
26. غير أن العلم لا يتغير بالمشاهدات وحدها؛ لأن العلماء يعملون داخل شبكات من المفاهيم والاصطلاحات والمشهورات. يقول ابن تيمية: «ما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون على ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم، كما لأهل الصناعات العلمية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم»، ويذكر ألفاظًا مركزية من قبيل العقل، والمادة، والصورة، والجوهر، والعرض، والعلة، والمعلول، والواجب، والممكن، والوجود (درء تعارض العقل والنقل، 1/222–223). ويقرر أن «لكل مذهب أمورًا مشهورة عندهم ربما لا تكون مشهورة عند من يخالفهم» (الرد على المنطقيين، ص398)، كما ينبه إلى أن الإنسان قد «ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ» ثم يحمل الخطاب الجديد على المعاني التي اعتادها (مجموع الفتاوى، 1/243).
فالجماعة العلمية لا تستعمل ألفاظًا محايدة فقط؛ بل قد تتعلم بها طرائق في التصنيف ورؤية المسألة وربط المفاهيم بعضها ببعض، حتى تصبح مقدمات داخل الإطار بديهية لمن تدرب عليه وغير بديهية لغيره. وهذه جهة يمكن مقارنتها بما وصفه توماس كون في حديثه عن المصفوفات التخصصية التي يتعلم العلماء داخلها مسائلهم وأمثلتهم ومعاييرهم، لكن من غير أن نجعل «اصطلاح أهل الصناعة» وحده مساويًا لمفهوم البارادايم بكل مكوناته.
والأهم أن ابن تيمية لا يجعل هذا الاختلاف مانعًا مطلقًا من المقارنة؛ إذ لا يساوي بين اختلاف القالب واختلاف الحقيقة.
27. بل يقدم تحليلًا دقيقًا لكيفية العبور بين الأطر المختلفة. يقول إن «التعبير يتبع التصور» (الإيمان، ص79)، ويقرر: «المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى وضع خاص، بخلاف قوالبها التي هي الألفاظ، فإنها تتنوع» (نقض المنطق، ص287). ثم يقسم الترجمة والتفسير إلى ثلاث طبقات: أولها «ترجمة مجرد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف»؛ والثانية «ترجمة المعنى وبيانه بأن يصور المعنى للمخاطب»، وينبه إلى أن «تصوير المعنى له وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ»؛ والثالثة «بيان صحة ذلك المعنى وتحقيقه بذكر الدليل والقياس» (نقض المنطق، ص171–172). وهكذا يفرق بين معرفة المقابل اللفظي، وفهم المفهوم، والتصديق بصحته.
وهذه الثلاثية تحل جانبًا كبيرًا من مشكلة الاختلاف المفهومي: قد لا يكون للفظ في نظام ما مرادف تام في نظام آخر، لكن يمكن شرح المعنى بضرب الأمثلة، والتقريب، وتركيب صفات يعرفها المخاطب. وحتى بعد نجاح الشرح لا يلزم أن يقبل الطرف الآخر صحة الدعوى؛ فذلك ينتقل إلى مستوى الدليل. ولذلك يقول: «إذا عرفت الاصطلاحات زالت إشكالات كثيرة تولدت من الإجمال» (درء تعارض العقل والنقل، 8/201).
وفي الوقت نفسه يجعل وجود أرضية معرفية مشتركة شرطًا لإمكان الخطاب أصلًا: «جعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لم يكن النظر والاستدلال ولا الخطاب والكلام» (درء تعارض العقل والنقل، 5/62). فالاختلاف النظري يمكن أن يبلغ أعماق المفاهيم، لكنه لا يغلق الإنسان داخل إطار لا سبيل للخروج منه؛ وإلا استحال أصلًا أن يتعلم لغة نظرية أخرى أو أن يصور معناها ثم يناقش دليلها. ومن هنا تكون المقارنة مع مشكلة عدم القابلية للمقايسة عند كون وفيرابند مفيدة إذا ضبطت: اختلاف الشبكات المفهومية قد يجعل الترجمة الكاملة عسيرة، لكنه لا يستلزم عند ابن تيمية «حوار طرشان» أبديًا؛ لأن التصور يمكن شرحه، والاصطلاح يمكن فكه، والخصمين يستطيعان في النهاية العودة إلى مدركات ومعانٍ وأدلة مشتركة.
28. وعلى مجموع ذلك يظهر تصور للعلم الطبيعي مترابط لا يقوم على تقديس الاستقراء ولا على هدمه. الواقع مستقل عن المعرفة، لكن المعرفة تمثله ولا تستنفده؛ الحس يدرك الأعيان، والعقل ينتزع منها المشترك؛ والمشاهدة لا تأتي دائمًا بتفسيرها النظري الوحيد، ولذلك قد تتوافق البيانات نفسها مع أكثر من بنية، ويكون عمل البحث طلب أدلة جديدة تميز بينها. والتعميم لا يصح بكل تشابه، بل بتماثل في جهة ثبت استلزامها للحكم أو تأثيرها فيه. والاقتران لا يكفي لإثبات العلة، بل يحتاج إلى نفي المزاحم، كما أن التلازم قد ينشأ عن سبب ثالث، والدليل الذي نعرف به الشيء ليس هو بالضرورة علته. والأسباب حقيقية ولها قوى وطبائع، لكن السبب الجزئي لا يستقل عادة بالأثر، بل يعمل مع القابل والشروط وسائر الأسباب وفي غياب الموانع. ولذلك لا يكون فشل التنبؤ دائمًا نفيًا للسبب، ولا يكون النجاح التنبؤي وحده تفسيرًا سببيًا.
والقوانين في هذا البناء لا تتحول إلى ضرورات أزلية لمجرد اطرادها؛ فقد تصدق «ما دام العالم على هذه الصورة»، وقد يكون لبعضها شروط ومجالات لا يعمل خارجها، من غير أن يعني تغير العادة انهيار السببية. والتجربة نفسها لا تكفي بمجرد التكرار؛ ينبغي السؤال عما أعيد بالفعل، وما إذا عزل العامل، وما إذا حسبت الإخفاقات، وما إذا كانت خطوط الدليل مستقلة. والنتيجة التي تنجح في بيئة لا تنقل بلا بحث إلى أخرى ما لم تحفظ الجهات السببية ذات الصلة.
والرياضيات تعزل المقادير والبنى من الموجود، فيكون البرهان يقينيًا في المجرد مع بقاء تطبيقه على الخارج محتاجًا إلى دليل المطابقة. ومن هذا التجريد ينشأ النموذج: مطابقة بلا مماثلة تامة، وتمثيل انتقائي يمكن أن يشتمل على مثالية وتبسيط ويكون له نطاق صلاحية. لكن النموذج لا يعمل في فراغ تصوري؛ فالإنسان لا يفهم الغائب إلا بواسطة قدر مشترك حصل له أصل معناه من المشهود، أو بواسطة شبه من بعض الوجوه. وهنا تتحدد وظيفة المثال نفسه: أن يجعل الغائب قابلًا للفهم، لا أن يثبت أن كيفيته هي كيفية ما شبه به. فالاشتراك الذي يتيح المعرفة لا يرفع الفارق الذي يمنع التماثل.
ومن ثم فقد يثبت العلم موجودًا غير مرصود بآثاره، ويفهم بعض صفاته بواسطة الكليات المشتركة، ويثبت له قوى وعلاقات حقيقية، مع بقاء صورته الكيفية غير مستنفدة في نماذجنا. وقد توجد موجودات لم نصغ لها كليات بعد، وقد نصوغ كليات لا مصداق لها، فلا تكون أفضل فرضياتنا ضمانًا بأنها استنفدت فضاء الإمكان. وحتى النظريات نفسها تنشأ داخل أطر اصطلاحية وتخصصية قد تؤثر في طريقة تصور المشكلات، لكن اختلاف الأطر لا يلغي إمكان الفهم والترجمة والمحاكمة إلى الدليل.
ومن هنا يجتمع في هذا التصور الواقعية، والتجريب، والسببية، وقابلية المراجعة، والتواضع المعرفي من غير تناقض: العلم ممكن لأن للواقع بنية حقيقية يمكن للعقل أن يصيب منها شيئًا، وهو غير نهائي لأن «ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه». والقاعدة التي تجمع هذه الفروع كلها هي أن مقدار الالتزام ينبغي أن يساوي مقدار ما أثبته الدليل: فلا يعمم الجزئي إلا بجامع معتبر، ولا يجعل الارتباط علة، ولا يجعل السبب الناقص سببًا تامًا، ولا تجعل العادة ضرورة ميتافيزيقية، ولا يمدد القانون وراء مجاله بلا برهان، ولا يحمل البرهان الرياضي على الخارج قبل إثبات المطابقة، ولا يجعل النموذج هو الموجود نفسه، ولا تجعل الصورة التي استعنا بها لفهم الغائب عين كيفيته، ولا يجعل نجاح النظرية إثباتًا لكل ما اشتملت عليه، ولا يتحول عدم العلم إلى علم بالعدم، ولا يصبح مشهور أهل صناعة حقيقة بمجرد اشتهاره.
وفي مقابل هذا التقييد كله لا ينتهي ابن تيمية إلى الشك؛ فالاستدلال يمكن أن يزداد قوة بنفي البدائل، وتعدد الاختبارات، واستقلال الأدلة، والكشف عن المقتضيات، وتحديد شروط القوانين، وتحسين النماذج، وتصحيح المفاهيم. وهكذا يكون حد العلم عنده ليس أن الإنسان لا يعرف الحقيقة، بل ألا يجعل ما عرفه منها مساويًا لكل ما فيها؛ ولا يجعل المثال الذي فهم به الغائب هو الغائب نفسه، ولا النموذج الذي أحسن به الحساب هو العالم ذاته، ولا التفسير الأفضل الذي تصوره الآن آخر ما يمكن أن يكون في الواقع. والبحث العلمي الحق عندئذ حركة مستمرة من المشاهد إلى المعقول، ومن الاقتران إلى السبب، ومن المثال إلى القدر المشترك الذي يحمله، ومن النموذج إلى ما يمثله، ومن التصور الصادق إلى تصور أكمل منه، مع بقاء الحقيقة في جميع ذلك سابقة على العالم بها وحاكمة على علمه، لا محكومة به.
رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم رحمه واسعة وجزاهم عنا كل خير
هذا والحمد لله والله أعلم.




