أبحاث شرعيةأبحاث عقديةالإلحاد

بيانُ إعجاز خبر نار الحجاز

مقدمة

الحمد لله الذي أيد رسوله بالبينات، ونصب على صدقه من الآيات ما تشهد به العقول السليمة، وتصدقه الأخبار الصحيحة، وتنطق به الحوادث الواقعة على مرور الأيام وتعاقب الأعوام، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وتقوم الحجة على أهل الريب والعناد.

فهذا فصل مقصوده بيان ما في الخبر النبوي الوارد في خروج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى من دلائل النبوة، وما تضمنه من الإعجاز، بإخباره عن الحادثة المشهورة سنة 654 هـ.

وقد انتظم الكلام فيه في أربعة مقامات:

أحدها: في تحقيق تقدم الخبر على وقوع مخبره، على وجه تندفع به دعوى الوضع المتأخر.

والثاني: في تقرير ثبوت هذه الحادثة نفسها، بما تظاهرت به النقول، وتواطأت عليه شهادات من عاصرها من الأئمة والمؤرخين، وما وافق ذلك من دلائل البحث الجيولوجي الحديث.

والثالث: في بيان انطباق أوصاف الحديث عليها من كل وجه انطباقا لا مدفع له.

والرابع: في إيضاح وجه الإعجاز في هذا الخبر، وبيان ما تضمنه من الدلالة على النبوة.

وقد بسط في كل مقام من وجوه الاستدلال ما يليق به، ودفع ما يرد عليه من إشكال أو اعتراض، رجاء أن يكون ذلك زيادة في بصيرة المؤمن، وإقامة للحجة على المتردد والمعاند. والله نسأل أن يرزقنا الإخلاص في القصد، والسداد في القول، والتوفيق لما يحبه ويرضاه.

المقامُ الأوَّل: في تقدُّم الخبر على المُخبَر به

روى الإمامُ البخاريُّ في صحيحه بإسناده عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهريِّ، قال: قال سعيدُ بن المسيِّب: أخبرني أبو هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى تخرجَ نارٌ من أرض الحجاز تُضيءُ أعناقَ الإبل ببُصرى» [1].

ورواه الإمامُ مسلمٌ في صحيحه من طريقين: أحدُهما طريقُ حرملةَ بن يحيى عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب الزهريِّ، والآخرُ طريقُ عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جدِّه عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب، كلاهما عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة [2]. وروى غيرُهما، وسائرُ الطرق تلتقي عند ابن شهاب الزهريِّ عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة، وهذه من أصحِّ الأحاديث على شروط أهل العلم [1] [2].

1774536358498 c33f0d1f e9fd 4ba6 8363 5d96eeb18f78 بيانُ إعجاز خبر نار الحجاز

وهذا المقام أجلاها أمرا وأيسرها مؤونة، إذ الأمر فيه من الظهور بحيث لا يحتاج معه إلى إطالة، فإن هذا الحديث قد استقر في دواوين الإسلام الكبرى وكتب السنة المتواترة عن أصحابها جيلا بعد جيل، وقد بقي إلى زماننا هذا من مخطوطاتها ما يسبق وقوع الحادثة بقرون متطاولة، فليس لمتعنت سبيل إلى ادعاء أن هذا الخبر وضع أو زيد بعد وقوع ما أخبر به.

بل قد روى هذا الحديث عن ابن شهاب الزهري الجمع الغفير من الحفاظ الأثبات ونقله عنه أئمة الحديث في مصنفاتهم المعتمدة الشهيرة، فلا أقل من القطع بثبوت نسبته تاريخيا إلى ابن شهاب الزهري رحمه الله. وبين وفاته وبين حدوث البركان 530 سنة [1] [2].

المقامُ الثاني: في ثبوت الحادثة

وقد كان ظهور ما أخبر به النبي ﷺ سنة 654 هـ، الموافقة لسنة 1256م، وذلك بحرة رهط بقرب المدينة النبوية؛ إذ ثار هنالك بركان عظيم دام 52 يوما، وتواتر خبره في سائر أمصار الإسلام، وثبت أمره أيضا بما انتهى إليه البحث الجيولوجي الحديث [5] [9] [18].

وهذه الحادثة مما شاع ذكره، واستفاض خبره، وتكلم فيه غير واحد من أهل العلم ممن أدرك زمانه أو قاربه. قال النووي — وهو من أهل عصرها — في شرح صحيح مسلم [3]: «خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمئة، وكانت نارا عظيمة جدا من جانب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة». وقال الذهبي في تاريخ الإسلام [4]: «أمر هذه النار متواتر».

وأفرد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية [5] فصلا عقده لذكر هذا الشأن، فقال في عنوانه: «ذكر الخبر الوارد في ظهور نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى من أرض الشام»، ثم قال: «فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي — وهو معاصر للحادثة — في كتابه “الذيل”، وشرحه واختصره، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من أرض الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها».

ووصف القرطبي في التذكرة [6] هذه النار وصفا بديعا يدل على عظيم شأنها ودقة ما نقل من خبرها، فقال: «ظهرت نار بالحجاز بالمدينة، وابتدأت بزلزلة عظيمة ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة 654ه بعد صلاة العشاء، واستمرت إلى ضحى يوم الجمعة ثم سكنت. ثم ظهرت النار بقريظة بطرف الحرة، ترى في صورة البلد العظيم عليه سور محيط به شرف وأبراج ومنارات، ويرى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، يسيل من جميعها كالنهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخر بين يديه». وهذا الوصف بما فيه من تشبيهها بمدينة ذات أسوار وأبراج، يوافق ما يشاهد في جبهة سيل الحمم البازلتية إذا تقدمت وتتابع اندفاعها [6] [9].

ومن الأخبار الفريدة في هذا الباب ما نقله ابن كثير [5] عن ابن الساعي، أن رسالة وصلت إلى الوزير ببغداد يوم الجمعة الثامن عشر من رجب سنة أربع وخمسين وستمائة، حملها رسول يدعى قيماز العلوي الحسني المدني، تضمنت أن المدينة زلزلت، وأن نارا ظهرت على بعد أربعة فراسخ، «تلقي الزبد كرؤوس الجبال»، وأن الرسول قال: «مررت بها مع البريد اليمني، فألقينا فيها جريدة نخل فلم تحترق، وإنما كانت تحرق الصخر وتذيبه». وهذه الملاحظة من أدق ما يذكر في صفة هذه النار؛ فإن الحمم البازلتية تبلغ من الحر ما يذيب الصخور ويصهرها، ولا يلزم من ذلك أن تشعل كل جسم عضوي على الوجه الذي يتوهم [9].

ثم جاء البحث الجيولوجي الحديث مؤيدا لذلك، مثبتا لوقوع هذا الثوران، حتى صار هذا الثوران البركاني يعرف في الدراسات باسم Basalt of Al-Labah، وعلم من خلال قراءة الأثر الأرضي الباقي في حرة رهط أن الذي وقع هنالك ثوران بركاني شقي بازلتي سنة 1256م [8] [18].

ويقرر المسح الجيولوجي الأمريكي، في المشروع المشترك بين هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية وهيئة المساحة الجيولوجية السعودية، المنشور سنة 2023م في USGS Professional Paper 1862 الخاص بشمال حرة رهط، أن ثوران سنة 1256م/654ه هو الثوران التاريخي الموثق الوحيد في جوار المدينة [8] [18].

المقامُ الثالث: في بيانِ مطابقةِ الخبرِ للواقعة

جاء في الحديث الشريف ذكرُ ثلاثة قيود: الأوَّل أنَّه نار، والثاني أنَّه من أرض الحجاز، والثالث أنَّ ضوءه يبلغ بصرى في الشام [1] [2].

أما القيد الأول، فينطبق تمام المطابقة وصف هذا البركان بأنه نار خارجة من الأرض، فقد كان هذا الثوران — كما في دراسة كواباتا وزملائه المنشورة في Bulletin of Volcanology [10] — من النوع الهاواي البازلتي الشقي (Hawaiian basaltic fissure eruption)، الذي ينتج نوافير نارية حمراء-برتقالية متوهجة ترتفع مئات الأمتار.

وإن الثورانات البركانية ليست نوعا واحدا، منها ما يقتصر على بخار وغاز، ومنها ما يقذف سحبا كثيفة من الرماد والحطام تحجب الضوء أكثر مما تنتجه، ومنها ما يفيض لابة باردة متجمدة سرعان ما تسود. وهذه الأنواع جميعها لا يصح وصفها ب«النار» في الإدراك الحسي المباشر [9] [10].

من أراد الوقوف على حقيقة هذا المعنى ومصداقه في العيان، فلينظر إلى ثوران كيلاويا-إكي سنة 1959م بهاواي، وهو من جنس هذا البركان في نوعه، أعني الهاواي البازلتي الشقي، كيف يصدق عليه اسم النار صدقا لا ترده عين:

وأمَّا القيدُ الثاني — أي خروجُه من أرض الحجاز — فإنَّ الثوران خرج من نحو 20 إلى 22 كيلومترًا جنوبَ شرقيِّ المدينة في حرَّة رهط [8] [18] [19]؛ وهذا الموضعُ من أرض الحجاز اتِّفاقًا، فلا يختلف الناسُ في أنَّ المدينة النبوية وما حولها من أرض الحجاز.

فإنَّ الحجازَ في أصله اسمٌ للإقليم المحتجَز بين شرقيِّ جبل السراة، فيشمل سائرَ الحرَّات والمرتفعاتِ الحاجزةَ بين تهامةَ ونجد، وحرَّةُ رهط كذلك. قال الأصمعيُّ كما في معجم البلدان لياقوت الحموي [19]: «ما احتزمت به الحرار، حرَّةُ شوران وحرَّة ليلى وحرَّة واقم وحرَّة النار وعامَّةُ منازل بني سليم إلى المدينة، فذلك الشقُّ كلُّه حجاز». وحرَّةُ شوران التي ذكرها في الجنوب الشرقيِّ من المدينة، وكذا كثيرٌ من منازل بني سليم، ومنها ما هو أبعدُ من منطقة الثوران.

وأمَّا القيدُ الثالثُ، وهو بلوغُ الضوءِ بُصرى، فليس في لفظِ الحديثِ ما يقتضي حملَه على رؤيةِ عينِ النارِ من بُصرى، بل غايةُ ما فيه الإخبارُ بأنَّ ضوءَها يبلغُ ذلك الموضعَ حتى يظهرَ أثرُه على ما فيه من الأجسام. فإنَّ المفعولَ في الخبرِ إنما هو أعناقُ الإبل، لا نفسُ النار؛ فالمخبَرُ عنه وقوعُ الإنارةِ على الأعناق، لا وقوعُ الإبصارِ على عينِ النار. ولو كان المرادُ رؤيةَ ذاتِ النارِ من ذلك الموضع، لكان مقتضى البيانِ أن يُقال: حتى تُرى النارُ ببُصرى، فلمَّا عُدِل عن ذلك إلى ذكرِ الأعناقِ وما يقعُ عليها من أثرِ الضوء، عُلِم أنَّ المقصودَ إنما هو أثرُ النورِ لا مشاهدةُ جرمِ النار.

ويزيدُ هذا المعنى ظهورًا قوله: ببُصرى؛ فإنَّ اللفظَ لم يَرِدْ على جهةِ الابتداء بـ من بُصرى، وهي العبارةُ التي كثيرًا ما يُعبَّرُ بها عن موضعِ الرائي ومبدأِ النظر، وإنما وردَ على جهةِ الظرفية، أي أنَّ الإبلَ الكائنةَ ببُصرى يُصيبُها من ذلك الضوءِ ما يُظهرُ أعناقَها. فدلَّ نظمُ الكلامِ على مكانِ ظهورِ الأثر، لا على مكانِ رؤيةِ عينِ المؤثِّر.

ثم إنَّ العربَ قد تُسنِدُ الإضاءةَ إلى الشيءِ إذا ظهرَ أثرُ نورِه في غيرِه، وإن لم يلزمْ من ذلك أن يكونَ الناظرُ قد عاينَ نفسَ المصدر. فيُقال: أضاءتِ النارُ ما حولَها، والمعنى أنَّ نورَها سرى إلى ما جاورَها فأبانَه وكشفَه، لا أنَّ كلَّ من رأى ما أضاءتْه فقد رأى النارَ نفسَها بالضرورة. فهذا من الاستعمالِ العربيِّ المعروف، وهو بعينِه الجاري في هذا الحديث.

فإن قيل: إنَّ رؤيةَ النارِ، أعني الثورانَ، من بُصرى على بُعد 940–950 كيلومترًا متعذِّرةٌ لانحناءِ الأرض؛ قيل: نعم، ولكنَّ هذا غيرُ مرادٍ في الحديث، كما تقدَّم، وإنما المرادُ بلوغُ الضوءِ بسببِ الثوران، وذلك أمرٌ ممكنٌ في العادة، بل قد وقعَ نظيرُه، كما سيأتي بيانُه.

وأمَّا إمكانُ ذلك في العادة، فيشهدُ له ما ثبتَ في جملةٍ من الثوراناتِ العظام، من أنَّ ضوءَها أو أثرَه الجويَّ قد بلغَ نواحيَ بعيدةً، فيما يُسمَّى اليوم توهُّجَ السماءِ البركانيَّ (Volcanic Skyglow). فمن ذلك بركانُ كراكاتوا سنة 1883م بإندونيسيا، وقد حُفظتْ شهاداتُ آثاره في تقريرِ لجنةِ كراكاتوا التابعةِ للجمعيةِ الملكية [11]، وهو تقريرٌ أفردَ قسمًا كاملًا للظواهرِ الضوئيةِ غيرِ المعتادةِ في الغلافِ الجويِّ بين 1883 و1886، وجاء فيه: «لم تكن السماءُ تظلمُ ليلًا، وحتى عند منتصفِ الليلِ في أغسطس، كان بالإمكانِ قراءةُ المطبوعاتِ الصغيرةِ في سيبيريا وبرلين وجنوة إلخ» [11]. وبين البركان وجنوة نحو 10,500 كيلومتراً، وبينه وبين برلين نحو 10,200 كيلومتراً!

وجاء في شهادةٍ من جنوبِ إفريقيا، على بُعد 8200 كيلومتر، أنَّ «الضوءَ كان قويًّا بما يكفي لأن يُلقي ظلًّا داكنًا على جدارٍ أو على أيِّ شيءٍ آخر، إذا أُمسكَ جسمٌ قريبًا منه» [11].

بل إنَّ بركانَ فويغو سنة 1974م في غواتيمالا، وهو دونَ بركانِ حرَّةِ رهطٍ من جهةِ الحجمِ الكليِّ للمادةِ المقذوفة، قد دُوِّنتْ آثارُ غبارِه الستراتوسفيريِّ البعيدِ في دراساتٍ علميةٍ معاصرة. فقد جاء في دراسةِ حدثِ الغبارِ والهباءِ الجويِّ في طبقةِ الستراتوسفير في نوفمبر 1974م [12] أنَّ سحابةَ الغبارِ شوهدت فوق باخا كاليفورنيا وجنوبِ أريزونا، مقترنةً بـ «توهُّجاتٍ شفقيةٍ ملوَّنةٍ من النمطِ الذي يُعهَدُ اقترانُه بالثوراتِ البركانية». ثم كُتب بعد ذلك بمدَّةٍ يسيرة [12]: «وقد شوهدت منذ 26 نوفمبر 1974م في نيو إنغلند توهُّجاتٌ شفقيةٌ مخطَّطة». وبين فويغو وجنوبِ أريزونا، إذا اتُّخذت توكسون ممثِّلًا تقريبيًّا، نحو 2834 كيلومترًا، وبينه وبين نيو إنغلند، إذا اتُّخذت بوسطن ممثِّلًا تقريبيًّا، نحو 3636 كيلومترًا.

ثم إنَّ العلماءَ الذين علموا بهذه الحادثةِ قد اتفقوا على أنَّها هي المرادةُ بالحديث. قال أبو شامةَ المقدسيُّ، وهو من أهلِ عصرِها، في ذيل الروضتين [7]: إنَّها «تصديقٌ لما في الصحيحين»، حتى أفردَ القُطبُ القسطلَّانيُّ، المتوفى سنة 686هـ، لها كتابًا مستقلًّا سمَّاه: حمل الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز.

وممَّا يُبيِّن صحَّةَ خبر بلوغ الضوء إلى بصرى أنَّه لم يُحفَظ عن أحدٍ من العلماء — مع كثرتهم وتباعد أمصارهم واختلاف أعصارهم — إنكارُ هذا التطبيق، ولا التوقُّفُ فيه، ولا العدولُ إلى أنَّ تلك النار إنَّما وافقت بعضَ أوصاف الحديث دون بعض، وأنَّ المراد به نارٌ أخرى لم تأتِ بعد [3] [5] [6] [7].

ولو كان في الأمر مُتَّسَعٌ للاحتمال، أو مجالٌ لمدافعة هذا التنزيل، لما خلا الزمانُ من قائلٍ بذلك؛ إذ من المعلوم ضرورةً من حال أهل العلم والدين شدَّةُ تحرِّيهم. ثمَّ هم مع هذا جمعٌ كثير لا يُتصوَّر في مثلهم تواطؤٌ على دعوى لا أصل لها، ولا اشتراكٌ في باعثٍ يحملهم على الإقرار بما لم يثبت عندهم.

بل الأمرُ بالعكس، فإنَّ الداعيَ إلى الخلاف أو الوقف أو المنع أقوى؛ لأنَّ الاحتياطَ في تنزيل الأخبار النبوية على الوقائع أليقُ بهم، فإنَّ باب أشراط الساعة والأخبار المغيَّبة مبناه على التوقيف والتحرُّز، لا على المسامحة والتجوُّز. فلو لم يكن ثبوتُ هذا الوصف عندهم ظاهرًا، لكان مقتضى ديانتهم أن يظهر فيهم الخلافُ أو التوقُّف، لا الاتِّفاقُ على التعيين.

فإذا ثبت هذا قلنا: لو لم يكن بلوغُ الضوء إلى بُصرى حقًّا ثابتًا لما جاز للعلماء أن يُعيِّنوا نارَ حرَّة رهط مرادًا بالحديث، لانتفاء داعي الموافقة وقيام داعي الاحتياط. فلمَّا لم يُعلَم عالمٌ واحد سلك هذا المسلك، بل اتَّجه كلامُهم إلى التعيين، عُلِم أنَّهم إنَّما قالوا ذلك لثبوت الوصف المميِّز عندهم، وهو بلوغُ الضوء بُصرى. فكان اتِّفاقُهم دالًّا على ثبوت هذا القيد بعينه. فليُتأمَّل هذا الموضع، فإنَّه نفيس [3] [5] [6] [7].

ووجهٌ آخر: أن أبا شامة المقدسيُّ (ت665هـ) قال في ذيل الروضتين [7] — وهو معاصرٌ للحادثة — في حوادث تلك السنة:

«ليلةَ السادس عشر من جمادى الآخرة خَسَف القمرُ أوَّلَ الليل وكان شديدَ الحمرة ثمَّ انجلى، وكَسَفت الشمسُ في غده، احمرَّت وقتَ طلوعها وقريبَ غروبها وبقيت كذلك أيَّامًا متغيِّرةَ اللون ضعيفةَ النور، والله تعالى على كلِّ شيء قدير».

وقال بعد حكاية قصص النار: «وبان عندنا بدمشق أثرُ الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، وكنَّا حيارى من ذلك أيش هو؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار» [7].

وإن راجعنا بياناتِ وكالة ناسا لكسوفات القرن الثالث عشر، لن نجد في يوليو 1256م أيَّ خسوفٍ قمريٍّ أو كسوفٍ شمسيٍّ كان مرئيًّا من دمشق [13] [14]. وقد وقع فعلًا في التاسع من يوليو/تموز 1256م خسوفٌ قمريٌّ، لكنَّه لم يكن مرئيًّا من دمشق، وإنَّما كانت ذروةُ الخسوف عند خطِّ طول 101° غربًا تقريبًا، أي بعيدًا عن مجال الرؤية في المشرق الإسلامي [13].

LE1256 07 09P بيانُ إعجاز خبر نار الحجاز

كما لا تسجِّل جداولُ ناسا أيَّ كسوفٍ شمسيٍّ في يوليو/تموز 1256م، وإنَّما كان أقربُ كسوفٍ شمسيٍّ هو الكسوفَ الكليَّ في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران 1256م، وقد كانت ذروتُه عند 149° شرقًا تقريبًا، وهو أيضًا خارج نطاق الرؤية في بلاد الشام ومصر [14].

1256 06 24 بيانُ إعجاز خبر نار الحجاز

ونفسُ حكاية أبي شامة تأبى الكسوفَ والخسوفَ الحقيقيَّين، وذلك أنَّ أوَّل ما يلفت النظرَ أنَّ أبا شامة وصف خسوفًا للقمر «أوَّل الليل»، ثمَّ قال عن الشمس: «وفي غده احمرَّت وقتَ طلوعها وغروبها وبقيت كذلك أيَّامًا». وهذه السلسلة وحدها تكاد تستبعد الكسوفَين الحقيقيَّين؛ لأنَّ الخسوف القمريَّ لا يكون إلَّا عند البدر، بينما الكسوفُ الشمسيُّ لا يكون إلَّا عند المحاق، أي إنَّهما مرتبطان بطورَين متضادَّين من أطوار القمر، فلا يقع خسوفٌ قمريٌّ ثمَّ كسوفٌ شمسيٌّ «في الغد» على المعنى الحرفي [13] [14].

فاحمرارُ القمر مردُّه إلى التبعثر الانتخابي (Mie scattering) الذي تُحدثه الجسيماتُ الكبريتية، إذ تحجب الأطوالَ الموجية القصيرة وتُمرِّر الأطوالَ الحمراء، فيبدو القمرُ عند الأفق — حيث المسيرُ الجوِّيُّ (optical path length) في أقصاه — أحمرَ كثيفًا. وقولُه «ثمَّ انجلى» حجَّةٌ على نفي الخسوف الحقيقي؛ لأنَّ القمرَ في الخسوف الفلكيِّ يخبو ثمَّ يعود، لا يحمرُّ ثمَّ ينجلي في أوَّل الليل. وأمَّا في أثر الهباء فبحسب ارتفاع القمر عن الأفق يخفُّ العمقُ البصريُّ (optical depth) للطبقة التي يخترقها، فينجلي ضوؤه كلَّما علا — وهذا هو التسلسل المعاكس للخسوف تمامًا [16].

وكذلك قولُه: «كسفت الشمسُ في غده، احمرَّت وقتَ طلوعها وقريبَ غروبها»، فاحمرارُها في الطرفَين معًا — لا في لحظة واحدة من النهار — هو البصمةُ البركانيَّة الموثَّقة، إذ يبلغ المسارُ الجوِّيُّ (atmospheric path) أقصى سماكتِه عند الأفقَين. والكسوفُ الحقيقيُّ لا يقع في طرفَي النهار، بل في لحظة معلومة منه. فضلًا عن أنَّ «الغد» يستحيل في حقِّ الخسوف الفلكيِّ، لأنَّ الخسوف عند البدر والكسوف عند المحاق، ولا يفصل بينهما أقلُّ من أسبوعَين — فـ«الغد» هنا لا يصف إلَّا استمرار حادثة جوِّيَّة واحدة [13] [14] [16].

وقولُه: «وبقيت كذلك أيَّامًا متغيِّرةَ اللون ضعيفةَ النور»، فهذا هو الفصلُ القاطع؛ إذ لا يبلغ الكسوفُ الكليُّ سبعَ دقائق، ولا الخسوفُ الكليُّ ساعةً ونصفًا، فلا تبقى هذه الآيةُ «أيَّامًا» بحال. وأمَّا الهباءُ الكبريتيُّ الستراتوسفيريُّ (stratospheric sulfate aerosol) فيُقيم في الغلاف الجوِّيِّ أشهرًا وسنين، وقد وثَّقت ثوراناتٌ حديثة كبيناتوبو (1991م) وتامبورا (1815م) استمرارَ التعتيم السطحيِّ (surface dimming) وتغيُّرَ اللون أسابيعَ وأشهرًا. فـ«أيَّامًا» في كلام أبي شامة توصيفٌ مقتضَب لظاهرة أطولَ منها أمدًا [16].

وكفى دليلًا قولُه: «وكنَّا حيارى من ذلك أيش هو؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار»، لأنَّ أبا شامة يكتب في حضارة أتقنت الرصدَ الفلكيَّ قرونًا. وعالمٌ كهذا لا يتحيَّر من كسوف أو خسوف مألوف. فحيرتُه دليلٌ على أنَّه رأى ما لا يطابق في ذهنه صورةَ الكسوف المعهود، فاستعار له أقربَ المصطلحات إلى ما شاهده من خفوت الضوء وتغيُّر اللون ثمَّ وقف حائرًا [7].

وفي المعاجم العربية القديمة لا ينحصر لفظا «كسف» و«خسف» في الاصطلاح الفلكيِّ الحديث. قال ابنُ منظور في لسان العرب [15] في مادَّة «ك س ف»: «كسفت الشمسُ تكسِف كسوفًا: تغيَّرت وذهب ضوؤها». وقال في مادَّة «خ س ف»: «خسفت الشمسُ وكسفت بمعنى واحد»، فمرجعُ اللفظَين في الاستعمال اللغويِّ القديم هو ذهابُ الضوء وتغيُّرُ اللون، لا الاحتجابُ بجرم آخر. ومن هنا يتبيَّن أنَّ أبا شامة حين قال «خسف القمرُ» و«كسفت الشمس» إنَّما وصف بعينه ما رأى: جرمًا خفت نورُه وتغيَّر لونُه، وهو عينُ ما يصنعه الهباءُ الكبريتيُّ [15].

فما ذكره أبو شامة عند التحقيق عينُ ما تُحدثه الهباءاتُ الكبريتيَّةُ البركانيَّة (volcanic aerosols) والضبابُ البركانيُّ (vog)؛ إذ تتحوَّل ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) في الغلاف الجوِّيِّ إلى جسيمات كبريتات دقيقة (sulfate aerosols) تُحدث امتصاصًا وتبعثرًا انتقائيًّا للإشعاع الشمسيِّ، فتزيد العمقَ البصريَّ الجوِّيَّ، وتُضعف الاستضاءةَ السطحيَّة (surface irradiance)، وتُرجِّح مرورَ الأطوال الموجيَّة الحمراء عند الشروق والغروب، فيبدو القرصان الشمسيُّ والقمريُّ أحمرَين خافتَين [16].

ومعلومٌ أنَّ هذه الجسيمات يمكنها في آنٍ واحد أن تُضعِف الضوءَ المباشر بحجبه وتشتيته، وأن تزيد الضوءَ المنتشر في السماء والأفق بإعادة نثره وبعثرته؛ فترى العينُ في بعض الأحوال خفوتَ جرمٍ أو ضوءٍ مباشر، وفي أحوالٍ أخرى ازديادَ وهج الشفق والآفاق وطولَ ألوان الغسق، كما تقدَّم ضربُ المثل عليه [16].

فيُعلَم من هذا: أنَّ أثرَ البركان قد بلغ يقينًا إلى دمشق على بُعد أكثر من ألف كيلومتر. وبُصرى تقع على بعد 108 كيلومترات جنوبَ دمشق، ودونها في البُعد عن موقع الثوران البركاني، فبينهما نحوُ960-970 كيلومترًا. فإن كان الأثرُ البركانيُّ قد بلغ إلى الموضع الأبعد فلأن يبلغ إلى بصرى — أي الأقرب — من باب أولى. فلا أقلَّ من الثبوت اليقينيِّ من صدق الدعوى الأعمِّ الملازمة للحديث: «ستخرج نارٌ من أرض الحجاز يبلغ أثرُها إلى بصرى»؛ وحسبُك بهذا إعجازًا! [7] [13] [14].

المقامُ الرابع: بيان إعجاز الخبر

توفي النبيُّ ﷺ سنة إحدى عشرة من الهجرة (632م)، وليس في أرض الحجاز بأسرها ثورانٌ بركانيٌّ مؤكَّدٌ في السجلِّ الجيولوجيِّ وقع في حياة النبيِّ ﷺ ولا في المدَّة القريبة قبل بعثته يصلح أن يُبنى عليه رأيٌ أو يُنتزع منه تنبُّؤ.

والثوران الذي وقع سنة 654هـ (1256م) هو الثوران التاريخيُّ الموثَّق الوحيد في جوار المدينة، كما قرَّره المسحُ الجيولوجيُّ الأمريكيُّ-السعوديُّ المشترك [8] [18] (USGS Professional Paper 1862, 2023).

فأمَّا حرَّةُ رهط — وهي أكبر حرَّات الحجاز، تمتدُّ على نحو عشرين ألف كيلومتر مربَّع — فليس فيها من ثورانات عصر الهولوسين (Holocene) المؤكَّدة إلَّا اثنان: ثورانُ بازلت اللابة المؤرَّخ تاريخيًّا بسنة 1256م، وثورانٌ تراكيتيٌّ (trachytic eruption) يُقدَّر عمرُه بنحو أربعة آلاف ومئتَي سنة. وأمَّا مجموعةُ المخاريط والتدفُّقات في الضواحي الغربية للمدينة — التي كانت تُنسب سابقًا لثوران سنة 641م — فقد كشف التأريخُ الحديثُ أنَّ عمرها ثلاثة عشر ألفًا وثلاث مئة سنةٍ بانحراف معياريٍّ قدرُه ألف وتسع مئة سنة، عند حدود البليستوسين-الهولوسين (Pleistocene-Holocene boundary) [17] [18].

وأمَّا حرَّةُ خيبر — وتمتدُّ على نحو أربعة عشر ألف كيلومتر مربَّع، شمالَ شرق المدينة بنحو مئة وسبعة وثلاثين كيلومترًا — فلا يُعرف فيها من الثورانات التاريخية إلَّا ثورانٌ واحد يُؤرِّخه برنامجُ البراكين العالميِّ (GVP) [21] بسنة 650م بانحراف خمسين سنة، وهو بعد وفاة النبيِّ ﷺ لا قبلها، فلا يصلح مصدرًا لتنبُّؤٍ سابق. وأشهرُ ثوراناتها — جبلُ الأثمور — ثار قبل نحو ألفَي سنة بحسب التأريخ بالنظائر الكونية (cosmogenic nuclide dating)، أي قبل أيِّ استيطانٍ عربيٍّ مدوَّن في تلك الأصقاع.

وأمَّا سائرُ حرَّات الحجاز — كحرَّة إثنين ولُنيِّر وعُويرض وغيرها — فلا ثورانَ يعود إلى ما قبل البعثة أو أثنائها في أيٍّ منها [17] [21].

وإنَّما آخرُ ثوران مؤكَّد قبل زمن النبيِّ ﷺ في محيط المدينة هو إمَّا ذلك الثورانُ التراكيتيُّ (قبل نحو 4,200 سنة) أو مخاريطُ الضواحي الغربية (قبل 13,300 سنة). والذاكرةُ الشفهية لا تحفظ أحداثًا بهذا القِدَم بأيِّ دقَّة تصلح أساسًا لإخبار [17] [18].

هذا، ومجرَّدُ النظر في حرَّات الحجاز لا يوحي بثورانٍ مرتقَب، فلا يرى الناظرُ فيها إلَّا سهلًا من الحجارة السوداء القديمة، خامدةً لقرون لا دلالةَ فيها على نشاطٍ قريب. ثمَّ لو فُرض أنَّ ناظرًا أدرك أنَّ تلك الحجارة السوداء أصلُها انصهارٌ باطنيٌّ (igneous origin) — لا مجرَّدُ لونٍ طبيعيٍّ — فمن أين له أنَّ ذلك الانصهار قابلٌ للتكرُّر، لا أنَّه ممَّا يحدث لمرَّةٍ ثمَّ ينقضي؟

ثمَّ إنَّ الثوراناتِ البركانيَّة ليست نوعًا واحدًا، بل هي أقسامٌ متباينة تباينًا بالغًا في مظهرها وطبيعتها، يتحدَّد كلٌّ منها بتركيب الصهارة (magma composition) ودرجة لزوجتها (viscosity) ومحتوى غازاتها الذائبة (dissolved gas content). وأبرزُ هذه الأقسام [9] [10]:

القسمُ الأوَّل: النوع البلِينيُّ (Plinian eruption). يقذف أعمدةً هائلة من الرماد والحطام الصخريِّ ترتفع عشرات الكيلومترات في الجوِّ، فتحجب الضوءَ وتكسو السماءَ ظلامًا. كما وقع في ثوران فيزوف (Vesuvius) سنة 79م الذي طمر بومبي، وثوران جبل سانت هيلينز (Mount St. Helens) سنة 1980م. فهذا النوع لا يصحُّ عليه وصفُ «النار» في الإدراك الحسِّيِّ البتَّة، بل هو أشبهُ بسحابة سوداء مدمِّرة [9].

القسمُ الثاني: النوع الفلكانيُّ (Vulcanian eruption). ينفجر بقوَّةٍ متوسِّطة مُصدِرًا سحبًا كثيفة من الرماد وكتلًا صخرية، وقد يظهر منه وهجٌ خافت، لكنَّ غالبَ ما يُشاهَد منه هو الدخانُ والحطام [9].

القسمُ الثالث: النوع السترمبوليُّ (Strombolian eruption). يقذف فقاعاتٍ من الحمم في انفجاراتٍ متقطِّعة، وقد يُحدث أقواسًا مضيئةً في السماء، إلَّا أنَّها قصيرةُ الأمد محدودةُ الارتفاع [9].

القسمُ الرابع: النوع الهاوايُّ البازلتيُّ الشقِّيُّ (Hawaiian basaltic fissure eruption) — وهو نوع بركان حرَّة رهط. يتميَّز بنوافير ناريَّةٍ حمراءَ-برتقاليَّةٍ متوهِّجةٍ من الحمم المنصهرة (molten lava fountains)، ترتفع مئاتِ الأمتار — وقد بلغت خمس مئة وأربعين مترًا في بعض ثورانات كيلاويا (Kīlauea) الحديثة [26]. وهذا القسمُ وحده هو الذي يصحُّ وصفُه بـ«النار» في الحسِّ المباشر؛ لأنَّ ما يخرج منه حممٌ سائلة متوهِّجة كالنار، لا رمادٌ ولا دخان [10] [26].

فالحديثُ حين قال «نارٌ تخرج من أرض الحجاز» قد عيَّن نوعَ الثوران تحديدًا: ثورانٌ ناريٌّ متوهِّج، لا ثورانٌ رماديٌّ انفجاريٌّ [1] [2] [10].

واعلم أنَّ الإخبار بنتيجةٍ مركَّبة إخبارٌ ضمنيٌّ بجميع مقدِّماتها اللازمة لها. ووجهُ ذلك: أنَّ النتيجة لا تنفكُّ عن مقدِّماتها انفكاكًا ممكنًا، فلو تخلَّفت مقدِّمةٌ واحدة لتخلَّفت النتيجة.

والحديثُ لم يقتصر على ذكر «نار»، بل ذكر أنَّ أثرها يبلغ الشامَ فتُضيء أعناقَ الإبل ببُصرى. وبلوغُ الأثر إلى تلك المسافة ليس أمرًا يعقب مجرَّدَ خروج الحمم بالضرورة، بل هو موقوفٌ على اجتماع شروطٍ كثيرة، كلُّ واحدٍ منها لو تخلَّف لتخلَّفت النتيجة؛ ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر [1] [2]:

الشرطُ الأوَّل: عِظَم حجم الانبثاق. فالأثرُ البصريُّ والجوِّيُّ البعيدُ المدى لا يحصل من ثورانٍ صغير. فلو كان حجمُ الحمم عشرةَ آلاف متر مكعَّب — كما هو شائعٌ في كثير من الثورانات الشقِّية الصغيرة — لكانت المساحةُ المتوهِّجة أصغرَ بألف مرَّة، وكمِّيَّةُ ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) المبثوثة أضألَ بألف مرَّة، ولم يكن أثرُه يُحَسُّ على بعد أكثر من بضع عشرات الكيلومترات. وقد بلغ حجمُ الحمم المنبثقة من حرَّة رهط نحوَ نصف كيلومتر مكعَّب — أي خمس مئة مليون متر مكعَّب — وهو حجمٌ يضعه بين الثورانات البازلتية الاستثنائية على مستوى العالم [9] [18].

الشرطُ الثاني: استمرار الثوران مدَّةً طويلة. ولو توقَّف الثوران بعد أيَّامٍ قليلة لانتهت الومضةُ البصريَّة والإمدادُ الهبائيُّ (aerosol supply) معًا، ولم يتراكم على مسافة مئات الأميال أيُّ أثرٍ مُدرَك. وقد دام ثوران حرَّة رهط اثنَين وخمسين يومًا متَّصلة — وهي مدَّةٌ تضعه في أعلى فئات الاستمرارية بين الثورانات البازلتية الشقِّية الموثَّقة [10].

الشرطُ الثالث: وقوع الثوران في موسم الجفاف. ولو وقع الثورانُ شتاءً لغسلت الأمطارُ الهباءَ الكبريتاتيَّ من طبقة التروبوسفير (troposphere) بآلية الترسيب الرطب (wet deposition) — وهي الآلية الأكفأ في إزالة الهباء من الجوِّ — قبل بلوغه دمشقَ. وفي يونيو وأوائل يوليو تكون الجزيرةُ العربية والشامُ في أقصى جفافها، فيكون الترسيبُ الرطب في أدنى مستوياته، فيبقى الهباءُ معلَّقًا أطولَ مدَّةٍ ممكنة ويبلغ أبعدَ مدًى [16].

الشرطُ الرابع: توافق نمط النقل الجوِّيِّ باتِّجاه الشام. والجسيماتُ الدقيقة والهباءُ لا تنتشر في جميع الجهات سواءً، بل يتحدَّد مسارُها باتِّجاهات الرياح المختلفة باختلاف الارتفاع والفصل والحالة الجوِّية. وصيفُ شرق المتوسِّط والشرق الأوسط يتَّسم ببنيةٍ جوِّية خاصَّة: رياحٌ شماليَّة مستمرَّة فوق شرق المتوسِّط، وهبوطٌ واسع النطاق (large-scale subsidence) فوق أجزاءٍ من الإقليم، مع تأثيرٍ علويٍّ متَّصل بالمنظومة الموسمية الآسيوية (Asian monsoon system). فانتقالُ الأثر البركانيِّ من الحجاز إلى الشام يتوقَّف على توافق هذه العناصر بما يفتح مسارًا جوِّيًّا مناسبًا في الاتِّجاه العامِّ نحو الشمال والشمال الغربي، لا على مجرَّد وقوع الثوران نفسه [16].

فإذا تقرَّر هذا، فإنَّ تفسيرَ هذا الإخبار بأسبابٍ عادية لا يخلو من أحد وجهَين:

الوجهُ الأوَّل: التخمين العشوائيُّ — كقول القائل: «ستمطر غدًا» فيُصيب اتِّفاقًا. وهذا باطلٌ في هذا الموضع، بيانُه: أنَّ احتمالَ اجتماع أحداثٍ مستقلَّة — من جهة علم المخبِر بها — هو حاصلُ ضرب احتمالاتها منفردةً. وهذه الشروطُ مستقلَّةٌ في علم المخبِر؛ فإذا قُدِّر لكلِّ شرطٍ منها — على سبيل التساهل البالغ — احتمالٌ بين خُمسٍ وعُشر، كان حاصلُ الضرب بين واحدٍ من ثلاثة آلاف ومئة وخمسة وعشرين، وواحدٍ من مئة ألف. فهذا يُخرج الإصابةَ من دائرة الصدفة المقبولة عقلًا.

وليتنبَّه الحصيفُ أنَّ هذه المتغيِّرات حتى لو لم تكن مستقلَّةً في نفس الأمر فإنَّها في نفس الناظر كذلك. ففرقٌ بين: احتمالية وقوع الشروط معًا في الخارج — وهاهنا يصحُّ القول إنَّ بعضها مترابط؛ فالثوران الكبير أطولُ مدَّةً في الغالب، والرياحُ الصيفية تسلك اتِّجاهًا بعينه، فالتلازمُ الفيزيائيُّ بين هذه الأمور حقٌّ. وبين: احتمالية أن يُصيبَها المتنبِّئُ في خبره، وهذه مسألةٌ مستقلَّةٌ كلَّ الاستقلال عن الأولى.

فإنَّ المتنبِّئَ لا يعلم التلازماتِ الفيزيائيَّة الخفيَّة، فهو حين يُخبر بحجم الثوران لا يعلم أنَّ الحجمَ الكبير يستلزم المدَّةَ الطويلة، وحين يُخبر بالصيف لا يعلم أنَّ الصيف يستلزم توجُّهًا رياحيًّا معيَّنًا. فالتلازماتُ الفيزيائية مغيَّبةٌ عنه، وتصرُّفُه في هذه المعلومات تصرُّفٌ في مجاهيلَ مستقلَّةٍ من وجهة نظره، وإن لم تكن كذلك في نفس الأمر. فالعبرةُ في حساب احتمالية الإصابة هي باستقلاليَّتها في نفس المتنبِّئ (الاستقلال المعرفيُّ، Epistemic Independence)، لا باستقلاليَّتها في الواقع الفيزيائيِّ. ومحلُّ الحساب هو: ما احتمالُ أن يُصيب مُخبِرٌ هذه التفصيلةَ المركَّبة؟ لا: ما احتمالُ أن تجتمع هذه الشروط في الطبيعة؟

والوجهُ الثاني: الاستدلال العقليُّ المبنيُّ على المشاهدة والقياس — وهو أن يكون المخبِرُ قد استقرأ أحوالَ الأرض واستنبط ما سيقع. وهذا باطلٌ بما تقدَّم بيانُه: فلا مشاهدةَ بركانية في عصره، ولا سجلَّ محفوظٌ يبلغه، ولا دلالةَ حسِّيَّةٌ في ظاهر الحرَّات تُنبئ بثورانٍ مرتقَب. بل ولا سبيلَ من العادة إلى العلم بأنَّ بركانًا بازلتيًّا سيخرج من أرض الحجاز ويكون عظيمَ الحجم طويلَ المدَّة كثيرَ الغازات الكبريتية، واقعًا في الموسم الذي يطول فيه بقاءُ الهباء في الجوِّ، ومتَّفقًا مع نمطٍ من النقل الجوِّيِّ يحمل أثرَه إلى جهة الشام [8] [16].

ولا خفاء أنَّ مثل هذا ممَّا لا سبيلَ إلى دركه بالنظر والفكر، وذلك أنَّ الإخبار هاهنا ليس عن أصل خروج نارٍ فقط، بل عن بلوغ أثرها إلى منطقة بعينها. وإذا كان أهلُ هذه الصناعة في العلم الحديث — مع كثرة المراصد ودقَّة الآلات وتكاثف التجارب — لا يجاوزون في أمثال ذلك بابَ التقدير الاحتمالي عند قرب السبب أو بعد ظهوره، ولا يملكون قبل الحادثة بزمانٍ طويل أن يقطعوا بأنَّ ثورانًا موصوفًا بصفاتٍ مخصوصة سيقع ثمَّ يبلغ أثرُه ناحيةً معيَّنةً بالذات، عُلِم أنَّ نسبةَ هذا الخبر إلى مجرَّد استقراءٍ بشريٍّ أو قياسٍ عاديٍّ دعوى باطلة؛ إذ ما لا يتهيَّأ لأرباب الفنِّ مع كمال الآلة واتِّصال الرصد، فبأن يمتنع على من لا آلةَ له ولا رصدَ ولا تجربةَ أولى وأحرى.

فلم يبقَ بعد هذا إلَّا الإذعانُ لنداء العقل: أنَّ هذا الإخبار لم يصدر إلَّا عن نبيٍّ يُوحى إليه، يعلِّمُه من أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا. فسبحان من أجرى آياتِه في الآفاق وفي الأنفس ليتبيَّن لهم أنَّه الحقُّ.

اعتراضاتٌ وأجوبة

فإن قيل: لو كانت تلك النار قد بلغ من شعاعها أن أضاءت أعناقَ الإبل ببُصرى على ما وصفتم، لكان ذلك من أظهر الآيات وأشهر الخوارق، ومثلُ هذا لا يخفى شأنُه ولا يندرس ذكرُه، ولا يجوز أن ينفرد بنقله أهلُ بلدٍ دون أهل بلدٍ آخر هم أولى الناس بمشاهدته وأقربُهم إلى إدراك أثره. وبُصرى إذ ذاك بلدٌ معمور ومجمعُ ركبٍ وتُجَّار وممرُّ الحجيج، فلو وقع فيها ذلك لطار به الخبرُ كلَّ مطار، ولاشتهر في أهل الشام اشتهارًا يغني عن التكلُّف في إثباته. فلمَّا عُدِم هذا كلُّه ولم تُنقل عن أهل بُصرى شهادةٌ صريحة ولا عن أهل حوران روايةٌ معتمدة، ظهر أنَّ الأمر ليس على ظاهره المدَّعى.

على أنَّ مثلَ هذا الخبر لو ثبت لكان في نشره أعظمُ المصلحة للمسلمين، لما فيه من إظهار إعجاز الدين وتقرير دلائل النبوَّة وإفحام أهل الكفر والعناد. ومن المعلوم أنَّ ما كان هذا شأنُه تتوافر الدواعي على نقله وتشتدُّ الرغبةُ في إظهاره، ولا سيَّما من المسلمين الذين يبتغون نصرةَ الحقِّ ودحضَ الباطل. فإذا لم يقع ذلك مع قيام مقتضيه، كان عدمُ النقل هنا دليلًا على العدم.

أجيب عن هذا من وجوه:

أوَّلها: أنَّ وجودَ الداعي لاشتهار الخبر ممنوع، فإنَّ الشيء قد يقع عجيبًا في نفسه ثمَّ لا يتفطَّن أكثرُ الخلق لوجه عجبِه، ولا يربطون بينه وبين سببه البعيد، بل ربَّما رأى الإنسانُ أمرًا هائلًا في الجوِّ أو في الأفق فحمله على مألوفٍ عنده، أو عدَّه من اختلاف الأحوال السماوية، أو شاهده في حال غفلةٍ لا تستدعي منه ضبطًا ولا تدوينًا. وإذا كان الأمر كذلك لم يلزم من وقوع المرئيِّ أن يصير خبرُه متواترًا على ألسنة الناس كافَّة.

يدلُّك عليه: أنَّ ما أعقب انفجارَ كراكاتوا من الظواهر الجوِّية العالمية لم يثبت في تقرير الجمعية الملكية [11] بطريق تواتر العامَّة، بل إنَّ مجلسَ الجمعية كوَّن لجنةً مخصوصةً لجمع الروايات، ودعا إلى إرسال الوقائع الموثَّقة، ثمَّ تلقَّى رسائلَ وشهاداتٍ متفرِّقة من أنحاء العالم. بل إنَّ ما حُفظ من برلين نفسِها في التقرير إنَّما هو رواياتُ أفرادٍ بأعيانهم كرسالة هلمهولتس ومشاهداتٍ منسوبةٍ إلى مراقبين مسمَّيْن مع تواريخَ معيَّنة في أواخر سنة 1883م وأوائل 1884م، لا أنَّ عامَّةَ أهل برلين تناقلوا ذلك تواترًا عفويًّا [11]. فإذا كانت هذه سنَّةَ الناس في حادثةٍ كونيَّةٍ عالميَّةٍ متأخِّرة، دُوِّنت في عصر الصحافة والجمعيات العلمية، فكيف يُدَّعى أن يلزم في واقعةٍ أبعدَ عهدًا وأقلِّ أسباب الحفظ أن يشتهر خبرُها بين العامَّة ثمَّ يبقى محفوظًا ضرورةً إلى من بعدهم؟

ثانيها: هبْ أنَّ قومًا من أهل بُصرى شاهدوا ضوءًا عجيبًا في تلك الليلة، فمن أين يلزم أن يعلموا أنَّه أثرُ نارٍ خرجت من أرض الحجاز؟ فإنَّ إدراكَ الضوء شيء، والعلمَ بسببه شيءٌ آخر.

ثالثها: إنَّ قولَ المعترض: «لو وقع ذلك لنقله المسلمون لما فيه من بيان الإعجاز وإخراس الكافرين» ممنوع؛ لأنَّ هذا الداعيَ إنَّما ينهض لمن علم الحديثَ قبل الواقعة أو علم وجهَ الاحتجاج بها بعد وقوعها، وهذا شأنُ الخواصِّ من أهل العلم والحديث لا شأنُ السواد الأعظم من الأعراب والعامَّة. فأكثرُ الناس إذا رأوا ضوءًا عجيبًا أو حمرةً خارقةً لم يخطر ببالهم أنَّ هذا مصداقُ حديثٍ نبويٍّ بعينه، فضلًا عن أن ينهضوا لتدوينه وإشاعته على جهة المناظرة وإلزام الخصوم. فالداعيُ الذي صوَّره المعترضُ داعٍ خاصٌّ لا عامٌّ، ومتى كان خاصًّا بطل الاستدلالُ بعدم شيوع النقل بين العامَّة.

رابعها: أنَّ قولَه بأنَّه لم يُنقل عن أهل بُصرى شيءٌ البتَّة ممنوع. فإنَّ ابنَ كثير روى بإسناده [5]: عن قاضي القضاة صدر الدين عليِّ بن أبي القاسم الحنفيِّ، عن والده صفيِّ الدين مدرِّس الحنفية ببُصرى، أنَّه أخبره غيرُ واحد من الأعراب صبيحةَ تلك الليلة ممَّن كان بحاضرة بلد بُصرى، أنَّهم شاهدوا أعناقَ الإبل في ضوء تلك النار.

وهذا إسنادٌ مسلسلٌ بالعلماء المعروفين، يرويه الإمامُ ابنُ كثير عن قاضي القضاة صدر الدين الحنفيِّ بدمشق، عن أبيه صدر الدين الحنفيِّ. قال الذهبيُّ في تاريخ الإسلام [4]: «أبو القاسم بن محمَّد بن عثمان بن محمَّد. الصدرُ الإمامُ صفيُّ الدين التميميُّ الدارميُّ البُصرويُّ الحنفيُّ، والدُ قاضي القضاة صدر الدين عليٍّ الحنفيِّ. وُلد ببصرى سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، ودرَّس بالأمينية ببصرى دهرًا، وكان رئيسًا فقيهًا عارفًا بالمذهب. تُوُفِّي ببُصرى في شعبان عن سبع وتسعين سنة». فالخبرُ عن رجل من أهل العلم المعروفين مقيمٌ ببُصرى عارفٌ بأهلها وأخبارها، وقد تلقَّى ذلك عمَّن شهدوا الواقعةَ من الأعراب الذين كانوا بحاضرة البلد. فهذا خبرُ آحاد تحتفُّ به القرائنُ — كما تقدَّم بسطُه — فيُفيد العلم. وقال القرطبيُّ (ت671هـ) في التذكرة [6] من الأندلس وهو معاصرٌ للحادثة: «وسمعت أنَّها رُئيت من مكَّة ومن جبال بُصرى».

وإن قيل[20]: إنَّ هذا الخبر الذي تذكرونه في النار الخارجة من أرض الحجاز وأنَّها تُضيء أعناقَ الإبل ببُصرى، أصلُه أثرٌ موقوفٌ على كعب الأحبار ثمَّ نُقل بعدُ من حيِّز الوقف إلى حيِّز الرفع، وتصرَّف فيه بعضُ النقلة بالاختصار والتبديل. قال نعيمُ بن حمَّاد في كتاب الفتن [22]: حدَّثنا ابنُ وهب، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب، قال: «يوشك نارٌ تخرج باليمن تسوق الناسَ إلى الشام، تغدو إذا غدَوا وتقيل إذا قالوا وتروح إذا راحوا، تُضيء منها أعناقُ الإبل ببصرى، فإذا سمعتَ ذلك فاخرج إلى الشام». فهذا هو الطريق الذي اجتمعت فيه ألفاظُ السؤال كلُّها تقريبًا، ولا سيَّما زيادةُ «تُضيء منها أعناقُ الإبل ببصرى».

ثمَّ نجد الخبرَ المشهورَ المرفوع قد استبقى هذا المعنى، وهو خروجُ النار وبلوغُ ضوئها إلى بُصرى، غير أنَّه حوَّل مبدأَها من اليمن إلى الحجاز، وأسقط ما في الخبر الأوَّل من سوق الناس إلى الشام، فصار كأنَّه قد أُخذ أصلُ المعنى من هناك ثمَّ هُذِّب لفظُه واختُصر وأُلحق بالإسناد المرفوع.

وإنَّ كعبًا رجلٌ اشتهر برواية أخبار الفتن والملاحم وما يتَّصل بأخبار أهل الكتاب والإسرائيليات، فليس بمستبعَدٍ — على هذا التقدير — أن تكون هذه القصَّة قد خرجت أوَّلَ ما خرجت على لسانه في ذلك السياق، ثمَّ تلقَّاها من بعده من صاغها صياغةً أخرى فحوَّلها إلى خبرٍ مرفوع، أو روى معناها في أثناء الأخبار المرفوعة حتى التبس الأصلُ بالفرع والموقوفُ بالمرفوع. وإذا جاز هذا الاحتمال وكان له شاهدٌ من تشابه المتون واختلاف الألفاظ، لم يجز — عند المعترض — أن يُجعل الحديثُ المشهور دليلًا مستقلًّا على النبوءة، إذ قد داخله من شبهة النقل والتحويل ما يمنع من الاستدلال به على وجه القطع.

أجيب هذا من محضِ التخرُّصِ والتوهُّم، مع ما فيه من تكلُّفِ المعترضِ ما لا علمَ له به من صناعةِ الحديث. فأمَّا رواية «يوشك نارٌ تخرج باليمن تسوق الناسَ إلى الشام، تغدو إذا غدَوا وتقيل إذا قالوا وتروح إذا راحوا، تُضيء منها أعناقُ الإبل ببصرى، فإذا سمعتَ ذلك فاخرج إلى الشام» فمعلولةٌ لا تصحُّ عن كعب أصلًا. فإنَّ نعيمَ بن حمَّاد راوي الحديث ضعَّفه غيرُ واحد من المحدِّثين، وذكر الذهبيُّ في ميزان الاعتدال [23] أنَّه أتى في كتاب الفتن بعجائب ومناكير. والراوي عن نافع هاهنا هو عبدُ الله بن عمر العمريُّ الكبير، وهو ضعيفُ الحديث، وقد نصُّوا على أنَّه ليس مثلَ أخيه عبيد الله، بل عبيدُ الله ثقةٌ حافظ وعبدُ الله ضعيف [24]. فأنَّى يُعارَضُ بمثلِ هذا ما صحَّ وثبتَ واستفاض؟

بل المحفوظُ عن كعب الأحبار ما رواه ابنُ أبي شيبة في المصنَّف [25]: حدَّثنا عبدُ الله بن نُمَير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب، قال: «يوشك نارٌ تخرج من اليمن تسوق الناسَ، تغدو معهم إذا غدَوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم ذلك فاخرجوا إلى الشام».

وعبيدُ الله بن عمر العمريُّ ثقةٌ ثبتٌ، وهو أجلُّ من أخيه عبد الله وأحفظ. فهذا اللفظُ — الخالي من ذكر إضاءة أعناق الإبل ببصرى — هو المحفوظ الصحيح عن كعب. وقد اختلط على بعض الرواة حديثُ أبي هريرة بأثر كعب، ورواية ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة أوثقُ إسنادًا وأعلى، فلا أدري كيف تُردُّ الروايةُ الأصحُّ إلى الأضعف؟! [1] [2] [25].

ثم إن هذا التخرص مما لا طائل تحته، ولا ثمرة تجتنى منه، بعد ثبوت تحقق الخبر ووقوع المخبر به على وفقه. وليس وراء سلوك هذا المسلك إلا أن يدعى أن هذا الإعجاز إنما وقع من جهة مصادفة اختلاط الحديث على الزهري، فوافق الحق اتفاقا؛ وهذه دعوى لو تأملها صاحبها لاستحيا من إطلاقها؛ فإنها من أبطل الباطل، وأسمج التكلف، وأبعده من موجب العلم والإنصاف.


انتهى بحمد الله وعونه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكتبه آدم بن محمد المالكي، يوم الخميس 16 أبريل 2026م.

قائمةُ المصادر والمراجع

[1] البخاري، محمَّد بن إسماعيل (ت256هـ). صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار، حديث رقم 7118.

[2] مسلم بن الحجَّاج (ت261هـ). صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث رقم 2902.

[3] النووي، يحيى بن شرف (ت676هـ). المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجَّاج. ط. دار المنهاج. ج18، ص28–30.

[4] الذهبي، شمس الدين محمَّد (ت748هـ). تاريخ الإسلام، حوادث ووفيات 651–660هـ. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. ج48، ص22.

[5] ابن كثير، إسماعيل بن عمر (ت774هـ). البداية والنهاية. ج13، حوادث سنة 654هـ.

[6] القرطبي، محمَّد بن أحمد (ت671هـ). التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة.

[7] أبو شامة المقدسي، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل (ت665هـ). ذيل الروضتين. ط. دار الجيل. ص189–193.

[8] Robinson, J. E., & Downs, D. T. (2023). Overview of the Cenozoic geology of the northern Harrat Rahat volcanic field, Kingdom of Saudi Arabia (chap. R). In Sisson, T. W., Calvert, A. T., & Mooney, W. D. (eds.), Active volcanism on the Arabian Shield: U.S. Geological Survey Professional Paper 1862. https://doi.org/10.3133/pp1862R

[9] Camp, V. E., Roobol, M. J., & Hooper, P. R. (1987). The Madinah eruption, Saudi Arabia: magma mixing and simultaneous extrusion of three basaltic chemical types. Bulletin of Volcanology, 49(2), 489–508. https://doi.org/10.1007/BF01245475

[10] Kawabata, E., Cronin, S. J., Bebbington, M. S., Moufti, M. R. H., El-Masry, N., & Wang, T. (2015). Identifying multiple eruption phases from a compound tephra blanket: an example of the AD1256 Al-Madinah eruption, Saudi Arabia. Bulletin of Volcanology, 77(3), article 6. https://doi.org/10.1007/s00445-014-0890-y

[11] Symons, G. J. (ed.) (1888). The Eruption of Krakatoa, and Subsequent Phenomena: Report of the Krakatoa Committee of the Royal Society. London: Trübner & Co. pp. 174, 397.

[12] Meinel, A. B., & Meinel, M. P. (1975). Stratospheric dust-aerosol event of November 1974. Science, 188(4187), 477–478. https://doi.org/10.1126/science.188.4187.477 — Volz, F. E. (1975). Volcanic twilights from the Fuego eruption. Science, 189(4196), 48–50. https://doi.org/10.1126/science.189.4196.48

[13] Espenak, F., & Meeus, J. Five Millennium Catalog of Lunar Eclipses: −1999 to +3000. NASA Goddard Space Flight Center. Entry for 1256 Jul 09. https://eclipse.gsfc.nasa.gov/LEcat5/LEcatalog.html

[14] Espenak, F. Five Millennium Catalog of Solar Eclipses: −1999 to +3000. NASA Goddard Space Flight Center. Entries for 1256 Jun 24 and 1256 Dec 18. https://eclipse.gsfc.nasa.gov/SEcat5/SEcatalog.html

[15] ابن منظور، جمال الدين محمَّد بن مكرم (ت711هـ). لسان العرب. مادَّتا «ك س ف» و«خ س ف».

[16] Robock, A. (2000). Volcanic eruptions and climate. Reviews of Geophysics, 38(2), 191–219. https://doi.org/10.1029/1998RG000054

[17] Global Volcanism Program (GVP). Harrat Rahat. Smithsonian Institution. https://volcano.si.edu/volcano.cfm?vn=231020

[18] Downs, D. T., Stelten, M. E., Champion, D. E., Dietterich, H. R., Hassan, K., & Shawali, J. (2023). Eruptive history within the vicinity of Al Madīnah in northern Harrat Rahat, Kingdom of Saudi Arabia (chap. C). In Sisson, T. W., Calvert, A. T., & Mooney, W. D. (eds.), Active volcanism on the Arabian Shield: U.S. Geological Survey Professional Paper 1862. https://doi.org/10.3133/pp1862C

[19] الحموي، ياقوت بن عبد الله (ت626هـ). معجم البلدان. مادَّة «الحجاز». ج2، ص219.

[20] HadithCritic. Fabricated Hadith Prophecy: The Fire From Hijaz & The Eruption of 641 AD. https://hadithcritic.com

[21] Global Volcanism Program (GVP). Harrat Khaybar. Smithsonian Institution. https://volcano.si.edu/volcano.cfm?vn=231010

[22] نعيم بن حمَّاد المروزي (ت228هـ). كتاب الفتن، باب النار التي تحشر إلى الشام.

[23] الذهبي، شمس الدين محمَّد (ت748هـ). ميزان الاعتدال في نقد الرجال. ترجمة نعيم بن حمَّاد.

[24] ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي (ت852هـ). تهذيب التهذيب. ترجمة عبد الله بن عمر العمري.

[25] ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمَّد (ت235هـ). المصنَّف، كتاب الفتن، أثرُ كعب في النار الخارجة من اليمن.

[26] U.S. Geological Survey, Hawaiian Volcano Observatory. 1959 Kīlauea Iki Eruption. https://www.usgs.gov/volcanoes/kilauea/1959-kilauea-iki-eruptio

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن المواقف السنية، وتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole