أبحاث عقديةأبحاث شرعيةالإلحاد

البيان اللطيف لحسن التكليف

بيان الوجوه الدالة على حسن الامتحان في الدنيا

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي لا تُحصى نَعماؤه، ولا تُعَدُّ آلاؤه، ولا يُبلَغُ بوصفٍ كِبرياؤه؛ فطَرَ القلوبَ على الافتقارِ إليه، وجبَلَها على الاضطرارِ بين يديه، ونصَبَ من آياتِ رُبوبيّتِه ما يَهدي إلى محبّتِه، ومن شواهدِ إحسانِه ما يَسوقُ إلى طاعتِه. أحمَدُه حمدَ مَن عَلِمَ أنّ كلَّ نعمةٍ فمنه مُبتَداها، وإليه مُنتهاها، وبه قِوامُها وبقاؤها. وأُصلّي وأُسلّمُ على مَن بعَثَه رحمةً للعالمين، وحُجّةً على الخلقِ أجمعين، وعلى آلِه وصَحبِه أُولي البصائرِ واليقين.

أمّا بعدُ: فهذا فصلٌ في كشفِ حُسنِ تكليفِ اللهِ لعباده، وإبانةِ حكمتِه البالغةِ في خلقِهم وأمرِهم وابتلائهم؛ وهو مبحثٌ جليلٌ من مباحثِ أسرارِ الخلقِ والأمر؛ إذ به يتبين للعبد الغاية من وجودِه، وتنقشعُ عن قلبِه شُبَهُ الحكمةِ والعدل، وتتمكّنُ فيه المحبّةُ واليقينُ والرضا بحُكمِ الله. فمَن أُوتيَ حظًّا من فقهِ هذا الباب، استراحَ قلبُه من هَمِّه، وسكنتْ لواعجُ نفسِه، وأبصرَ في أمرِ اللهِ ونهيِه، وقضائِه وقدَرِه، نورَ الحكمةِ وعينَ الرحمة؛ ومَن حُرِمَ هذا الضياءَ بقيَ في حيرةٍ وعَماء، ومنازعةٍ واعتراض.

ولمّا كان من أعظمِ ما يَعرِضُ للقلوبِ من الشُّبَه سؤالُها عن حكمةِ الخلقِ والأمر: لِمَ أوجدَ اللهُ عبادَه ولم يَدَعْهم في العدَم؟ ولِمَ كلّفَهم ما كلّفَهم ولم يُنعِمْ عليهم ابتداءً؟ ولِمَ ابتلاهم بما تَكرَهُه نفوسُهم؟ ولِمَ مكّنَهم مما نهاهم عنه؟ — حتى زلّتْ في هذا المَزلَقِ الأقدام، وحارت فيه الأفهام، فطعَنَ قومٌ في الحكمة، وتوهّمَ فريقٌ أنّ البقاءَ في العدَمِ كان أروحَ لهم من الوجود — رأيتُ أن أُثبِتَ في هذه الأوراقِ ما يَكشِفُ عن حُسنِ تكليفِ اللهِ لعباده، ويُبيّنُ أنّ الابتداءَ والأمرَ والابتلاءَ كلَّه لطفٌ منه وإحسان، لا عبَثَ فيه ولا جَور، ولا نقصَ فيه ولا سَفَه. وسمّيتُه: «البيان اللطيف لحُسنِ التكليف».

ولستُ أقصِدُ فيه استيفاءَ المسألةِ وتقصّيَ أطرافِها، ولا استقصاءَ ما قيلَ فيها، فإنّ ذلك بحرٌ لا يُدرَكُ قَعرُه، وميدانٌ لا تُبلَغُ غايتُه؛ وإنما قصَدتُ إثباتَ إشاراتٍ وتنبيهاتٍ للنبيهِ اللبيب، ورؤوسِ مسائلَ ولطائفَ يَفتَحُ اللهُ بها على الفَطِنِ ما وراءها، ويُنبِّهُه بها على ما لم يُذكَرْ منها؛ فإنّ الإشارةَ تكفي اللبيبَ عن طولِ العبارة، وفي التنبيهِ على الأصلِ غُنيةٌ عن بسطِ فروعِه لمن رزقَه اللهُ فهمًا وبصيرة. فمَن كان من أهلِ هذا الشأنِ فليَأخُذْ من كلِّ إشارةٍ بحظِّه، ولْيَبْنِ على كلِّ تنبيهٍ ما يَفتَحُه اللهُ عليه.

فهذا ما سمحَتْ به الطاقةُ، وبلَغَه الوُسعُ، وساعدَتْ عليه القريحةُ القاصرة؛ فإنِ استقامَ منه شيءٌ فبفضلِ اللهِ وتوفيقِه، وإن كان فيه تقصيرٌ أو خطأٌ فمِن نفسي ومن الشيطان، واللهُ ورسولُه منه بريئان. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ وإليه أُنيب؛ أسألُه أن يَنفَعَ به كاتبَه وقارئَه، وأن يَجعلَه خالصًا لوجهِه الكريم، مُقرِّبًا إلى رضوانِه، آمين.

[فصل في حسن ابتداء الله لخلق الخلق]

اعلم أن الله سبحانه هو المالك على الحقيقة، وما سواه فمملوك، وأن كل ملك يضاف إلى العبد فعاريةٌ في يده، موقوفةٌ على إذن مالكها، مستردَّةٌ عند انقضاء أجلها؛ إذ هو تعالى خالق المالك وما ملك، ومنشئ اليد وما حوت، وموجد العين وما أبصرت، ومجري الأسباب ومسبَّباتها. فالمُلك الحق ما اجتمع فيه الخلق والتدبير، والإيجاد والإمداد، والتصرف والإبقاء؛ وذلك لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.

فهو المالك الذي لا يُملَك، والقاهر الذي لا يُقهَر، والنافذ حكمه في بريته، لا يخرج شيء عن مشيئته، ولا يمتنع عليه مراد أراده؛ بل الخلق كلهم تحت قهره، دائرون في قبضته، منقادون لحكمه الكوني طوعًا وكرهًا، ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.

فتصرفه سبحانه في خلقه تصرف مالكٍ في ملكه، وعليمٍ لا تخفى عليه العواقب، وحكيمٍ لا يضع شيئًا إلا في موضعه. وليس كتصرف المخلوق الذي يجهل فيندم، أو يريد فيعجز، أو يضعف فيُغلب؛ بل علمه محيط، وقدرته نافذة، وحكمته بالغة.

فمن اعترض على حكمه فقد جمع بين عجز وجهل وظلم: أما عجزه، فلأنه لا يرد قضاءً جرى، ولا يخرج عن قدرٍ مضى؛ وأما جهله، فلأن نظره يقف عند أوائل الأمور، وتغيب عنه عواقبها وغاياتها؛ وأما ظلمه، فلأنه نازع المالك في ملكه، وحاكم الحكمة الكاملة إلى عقل ناقص، وعلم قاصر. فلا هو قادر على رد المقدور، ولا له الاعتراض ولا ينبغي له؛ وإنما حظه التسليم لربه، والانقياد لأمره، والصبر على قضائه، وحسن الظن بحكمته.

ثم تأمل حسن ابتداء الله لعبده؛ فإنه ابتدأه بالإيجاد من غير حق سابق، ولا عمل متقدم، ولا سؤال صدر منه، فأخرجه من ظلمة العدم، وألبسه حلة الوجود، وجعله قابلًا للعلم والإيمان، والمعرفة والإحسان.

فالوجود أصل النعم، وأول المنن؛ إذ كل خير يناله العبد فوجوده شرط في نيله، وكل كمال يبلغه فحياته محل لقيامه. فمن وهبك الوجود فقد فتح لك أبواب الخيرات، وأهَّلك لأشرف الغايات.

وأما العدم المحض فليس بشيء حتى يوصف بخير أو نعمة؛ فإن الراحة لا بد لها من مستريح، والنعمة لا بد لها من متنعم، واللذة لا تقوم إلا بموجود. فأما ما لا ذات له، فكيف يوصف بأنه منتفع أو منعم؟

فمن زعم أن العدم خير له، فقد أثبت الخير لمن لا وجود له، وطلب الراحة لذات منتفية؛ ولو بقي معدومًا لم يكن هناك «هو» حتى يناله خير أو يدرك راحة. وإنما تتصور الراحة بزوال الألم عن موجود، لا بزوال الموجود نفسه؛ فالعبد إذا ضاق بحاله إنما يطلب زوال ما يكرهه، ويرجو حالًا أصلح يدرك لذتها وهو حي موجود.

ولهذا جُبل كل حي على حب بقائه، والفرار من فنائه، وطلب ما يحفظ عليه حياته؛ فالجائع يطلب الطعام، والمريض يطلب الدواء، والخائف يطلب الأمن. وما ذاك إلا شهادةٌ أودعها الله في الفطر بأن الوجود محبوب، وأن المكروه ما يعرض له من الآلام والآفات، لا أصل الحياة التي بها يُدفع الألم، وتُنال العافية.

فَعُلِمَ بهذا أنَّ ابتداءَ الباري سبحانه عبدَه بالإيجاد محضُ الفضل، وصرف الإحسان، وأصلُ كلِّ نعمةٍ تترادف عليه بعدُ؛ إذ أوجدَه بلا استحقاق، وهيَّأه لقبول الكمال، وفتح له بالوجود أبوابَ السعادة، فله الحمد على حسن الابتداء وتمام الإنعام.

[فصل في معنى التكليف والامتحان]

اعلم أن حقيقة التكليف خطابُ الرب لعبده بما يقتضي فعلًا أو تركًا أو تخييرا؛ ثم يترتب على ذلك الخطاب مدح وذم، وثواب وعقاب. فالأمر استدعاءٌ للفعل، والنهي استدعاءٌ للترك، والإباحة توسعةٌ بينهما؛ ومحل ذلك عبدٌ يعقل الخطاب، ويقدر على الامتثال، وله اختيارٌ يصح به الإقدام والإحجام.

وليس قوام التكليف بالمشقة، ولا حقيقتُه منوطةً بالعناء خلافا للعدلية؛ فإن الرب سبحانه لم يكلِّف عباده ليشق عليهم، ولا شرع لهم ما شرع إعناتًا لهم، بل رحمته سبقت أمره، وحكمته اقترنت بشرعه، فما أمرهم إلا بما صلاحهم فيه، ولا نهاهم إلا عما فسادهم به. فالابتلاء ليس مقصورًا على احتمال المكاره، بل قد يكون بالنعمة كما يكون بالمحنة، وبالمحبوب كما يكون بالمكروه؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.

فالمقصود بالتكليف امتحان الإرادة: أيكون مراد الرب حاكمًا عليها، أم يكون مراد النفس حاكمًا على أمر الرب؟ فمن جعل هواه تبعًا لأمر مولاه تحققت عبوديته، ومن جعل الأمر تبعًا لهواه، فما عبد إلا نفسه.

ثم أَجِلْ طرف فكرك في خلقة الإنسان، تجدها من أعظم الشواهد على أنه مهيأ للابتلاء، مركب للامتحان؛ فخُلق على تركيبٍ يَجمَعُ بين قوّتَين متجاذبتَين: قوّةِ العقلِ الهادية، وقوّةِ الشهوةِ الجاذبة، وبين داعي الهدى وداعي الهوى. قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8].

فالملائكةُ عقولٌ مطيعةٌ لا شهوةَ لها، والبهائمُ شهواتٌ لا عقلَ مُكلَّفَ لها، وأمّا ابنُ آدمَ فقد رُكِّبَ فيه العقلُ والشهوة، لِيَظهَرَ فضلُه إذا غلَبَ عقلُه شهوتَه، وسُفولُه إذا غلبَتْ شهوتُه عقلَه. فمَيدانُ التكليفِ هو مَيدانُ ظهورِ حقيقةِ الإنسان، وبه يَصعَدُ إلى مراتبِ الملائكةِ أو يَنحطُّ إلى مُشابهةِ البهائم.

ففيه عقل يبصر العاقبة، وهوى يستعجل اللذة؛ وعلم يدعوه إلى الرشد، وشهوة تسوقه إلى الغي؛ وواعظ من الإيمان، وخاطر من الشيطان؛ وهو بينهما مسوق إلى ما اختاره، موقوف على ما آثره.

قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7–8]، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]؛ وبحسب استجابته يظهر قدره؛ فإن آثر الحق على الهوى صار من أهل الرفعة، وإن آثر العاجل وأعرض عن الهدى كان هبوطه من كسبه. ومصداقه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9–10].

ثم انظُرْ إلى هذه الدارِ الدنيا كيف أُقيمَ بنيانُها على الامتزاجِ والافتراق، والتقلُّبِ والانتقال؛ فلا نعيمُها يَصفو من الكدَر، ولا بلاؤها يَخلو من المِنَح، ولا سرورُها يَدوم، ولا ضرّاؤها تَستقِرّ. تُضحِكُ وتُبكي، وتَجمَعُ وتُفرِّق، وتُدني وتُقصي، وتَكسو المرءَ حُلَلَ العافيةِ ثم تَنزِعُها عنه، وتَسقيه كأسَ السرورِ ثم تَمزُجُها بغُصَصِ الأكدار.

فما صفا لأحدٍ عيشُها يومًا إلا كدَّرَتْه عليه أيامًا، ولا ساقَتْ إليه مَسَرّةً إلا أتبعَتْها بمَساءة؛ فهي دارُ نُقلةٍ لا دارُ إقامة، ومَعبَرٌ لا مُستقَرّ. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]؛ فأخبرَ أنّ ما زُيِّنَتْ به الأرضُ إنما جُعِلَ مادّةَ ابتلاءٍ يَتبيّنُ به المُحسِنُ من المُسيء. فصفةُ الدارِ في تقلُّبِها وامتزاجِها شاهدٌ ثانٍ يُصدِّقُ الشاهدَ الأولَ: هذا في خِلقةِ الساكن، وذاك في بناءِ المسكَن؛ وكلاهما يَهتِفُ بأنّ الأمرَ أمرُ امتحان.

فإذا عايَنتَ هذَين الشاهدَين، فاعلَمْ أنّ الحكيمَ لا يَفعَلُ شيئًا عبَثًا، ولا يُنشئُ خلقًا سُدًى؛ فما جُعِلَتِ الدنيا على هذا التقلُّبِ والامتزاجِ عجزًا عن تصفيتِها، ولا بُخلًا بكمالِ نعيمِها، ولا رُكِّبَ الإنسانُ على هذا التجاذُبِ نقصًا في خِلقتِه؛ بل اقتضَتِ الحكمةُ أن تكونَ دارَ امتحانٍ لا دارَ مُقامٍ ولا جزاء، وأن يكونَ العبدُ فيها مُختارًا مُمتحَنًا لا مُلجَأً مَقهورًا.

فمَن حمَلَ هذه الصفاتِ على غيرِ الامتحان، نسَبَ إلى الحكيمِ العبَثَ في خلقِه؛ فمثل من ينفي الامتحان كمثل من يرى ملكا حكيما يصنع سيفا قاطعا، ويعد درعا حصينا، ثم يلقيهما في بحر لجي بلا معركة تخاض ولا عدو يقرع! فإن آلة الاختيار ووجود الدواعي المتضادة يستدعي ميدان الامتحان. فلو سلبنا قصد التكليف، لصار وجود هذه القوى المتجاذبة في الإنسان شقاء مجردا وتعذيبا لنفسه بلا طائل، وهذا سفه يتنزه عنه الصانع الخبير.

قال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. قال الإمام ابن القيم: «أي: مهملًا معطَّلًا لا يؤمرُ ولا يُنهى، ولا يثابُ ولا يعاقَب. وهذا يدلُّ على أنَّ هذا منافٍ لكمال حكمته، وأنَّ ربوبيته وعزَّته وحكمته تأبى ذلك، ولهذا أخرجَ الكلامَ مخرجَ الإنكار على من زعم ذلك، وهو يدلُّ على أنَّ حُسْنَه مستقرٌّ في الفِطر والعقول، وقُبحَ تركه سدًى معطَّلًا مستقرٌّ في الفِطر، فكيف يُنْسَبُ إلى الربِّ ما قبحُه مستقرٌّ في فطركم وعقولكم؟!»[1].

[فصل في حق الله على الخلق وما يجب عليهم اتجاهه]

تأمّلْ — رعاكَ اللهُ — حالَك، وارجِعِ البصرَ في أمرِك، تَعلَمْ أنّك فقيرٌ بذاتِك، محتاجٌ بحقيقتِك، لا تملِكُ لنفسِك نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا. كنتَ عدَمًا فأوجَدَك، ونُطفةً مَهينةً فسوّاك، ثم صوّرَك فأحسَنَ صُوَرَك، ورزَقَك من الطيّبات، وأنشأ لك السمعَ والأبصارَ والأفئدة، وأنتَ عن ذلك كلِّه غافلٌ لاهٍ.

فما مِن لحظةٍ من لحظاتِك إلا وأنتَ فيها إلى ربِّك أفقرُ منك إلى الماءِ والهواء؛ إنِ استمسكَ عليك قلبُك فبإمساكِه، وإنِ اطّردَ في عُروقِك دمُك فبتقديرِه، وإنِ استقرّتْ بك الأرضُ فبقهرِه لها أن تَميدَ بك، وإنِ استقلّتْ فوقَك السماءُ فبمسكِه لها أن تقعَ عليك. فأنتَ في قبضتِه تُقلَّبُ، وبمشيئتِه تُصرَّفُ، وعن حَولِه وقوّتِه لا تنفكُّ طرفةَ عين.

فإذا تحقّقَ لك أنّك محضُ فقر، وأنّ وجودَك وبقاءَك ومَدَدَك عاريّةٌ في يدِك من مالكِها، عَلِمتَ أنّ هذا الغنيَّ الذي أغناك، القيّومَ الذي أقامَك، أحقُّ أن تُقبِلَ عليه بكُلّيّتِك، وتُنيبَ إليه بلُبِّك، وتُفرِدَه بمحبّتِك وطاعتِك. فإنّ الفقيرَ المضطرَّ إذا لم يَلجَأْ إلى مَن بيدِه غِناه، وأعرضَ عمّن إليه فاقتُه ومُنتَهاه، فتلكَ غايةُ الجهلِ وأقبحُ الجُحود.

وهل يُعقَلُ أن يُصرَفَ الحبُّ والذلُّ والخضوعُ إلى سِواه، وكلُّ ما سِواه فقيرٌ مثلُك، عاجزٌ كعجزِك، لا يملِكُ لنفسِه فضلًا عن أن يملِكَ لك؟ قال — جلّ ثناؤه —: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فجعَلَ الفقرَ وصفًا لازمًا لك لا تنفكُّ عنه، وجعَلَ الغِنى وصفًا لازمًا له لا يزولُ. فهذا وجهٌ يقودُك إليه العقلُ سَوقًا، ويأخذُ بحُجزتِك إليه الاضطرارُ أخذًا؛ فإنّ ذُلَّ الافتقارِ لا يُطفئُ لَوعتَه إلا الإقبالُ على الغنيِّ الحميد، وفقرَ القلبِ لا يَسُدُّ خَلّتَه إلا الأُنسُ بالربِّ المجيد. فكلُّ قلبٍ رامَ سدَّ فقرِه بغيرِه ازدادَ فاقةً على فاقة، وكلُّ نفسٍ التمسَتْ غِناها في سِواه لم تَزدَدْ إلا حَسرة.

واعلَمْ أنّ شرَفَ الأمورِ تابعٌ لشرَفِ مُتعلَّقاتِها؛ فالعلمُ يَتفاضلُ بتفاضلِ معلوماتِه، والمحبّةُ تَتفاضلُ بتفاضلِ محبوباتِها، والطاعةُ تَتفاضلُ بتفاضلِ المُطاعينَ المُنقادِ لهم. فإذا ثبتَ أنّ اللهَ سبحانه أكملُ الموجودات، بل لا كمالَ في الوجودِ إلا وهو منه وإليه، وكلُّ جمالٍ في مخلوقٍ فأثرٌ من آثارِ جمالِه وصُنعِه، تبيّنَ من ذلك أنّ العلمَ به أشرفُ العلومِ وأعلاها، ومحبّتَه أسمى المحابِّ وأجلاها، وخشيتَه أرسخُ الخشيةِ وأزكاها، وطاعتَه أكملُ الطاعاتِ وأرقاها.

ثم إنّ النفسَ لا بدَّ لها في كلِّ حركةٍ وسكنةٍ من مُطاعٍ تَنتهي إليه وتَصدُرُ عن أمرِه، إمّا نفسُها وهواها، وإمّا ربُّها ومولاها؛ وكمالُ الطاعةِ تابعٌ لكمالِ المُطاع. فلا يَستوي مَن يُطيعُ الظَّلومَ الجَهولَ الناقصَ — وهي النفسُ الأمّارةُ — بمَن يُطيعُ العليمَ الحكيمَ الكاملَ المُطلَق؛ وقد عَلِمتَ أنه أكملُ الموجودات، فتعيّنَ أنه أكملُ مُطاعٍ على الإطلاق، ومِن ثَمّ فطاعتُه المطلقةُ هي أكملُ الطاعاتِ وأشرفُ أحوالِ النفسِ البشرية. فمَن أعرضَ عن طاعتِه إلى طاعةِ هواه، فقد نزَلَ بنفسِه من أشرفِ المراتبِ إلى أخسِّها، وأبدلَ الذي هو أعلى بالذي هو أدنى.

ثم انظُرْ — هداكَ اللهُ — في النِّعَمِ التي تتقلّبُ فيها صباحَك ومساءَك، أوّلَ ليلِك وآخرَ نهارِك، فإنّها أكثرُ من أن تُحصى، وأجَلُّ من أن تُستقصى. نِعَمٌ ظاهرةٌ في جوارحِك وبدنِك، وباطنةٌ في عقلِك وقلبِك، ونِعَمٌ تَدفعُ عنك من البلاءِ ما لو نزلَ لأهلَكَك، وأنتَ لا تَشعُرُ به ولا تُحِسّ. فما بِك من نعمةٍ إلا وهي منه وحدَه، لا شريكَ له في إسدائِها، ولا مُعينَ له في إجرائها؛ قال — تعالى —: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وذكّرَ بأصلِ النعمةِ لِيَبعَثَ على شكرِها فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]، ونبّهَ على العجزِ عن حصرِها فقال: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].

وقد استقرّ في العقول، وثبتَ في الفِطَر: أنّ المُنعِمَ يجبُ شُكرُه، وأنّ كُفرانَ النعمةِ قبيحٌ يَمُجُّه العقلُ ويأباه. فإذا كان الناسُ يَستقبِحونَ مِن أحدِهم أن يُسديَ إليه أخوه معروفًا يسيرًا فيُقابِلَه بالجحودِ والنُّكران، فكيف بمَن أفاضَ عليك النِّعَمَ من لَدُنْ كنتَ نُطفةً إلى أن صِرتَ خَلقًا سويًّا، ثم لم يَقطَعْ عنك مَدَدَه طرفةَ عين؟

وشُكرُ المُنعِمِ ليس كلمةً تَجري على اللسانِ فحسبُ، بل هو أن تَعرِفَ النعمةَ لِمُوليها، وتُثنيَ بها عليه، وتَصرِفَها في مَرضاتِه دونَ مَعاصيه؛ فالشكرُ يكونُ بالقلبِ اعترافًا، وباللسانِ ثناءً، وبالجوارحِ طاعةً وانقيادًا. ومِن هنا كانتِ الطاعةُ عينَ الشكر، وكانتِ المعصيةُ عينَ الكُفران. وقد وعَدَ اللهُ الشاكرين بالمزيد فقال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، فربَطَ دوامَ النِّعَمِ وتَضاعُفَها بالشكر، كما رتّبَ زوالَها وحُلولَ نَقيضِها على الكُفران. وأمرَ بذكرِه وشكرِه فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. ثم أخبرَ عن قِلّةِ الشاكرينَ تنبيهًا على شرَفِ هذه المرتبةِ وعِزّةِ أهلِها فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].

وليس أمرُه بالشكرِ لحاجةٍ منه إلى شكرِ الشاكرين، فإنه الغنيُّ الحميد، لا يَزدادُ مُلكُه بحمدِهم ولا يَنقُصُ بجحودِهم؛ كما قال: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7]، وقال: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: 40]. فالأمرُ بالشكرِ ليس لاستكمالِ الربِّ بشكرِ العبد، بل لتكميلِ العبدِ بالشكرِ وإظهارِ مُوجِبِ الحمدِ والعبودية. وإنما الشكرُ حياةُ قلبِ العبد؛ فمَن لم يَشكُرْ فقد جنى على نفسِه، لأنه قطَعَ النعمةَ عن شهودِ مصدرِها، واستعملَ عطاءَ اللهِ في نسيانِ الله، وجعلَ الإحسانَ حِجابًا عن المُحسِن. وأمّا إذا قُوبِلَتِ النعمةُ بالشكر، صارتْ نعمتَين: نعمةً في ذاتِ العطاء، ونعمةً في معرفةِ المُعطي؛ ثم تَصيرُ ثلاثًا إذا أُثيبَ العبدُ على شكرِه وزِيدَ من فضلِ ربِّه.

وكان النبيُّ ﷺ أعظمَ الناسِ شكرًا لربِّه؛ قامَ حتى تورّمَتْ قدماه، فقيلَ له: أتَتكلّفُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدّمَ من ذنبِك وما تأخّر؟ فقال: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟»، وقال ﷺ: «إنّ اللهَ لَيَرضى عن العبدِ أن يأكُلَ الأكلةَ فيَحمَدَه عليها، أو يَشرَبَ الشربةَ فيَحمَدَه عليها». فانظُرْ كيف جعَلَ الحمدَ على أدنى نعمةٍ — أكلةٍ أو شربةٍ — مُوجِبًا لرضاه، لِتَعلَمَ أنّ النعمةَ لا تَصغُرُ عن أن تُشكَر، كما لا يَصغُرُ المُنعِمُ عن أن يُحمَد.

فقد اللهَ فطَرَ القلوبَ على محبّةِ الكاملِ في أوصافِه، المُحسِنِ في أفعالِه؛ فإذا كانت هذه فطرة اللهِ التي فطَرَ عليها قلوبَ عباده، ولا أحدَ أعظمُ إحسانًا منه، ولا شيءَ أكملُ منه ولا أجملُ، وجَبَ أن يكونَ هو المحبوبَ لذاتِه وصفاتِه، إذ الكمالُ محبوبٌ لذاتِه، ولا كمالَ فوقَ كمالِه. وقد رُوِيَ مرفوعًا: «أحبّوا اللهَ لِما يَغذوكم به من نِعَمِه، وأحبّوني بحبِّ الله». فإذا انضمَّ داعي الإحسانِ والإنعامِ إلى داعي الكمالِ والجمال، لم يَتخلّفْ عن محبّةِ مَن هذا شأنُه إلا أردأُ القلوبِ وأخبثُها وأشدُّها نقصًا وأبعدُها من كلِّ خير.

فإذا تقرّرَ هذا، عُلم أن معصيةَ العبدِ ربَّه جمعَتْ أقبحَ ما يُتصوَّرُ من أنواعِ القبح: أن يَستكبِرَ الفقيرُ المحضُ على مَن إليه فقرُه وبه قِوامُه، وأن يُعرِضَ العاجزُ عمّن به قدرتُه، ويَتمرّدَ المملوكُ على مالكِه الذي يُقلِّبُه كيف يشاء. فأيُّ عقلٍ يَقبَلُ أن يَستكبِرَ الفقيرُ على مَن إليه فقرُه، ويَستغنيَ بمعصيتِه عمّن لا غِنى له عنه طرفةَ عين؟

فحقيقة المعصية إيثارُ طاعةِ النفسِ الظَّلومةِ الجَهولةِ الناقصةِ على طاعةِ العليمِ الحكيمِ الكاملِ الذي لا نقصَ فيه بوجه؛ فهي قلبٌ للحقائق، ووضعٌ للأشياءِ في غيرِ مواضعِها. إذ حقُّ الأكملِ أن يُطاعَ ويُؤثَر، وحقُّ الأنقصِ أن يُترَكَ ويُخالَف؛ فعكَسَ العاصي الأمرَ فأطاعَ الأدنى وعصى الأعلى، وقدّمَ الهوى الوضيعَ على المولى الرفيع. فكانتْ معصيتُه جهلًا في العقل، وسَفَهًا في التدبير، واستكبارًا في غيرِ موضعِ استكبار.

ثم إنّ العاصيَ يَصرِفُ نِعَمَ ربِّه في معصيتِه، ويَستعينُ بعطاياه على مُخالفتِه؛ فيَبطِشُ بيدٍ هي من نِعَمِه، ويَمشي إلى مَحارمِه بقدَمٍ هي من عطائه، ويَنظُرُ إلى ما نهاه عنه بعينٍ أنعمَ بها عليه. أفيَحسُنُ في عقلٍ، أو يَجمُلُ في فِطرةٍ، أن تُصرَفَ نِعَمُه في مَعصيتِه، وأن يُستعانَ بعطاياه على مُخالفتِه؟ هذا مِن أقبحِ ما تَنفِرُ منه العقولُ السليمة، وتَشمَئِزُّ منه النفوسُ الكريمة.

قال سفيانُ بنُ عيينة: «إنّ من شكرِ اللهِ على النعمةِ أن تَحمَدَه عليها وتَستعينَ بها على طاعتِه، فما شكَرَ اللهَ من استعانَ بنعمتِه على معصيتِه»[2]. فمَن غمَطَ النعمةَ أو صرَفَ الجوارحَ في غيرِ طاعةِ مُسديها، فهو خائنٌ للأمانة، جاحدٌ للفضل، لئيمٌ في مُعاملتِه للمُنعِمِ المتفضِّل؛ إذ يَتصرّفُ في الوديعةِ على غيرِ مرادِ مُودِعِها، ويَجعلُ الإحسانَ حِجابًا عن المُحسِن، والنعمةَ سُلَّمًا إلى معصيةِ المُنعِم. وهل في اللؤمِ والدناءةِ فوقَ هذا مَرتبة؟

فصنيعه مقابلة الإحسان بالكفران، واستعمال النعمة في معاداة المنعم؛ فيجتمع للعاصي جهل من أعرض عمن لا غنى له عنه، ولؤم من قابل الإحسان بالإساءة، وظلم من وضع العبادة في غير موضعها. فما أقبح عبدًا لا قيام له إلا بسيده، ثم هو مبارز له بالعصيان! وما أشنع فقيرًا يتقلب في نعمة غني كريم، ثم يستعمل نعمته فيما يكرهه! وما أعجب مملوكًا قد أحاطت به آثار الملك من كل جانب، ثم يتوهم أنه بخروجه عن الأمر قد خرج عن السلطان!

إن عصى، فبقوة أقدره الله عليها؛ وإن استتر، ففي مكان هو ملك لله؛ وإن أضمر، فعلمه محيط بضميره؛ وإن فر، فإليه المرجع والمصير. فلا يجد للعصيان قوةً إلا من نعمته، ولا مكانًا إلا في مملكته، ولا مهربًا إلا إليه.

ولو عقل العبد عن ربه، لاستحيا أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره؛ ولكان حياؤه من إحسانه أشد من خوفه من عقابه. فإن النفس الكريمة قد يمنعها الحياء من المحسن ما لا يمنعها الخوف من المؤاخذ.

«العبد إذا شهد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربِّه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عينٍ= كان بالله في هذه الحال، لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتَّى في هذه الحال البتَّة، فإنَّ عليه حصنًا حصينًا من فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يَبطش، وبي يمشي، فلا يُتصوَّر منه الذنب في هذه الحال.

فإذا حُجب عن هذا المشهد، وسقط إلى وجوده الطبيعي، وبقي بنفسه= استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى. وهذا الوجود الطَّبَعيُّ قد نصبت فيه الشِّباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيَّادون، فلا بدَّ أن يقع في شبكةٍ من تلك الشِّباك. وهذا الوجود هو حجابٌ بينه وبين ربِّه، فيقع الحجاب، ويقوى المُقتضي، ويضعف المانع، وتشتدُّ الظُّلمة، ويعصف الهوى؛ فأنَّى له بالخلاص من تلك الأشراك؟ فإذا انقشع عنك ضباب ذلك الوجود الطَّبَعي، وانجاب ظَلامُه، وزال قَتامه، وصرت بربِّك ذاهبًا عن نفسك وطبعك بدا لك سرٌّ طال عنك اكتتامه … ولاح صباحٌ كنتَ أنت ظلامُهُ

فأنت حجاب القلب عن سرِّ غيبه … ولولاك لم يُطبَع عليه ختامُهُ

فإن غبت عنه حلَّ فيه، وطنَّبت … على منكب الكشف المصون خيامُهُ

وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعه … شهيٌّ إلينا نثره ونظامُهُ

إذا ذكرَتْه النفسُ زال عناؤها … وزال عن القلب المُعنَّى قَتامُهُ»[3].

[فصل فيما لأجله أحب الرب تكليف العباد]

اعلَمْ أنّ التكليفَ ليس وسيلةً منفصلةً إلى مقصودٍ مُبايِنٍ له يُمكِنُ إيصالُه دونَها، بل نفسُ التألُّهِ والعبوديّةِ هو المقصودُ الذاتيُّ الأعظمُ من خلقِ الخليقة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ثم نزّهَ نفسَه عن أن يكونَ المقصودُ نفعًا يعودُ إليه، فقال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 57–58]. وأنكرَ على مَن ظنّ أنّ الخلقَ سُدًى، فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. فجمعَ في هذه الآياتِ بين إثباتِ الغايةِ ونفيِ الحاجة: أثبتَ أنّ العبادةَ غايةٌ مقصودةٌ في نفسِها، ونفى أن يكونَ مُنتفِعًا بها؛ فهي غايةٌ تامّةٌ لا لِعِوَضٍ خارجيٍّ، بل هي كمالُ المخلوقِ الذي لأجلِه أُوجِد، وشرَفُه الذي لأجلِه أُهِّل.

ومَن ظنّ أنّ التكليفَ كُلفةٌ عاريةٌ عن المصلحة، أو وسيلةٌ يُمكِنُ الاستغناءُ عنها بإيصالِ المقصودِ ابتداءً، فقد غلِطَ غلطًا جرّه إلى فسادِ حُكمِه؛ إذ عاملَ العبادةَ مُعاملةَ الطريقِ الذي لا يُرادُ لذاتِه بل لِيُوصِلَ إلى البلد، فسأل: لِمَ لا يُوصَلُ إلى البلدِ بدونِه؟ وأغفلَ أنّ العبادةَ هي البلدُ والطريقُ والغايةُ والكمالُ معًا. فليس التكليفُ كأن يُقالَ للعبد: احمِلْ هذا الحجرَ لأُعطِيَك ذهبًا؛ فيُسأل: ولِمَ لا يُعطيه الذهبَ بلا حمل؟ بل هو أشبهُ بأن يُقال: تعلَّمْ فيَحصُلَ لك العلم، وجاهِدْ نفسَك فيَتحقّقَ لك الصبر؛ فالعلمُ الحاصلُ بالتعلُّم، والصبرُ الحاصلُ بالمصابرة، والمحبّةُ الحاصلةُ بالطاعة، ليست أشياءَ تُخلَقُ مجرّدةً عن مقتضياتِها الاختيارية، بل هي أحوالٌ لا تقومُ إلا بأسبابِها التي هي أركانُ ماهيّتِها. فمَن طلَبَ صبرًا بلا مصابرة، أو محبّةً بلا إيثار، فقد طلَبَ الشيءَ بلا حقيقتِه، وهذا مُحالٌ في نفسِه لا لعجزٍ في القدرة.

ولهذا كان مرادُ الله جل ثناؤه من التكليفِ هو وجود الطاعة من العباد على وجهِ الطوعِ والاختيار. وفرقٌ عظيمٌ بين مخلوقٍ يطيع الله كرها، وبين عبدٍ عرَفَ فأحبَّ، وأُمِرَ فامتثلَ، ونُهِيَ فكفَّ، وابتُليَ فصبرَ، وأذنبَ فتاب؛ ففي الثاني من معاني العبوديّةِ والكمالِ ما ليس في الأولِ البتّة.

فمِن هاهنا كان التكليفُ من أعظمِ نِعَمِ اللهِ على عبده؛ لأنه طريقُ كمالِه الذي لا كمالَ له دونَها، وعينُ تكريمِه وتشريفِه بأن جعلَه أهلًا للعبوديّةِ الاختياريّةِ التي بها ميّزَه على كثيرٍ ممّن خلَق، كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، وقال في حملِه الأمانةَ التي أشفقَتْ منها السماواتُ والأرضُ والجبال: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72].

فمِن الكمالاتِ ما لا يَحصُلُ إلا مع المُنازِعِ والمُعارِض؛ فالصبرُ لا يَظهَرُ إلا مع مكروهٍ يُمكِنُ الجزَعُ عنده، والعفّةُ لا تَظهَرُ إلا مع داعي الشهوة، والتوكُّلُ لا يَظهَرُ إلا عند الحاجة، والتوبةُ لا تَظهَرُ إلا بعدَ الذنب، والجهادُ لا يَظهَرُ إلا مع عدوٍّ يُقاوَم. فهذه معانٍ شريفةٌ، ودرجاتٌ رفيعة، لا سبيلَ إلى تحصيلِها إلا في دارٍ فيها ما يُنازِعُها ويُضادُّها؛ إذ لو رُفِعَ المُنازِعُ لَبَطَلَتِ الحقيقةُ ولم يَبقَ إلا اسمُها.

ولهذا قرَنَ اللهُ البلوى بتحصيلِ هذه المعاني، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]، وأخبرَ أنّ ما يُصيبُ العبدَ من الخوفِ والجوعِ ونقصِ الأموالِ والأنفسِ إنما هو مادّةُ صبرٍ يُبشَّرُ عليه، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. وفي الحديث: «حُفّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفّتِ النارُ بالشهوات»؛ فلا سبيلَ إلى الجنةِ إلا على جسرِ المجاهدةِ والصبر.

بل تأمّلْ سِرًّا ألطفَ من هذا: أنّ اللذّةَ والنعيمَ نفسَه يَتفاوتُ بتفاوتِ ما سبَقَه من المجاهدة؛ فلذّةُ من جاهدَ هواه ثم ظفِرَ ليست كلذّةِ من لم يَعرِفْ مجاهدة، ونعيمُ من تابَ وانكسرَ ثم غُفِرَ له ليس كنعيمِ من لم يَعرِفْ معنى التوبةِ والمغفرة، وراحةُ من صبرَ ثم وصلَ ليست كراحةِ من لم يُبتلَ ولم يَصبِر. فالحلاوةُ على قدرِ المشقّة، والراحةُ على قدرِ التعب، والفرحةُ عند الظفَرِ على قدرِ الخوفِ الذي سبَقَها. فلو أُعطيَ العبدُ النعيمَ ابتداءً بلا سعيٍ لَفاتَه من كمالِ اللذّةِ ما لا يُدرِكُه إلا مَن ذاقَ حلاوةَ الوصولِ بعدَ مرارةِ الطريق.

ولهذا أرادَ اللهُ أن يتّخِذَ من ذُرّيّةِ آدمَ رسلًا وأنبياءَ وشهداءَ يُحبُّهم ويُحبّونه، كما قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 54]؛ فاقتضَتْ حكمتُه أن أنزلَهم دارًا ابتلاهم فيها لِيُكمِّلوا بذلك الابتلاءِ مراتبَ عبوديّته، ويَعبُدوه بما تكرَهُه نفوسُهم — وذلك محضُ العبوديّة — فنالوا من محبّتِه ورضوانِه والقُربِ منه ما لم يكنْ لِيُنالَ بدونِ ذلك أصلًا. وفي الحديث عن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ أنه سأل: أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ فقال ﷺ: «الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، فيُبتلى الرجلُ على حسبِ دينِه؛ فإن كان دينُه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه». فجعَلَ شدّةَ البلاءِ على قدرِ عُلوِّ المرتبة، لأنّ عُلوَّ المرتبةِ لا يُنالُ إلا بقدرِ ما يُحتمَلُ في سبيلِه.

فلو رُفِعَتِ الشهواتُ وأُضعِفَتِ الدواعي حتى تَصيرَ الطاعةُ بلا كُلفة، لزالَ معنى التكليفِ والابتلاء، والتحقَ الإنسانُ بالملائكةِ المجبولينَ على الطاعة؛ ولكنّ اللهَ أرادَ جِنسًا آخَرَ من الكمال: كمالَ من يَغلِبُ شهوتَه بعقلِه وإيمانِه طوعًا ومحبّة. وليس إمكانُ السقوطِ نقصًا مجرّدًا، بل هو من جهةٍ أخرى شرطٌ لظهورِ شرفِ الصعود؛ فمَن لا يُمكِنُه إلا الطاعةُ لا تَظهَرُ في طاعتِه مجاهدة، ومَن لا تُنازِعُه شهوةٌ لا تَظهَرُ عفّتُه، ومَن لا يَتعرّضُ لمكروهٍ لا يَظهَرُ صبرُه.

على أنّ إمكانَ الضدِّ هذا لم يُترَكْ بلا بيانٍ يَهدي السالكَ ويُقيمُ الحجّة؛ فقد اقتضَتْ حكمةُ الحقِّ ألا يُترَكَ العبادُ سُدًى، فأنزلَ الكتب، وأرسلَ الرسل، ونصَبَ الأدلّة، ورَكّزَ في الفِطَرِ معرفةَ الحق، وأقامَ الحُجَج، وبيّنَ سبيلَ النجاة. قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149].

ومع ذلك أبقى في هذه الدارِ مادّةَ الابتلاء: شهواتٍ تَجذِب، وشُبهاتٍ تَعرِض، ونفسًا تأمُرُ بالسوء، وشيطانًا يُوسوِس، ودنيا تُزيَّن، وأهواءً تُنازِع؛ فبذلك يَتحقّقُ معنى الاختيارِ والمجاهدة. إذ لو جُعِلَ الحقُّ بحيثُ لا يُمكِنُ الإعراضُ عنه أصلًا لَفاتَ كمالُ المجاهدةِ والصبرِ وإيثارِ المحبوبِ الأعظمِ على مَن سواه.

فجمعَ سبحانه بين الأمرَين على غايةِ الحكمة: أوضحَ سبيلَ الحقِّ بما تقومُ به الحجّة، وأبقى من دواعي الابتلاءِ ما تَظهَرُ به حقيقةُ العبد؛ فمَن طلَبَ الحقَّ صادقًا وجدَ دلائلَه، ومَن جاهدَ في اللهِ هداه سُبلَه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. ومَن آثرَ الهوى أعرضَ مع قيامِ البيان، فكان هلاكُه من نفسِه لا من خفاءِ الطريق. فانتظمَ بذلك أمران لا يَستقيمُ الابتلاءُ إلا بهما: قيامُ البُرهانِ حتى لا يَهلِكَ هالكٌ إلا عن بيّنة، وبقاءُ المُنازِعِ حتى لا يَنجوَ ناجٍ إلا عن مجاهدة.

قال عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله: «حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات، وأن لا تكون البينات قاهرة ولا الشبهات غالبة، فمن جرى مع فطرته من حب الحق ورباها ونماها وآثر مقتضاها، وتفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها، لم تزل تتجلى له البينات وتتضاءل عنده الشبهات، حتى يتجلى له الحق يقيناً فيما يطلب فيه اليقين، ورجحاناً فيما يكفي فيه الرجحان، وبذلك يثبت له الهدى ويستحق الفوز»[4].

ومِن ثَمّ فإنّ للهِ على العبدِ عبوديّةً في الضرّاءِ كما له عليه عبوديّةٌ في السرّاء، وله عليه عبوديّةٌ فيما يَكرَهُ كما له عليه عبوديّةٌ فيما يُحِب؛ وأكثرُ الخلقِ يُعطونَ العبوديّةَ فيما يُحبّون، والشأنُ كلُّ الشأنِ في إعطاءِ العبوديّةِ في المكاره، ففيها تَتفاوتُ مراتبُ العبادِ وتَتمايزُ درجاتُهم. فمَن عبدَ اللهَ في العافيةِ والرخاءِ فقد شارَكَه في ظاهرِ العبوديّةِ كثيرون، وأمّا مَن عبدَه في البلاءِ والشدّة، وأدّى حقَّه فيما تَنفِرُ منه النفسُ وتَكرَهُه، فذلك الذي بانَ صِدقُه، وعَلَتْ مرتبتُه، وتَميّزَ من الجمهور.

ولهذا كان الإيمانُ بالغيبِ من أشرفِ خصائصِ هذه الدار؛ فإنّ إيمانَ الدنيا قامَ مع حجابِ الشهادة، ومع داعي الشهوة، ومع إمكانِ الإعراض، ومع ابتلاءِ الشبهات، فكان فيه من معنى التصديقِ والتسليمِ والمجاهدةِ ما ليس في إيمانِ المعاينة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12]، وقال: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ۝ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: 33–34]، وإليه الإشارةُ بقولِه ﷺ في تعريفِ الإحسان: «أن تَعبُدَ اللهَ كأنّك تراه، فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك».

ومِن هنا ظهرَ فضلُ من عبدَ اللهَ في دارٍ لا يرى فيها الجزاءَ عِيانًا، فيُؤمِنُ بوعدِ ربِّه، ويُصدِّقُ رسلَه، ويُغالِبُ هواه، ويَصبِرُ على تكليفِ ربِّه. فهذا النعيمُ الذي يَلقاه بعدَ ذلك نعيمُ من وصلَ بعدَ سفر، ورَبِحَ بعدَ تجارة، وحصَدَ بعدَ زرع، لا نعيمُ من وجدَ الثمرةَ بلا حَرثٍ ولا غَرس. وقد سمّى اللهُ هذا السعيَ تجارةً مُنجيةً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف: 10–11]. وهل يَستوي عندَ العقلاءِ رِبحُ التاجرِ المُخاطِرِ وعطاءُ المُتصدَّقِ عليه؟ فكلاهما نائلٌ خيرًا، ولكن شتّانَ بين نيلٍ بعدَ كدٍّ ونيلٍ بلا كدّ.

ومِن أعظمِ حِكَمِ التكليفِ والابتلاءِ ظهورُ آثارِ أسماءِ اللهِ الحُسنى في خلقِه؛ فإنّ اللهَ سبحانه له الأسماءُ الحُسنى والصفاتُ العُلى، ومِن كمالِ أسمائِه أن تَظهَرَ آثارُها في الوجودِ على ما يليقُ بجلالِه وحكمتِه؛ فاقتضَتِ الحكمةُ أن يُخلَقَ من المحالِّ ما تَظهَرُ فيه آثارُ هذه الأسماءِ الكريمة.

فهو الغفور، ولا يَظهَرُ أثرُ المغفرةِ إلا بوجودِ ذنبٍ يَغفِرُه لمَن تاب؛ قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49]، وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. وهو التوّاب، ولا يَظهَرُ أثرُ التوبةِ إلا بعبدٍ يَزِلُّ ثم يَرجِع؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]، وفي الحديث: «للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه حين يتوبُ إليه من أحدِكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ فانفلتَتْ منه…»، وقال ﷺ: «كلُّ بني آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائينَ التوّابون»، وقال: «لو لم تُذنِبوا لذهبَ اللهُ بكم، ولجاءَ بقومٍ يُذنِبون فيَستغفِرونَ اللهَ فيَغفِرُ لهم».

وهو العفوُّ، ولا يَظهَرُ أثرُ العفوِ إلا بمحلٍّ يُعفى عنه. وهو الحليم، ولا يَظهَرُ أثرُ الحلمِ إلا مع من يُمهَلُ ولا يُعاجَل؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: 45]. وهو الرحيم، وتَظهَرُ رحمتُه في إنقاذِ عبادِه من الهَلَكة، وهدايتِهم بعدَ الضلال، وجَبرِهم بعدَ الكسر.

ولا يَظهَرُ كمالُ عدلِه إلا بوضعِ الثوابِ والعقابِ مواضعَهما؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47].

وهو الرافعُ الخافض، فيَرفَعُ أقوامًا بالطاعةِ والصدق، ويَخفِضُ آخرينَ بالإعراضِ والاستكبار. وهو المنتقِمُ ممّن استحقَّ الانتقامَ بعدَ قيامِ الحجّة، وهو البرُّ اللطيفُ بمن اصطفاه وهداه.

فدارُ التكليفِ موضعُ ظهورِ هذه الآثار: فيها يُذنِبُ من يُذنِب، فيَغفِرُ اللهُ لمن تاب؛ ويَضِلُّ من يَضِلّ، فيَهدي اللهُ من طلَبَ الهدى؛ ويَضعُفُ من يَضعُف، فيَجبُرُه اللهُ؛ ويَستكبِرُ من يَستكبِر، فيُقيمُ اللهُ عليه عدلَه؛ ويُنيبُ من يُنيب، فيَفتَحُ اللهُ له أبوابَ القُرب. والعبدُ بين هذه الأحوالِ إمّا محلُّ فضل، وإمّا محلُّ عدل، وإمّا محلُّ عفو، وإمّا محلُّ حلم، وإمّا محلُّ هداية، وإمّا محلُّ إقامةِ حجّة؛ وكلُّ ذلك واقعٌ على وجهِ الحكمةِ البالغة. فلو حصَلَ النعيمُ ابتداءً بلا تكليفٍ لَتعطّلَتْ آثارُ كثيرٍ من هذه الأسماء، إذ لا مغفرةَ بلا ذنبٍ يُغفَر، ولا توبةَ بلا أمرٍ يُخالَفُ ثم يُرجَعُ إليه، ولا عدلَ بلا ظالمٍ يُقامُ عليه العدل، ولا حِلمَ بلا مُسيءٍ يُمهَل. فظهورُ هذه الآثارِ في الوجودِ غايةٌ مقصودةٌ في نفسِها، مُمتنِعةٌ بلا تكليفٍ وجزاء.

وكمالُ حمدِه سبحانه يقتضي ظهورَ مُوجِباتِ الحمدِ بنوعَيها: الفضلِ والعدل. فالفضلُ يَظهَرُ في الهداية، والمغفرة، والتوفيق، والقبول، والرفعة، والرحمة؛ والعدلُ يَظهَرُ في إقامةِ الحجّة، وترتيبِ الجزاءِ على العمل، وعدمِ التسويةِ بين المُصلِحِ والمُفسِد. فالفضلُ يُحمَدُ عليه بالإنعامِ والإحسانِ والعطاءِ والرحمة، والعدلُ يُحمَدُ عليه بالحُكمِ والقِسطِ والجزاء؛ فلا بدَّ من ظهورِ أسبابِ العدلِ واقتضائِها لمُسمَّياتِها لِيَترتّبَ عليها كمالُ الحمدِ الذي هو أهلُه. وليس هذا كلُّه بمعنى أنّ اللهَ يَنتفِعُ به — تعالى عن ذلك — بل بمعنى أنّ ظهورَ مقتضى كمالِه في خلقِه وأمرِه غايةٌ يُحبُّها ويَرضاها؛ فهو سبحانه يُحبُّ أن يُطاع، ويَرضى عن المطيعين، ويَفرَحُ بتوبةِ التائب، وهذا ثابتٌ له لا يُنافي غِناه المطلق.

الخاتمة

فهذا آخرُ ما يسّرَ اللهُ جمعَه في هذا المقال؛ وقد تبيّنَ بمجموعِ فصولِه أنّ التكليفَ حَسَنٌ كلُّه، وأنّ الحكمةَ والرحمةَ قد اكتنفتاه من أوّلِه إلى آخره، وأنّ الناظرَ فيه بعينِ الإنصافِ لا يَجِدُ في خلقِ اللهِ وأمرِه وقضائِه مَغمَزًا لطاعنٍ، ولا مُتعلَّقًا لمُعترض.

وأستغفرُ اللهَ من الزللِ في القولِ والعمل، وأبرأُ إليه من الحولِ والقوّة، وأسألُه أن يَجعلَنا ممّن أحسنَ في دارِ امتحانِه العمل، وآثرَ أمرَ مولاه على هوى نفسِه، فظهرَ صِدقُه عندَ الابتلاء، ونجا يومَ الجزاء؛ وأن يَختِمَ لنا بخيرٍ كما أحسنَ إلينا في الابتداء؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه، جوادٌ كريم، رؤوفٌ رحيم.

وصلّى اللهُ وسلّمَ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

[1]  ابن القيم (ت ٧٥١ هـ)، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة – ط عطاءات العلم (١/‏١٧)

[2] أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/278)، في ترجمة سفيان بن عيينة، من طريق أبي عبد الله الرازي عنه.

[3] ابن القيم (ت ٧٥١ هـ)، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة الرضا، فصل «الدرجة الثانية: الرضا عن الله»، (2/198)

[4] المعلمي اليماني، القائد إلى تصحيح العقائد، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ط3، المكتب الإسلامي، 1404هـ، ص133.

وليُراجع:

 ابن القيم (ت ٧٥١ هـ)، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة –  الحكم في إهباط آدم عليه السلام من الجنة.

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن المواقف السنية، وتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole