حين نسأل: ما معنى الكلمة؟ يسهل أن نتخيل أن وراء كل لفظ معنى موضوعًا له قبل الكلام، كأن اللغة قد اكتملت أولًا في معجم مطلق، ثم خرج الناس بعد ذلك فاستعملوها. لكن شيخ الإسلام قلب هذه المعادلة الاختزالية وأعادها إلى أسس واقعية يمكن الإشارة إليها تجريبيّا. فما الذي نعرفه تاريخيًا عن اللغة؟ لا نعرف مجلسًا أول اجتمع فيه قوم، فوضعوا لكل شيء اسمه، ثم بدأ الاستعمال بعد انقضاء الوضع. يقول: «لا يمكن أحدًا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم، أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني» (الإيمان، ص76). ثم يختصر المسألة في عبارة تكاد تصلح مفتاحًا لفهم بنائه النظري كله: «وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال» (الإيمان، ص80).
ليس معنى ذلك أن الألفاظ بلا انتظام، أو أن كل إنسان يخترع لغة خاصة كلما تكلم؛ بل إن انتظام اللغة نفسه يُرى في الاستعمال المتكرر، لا في «عقد لغوي» سابق نفترضه ثم نجعله أصلًا لما نراه. ومن هنا يصبح السؤال عن اللغة سؤالًا عما يفعله الناس بالألفاظ، وكيف يتعلم بعضهم من بعض أن يفعلوا بها الشيء نفسه.
2.
والطفل هو المثال الأبسط. فهو لا يبدأ بتعريف «الكرسي»، ولا يُشرح له أولًا الحد المنطقي للباب والماء والأب والأم؛ بل يجد نفسه في وسط حياة يتكلم أهلها. يشيرون، ويطلبون، وينادون، ويكررون اللفظ في مواضع متشابهة، فيتعلم استعماله. يقول ابن تيمية: «فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى، فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى، أي: أراد المتكلم به ذلك المعنى، ثم هذا يسمع لفظًا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم» (الإيمان، ص76).
وفي الرد على المنطقيين يعطي العملية صورة أدق: «فإن الإنسان يسمع لفظ المتكلم، ثم قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى، ثم إذا تكرر تكلمه بذلك اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى، علم أن هذه عادته الإرادية» (الرد على المنطقيين، ص387). إن الطفل لا يستخرج قاعدة اللغة من كتاب، بل يدرك بالتكرار أن لهذه الجماعة عادة في استعمال هذا الصوت لهذا المراد. وهكذا يكون تعلم اللغة تعلمًا لممارسة منتظمة.
3.
ولكن هذا يعني أيضًا أن الكلمة لا تصل إلى الإنسان قبل أن يكون له أي اتصال بالمعنى. نحن لا نتعلم العالم كله من القاموس. الإنسان يحس الأشياء، ويميز بينها، ويدرك التشابه والاختلاف، ثم يتعلم كيف يعبر قومه عنها. يقول ابن تيمية في جملة بالغة الدلالة: «لأن التعبير يتبع التصور» (الإيمان، ص79). ويقول في موضع آخر: «الأسماء النطقية سمعية، وأما نفس تصور المعاني ففطري يحصل بالحس الباطن والظاهر» (الانتصار لأهل الأثر، المطبوع باسم نقض المنطق، ص319).
فقد يعرف الطفل الألم قبل أن يعرف لفظ «ألم»، ويغضب قبل أن يتعلم اسم الغضب، ويميز أمه عن غيرها قبل أن يعرف شيئًا عن تعريف الإنسان. الاسم يدخل بعد ذلك في شبكة ما يعرفه ويفعله. ولهذا يحتج ابن تيمية بالعسل: «من عرف المحسوسات المذوقة مثلًا كالعسل لم يفده الحد تصورها، ومن لم يذق ذلك… لم يمكن أن يتصور حقيقته بالكلام والحد» (نقض المنطق، ص309). ولا تستطيع أن تعطي للأكمه تصور اللون بمجرد تعريف اللون، ولا لمن لم يذق الحلاوة حقيقة مذاقها بتكديس ألفاظ فوق ألفاظ. اللغة تعلمنا كيف نقول ما نعرفه، وقد تقرب لنا ما لا نعرفه؛ لكنها لا تخلق كل مادة المعرفة من نفسها.
4.
هنا نفهم لماذا يعترض ابن تيمية على فكرة أن الحد اللفظي يكشف لنا ماهية الشيء. فالحد نفسه كلام؛ وإذا كانت كلماته لا تفهم إلا بمعانٍ عرفها المستمع من قبل، فلا يمكن للحد أن يكون البداية المطلقة للمعرفة. يقول: «الحد من باب الألفاظ، واللفظ لا يدل المستمع على معناه إن لم يكن قد تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ»؛ ثم يستنتج: «فتصور المعاني المفردة يجب أن يكون سابقًا على فهم المراد بالألفاظ، فلو استفيد تصورها من الألفاظ لزم الدور» (نقض المنطق، ص310).
ولذلك لا يرفض ابن تيمية التعريف، وإنما يرفض أن نعطيه وظيفة لا يملكها. يقول: «ومعرفة حدود الأسماء واجبة؛ لأنه بها تقوم مصلحة بني آدم في النطق» ثم يفسر هذه الحدود بأنها «الفاصلة المميزة بين ما يدخل في المسمى ويتناول ذلك الاسم… وبين ما ليس كذلك» (نقض المنطق، ص319). فالحد الجيد يعلمنا حدود الاستعمال والمسمى، ويفصل ما يدخل تحت الاسم مما لا يدخل؛ لكنه لا يستخرج حقيقة الموجود من ألفاظنا. ولهذا يقول صراحة عن الحدود المنطقية: «فما في الخارج لا يتعين ويعرف بمجرد الحد، وما في الذهن ليس هو حقائق الأشياء، فالحد لا يفيد تصور حقيقة أصلًا» (نقض المنطق، ص310).
5.
وعندما ننتقل من تعلم الكلمة إلى استعمالها، تظهر مشكلة أخرى: أين نجد ذلك «اللفظ المجرد» الذي يفترضه كثير من النظريات؟ نحن نقول: رأس الإنسان، ورأس الجبل، ورأس القوم؛ نقول: هذا الرجل أسد، وأكل الأسد فريسته؛ نقول: ذاق الطعام، وذاق العذاب. وفي كل مرة تأتي الكلمة ضمن كلام وحال. يقول ابن تيمية: «فلا يوجد قط في كلام تام اسم ولا فعل ولا حرف إلا مقيدًا بقيود تزيل عنه الإطلاق» (الإيمان، ص83). ثم يقول بصورة أوضح: «وإنما المقصود هنا الإطلاق اللفظي، وهو أن يتكلم باللفظ مطلقًا عن كل قيد، وهذا لا وجود له، وحينئذ فلا يتكلم أحد إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض» (الإيمان، ص90).
إن اللفظ المطلق الذي ننزعه من جميع التراكيب والمقامات مفيد للتحليل، كما يفيدنا أن نكتب كلمة وحدها على السبورة؛ لكن الخطأ يبدأ حين نعامل هذا التجريد كما لو كان هو الحالة الأصلية للكلمة، ثم نصف كل استعمال فعلي لها بأنه إضافة طرأت بعد ذلك. الواقع اللغوي يسير بالعكس: الكلام المقيد هو الأصل الذي نسمعه، والتجريد فعل لاحق يقوم به المحلل.
6.
ولهذا لا يكون السياق عند ابن تيمية شيئًا خارجيًا نلجأ إليه فقط عندما «يفشل اللفظ». السياق داخل في عملية الدلالة نفسها. يقول في الاستقامة: «فإن الأيمان وغيرها من كلام الناس بعضهم لبعض في المعاملات والمراسلات والمصنفات وغيرها تجمعها كلها دلالة اللفظ على قصد المتكلم ومراده، وذلك متنوع بتنوع اللغات والعادات، وتختلف الدلالة بالقرائن الحالية والمقالية» (الاستقامة، 1/10). فالقرينة المقالية هي ما يقوله الكلام بعضه مع بعض، والقرينة الحالية هي المقام والسبب وحال المتكلم والمخاطَب وما يعرفانه من الظروف.
ويبلغ الأمر عنده أن يقول: «بل لا يدل شيء من الألفاظ إلا مقرونًا بغيره من الألفاظ وبحال المتكلم الذي يعرف عادته بمثل ذلك الكلام» (مجموع الفتاوى، 20/496). ثم يصف دلالة الكلام بأنها «دلالة قصدية إرادية» (مجموع الفتاوى، 20/496). فالكلام ليس مجرد أصوات لها آثار دلالية آلية؛ هناك إنسان يقصد أن يُفهم شيئًا، وإنسان آخر يفهمه داخل نظام مشترك من اللغة والعادة والمقام.
7.
وليس القصد هنا ترخيصًا للمتكلم أن يجعل لفظه يعني أي شيء شاء. إنني لا أستطيع أن أقول «أعطني ماء» ثم أزعم بعد ذلك أنني كنت أعني «أغلق النافذة»، ما لم يكن بيننا استعمال أو قرينة تجعل ذلك معقولًا. ولهذا يجعل ابن تيمية فهم قصد المتكلم مرتبطًا بعادته وعرفه. يقول: «فإنه إذا عرف المتكلم فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف؛ لأنه بذلك يعرف عادته في خطابه، واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم، وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه» (الإيمان، ص96).
ويقرر القاعدة نفسها بصورة أوجز في الصفدية: «والواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته وعادته التي يخاطب بها» (الصفدية، 2/84). فالقصد والعرف ليسا متنافسين: العرف يضع المجال الذي يمكن أن تعمل فيه العبارة، والقصد يحدد ما يريده هذا المتكلم بهذا الاستعمال في هذا الموضع.
8.
ومن هنا أيضًا لا يُقرأ قول المتكلم منفصلًا عن بقية أقواله. إذا استعمل مؤلف لفظًا مئات المرات، فإن تلك الاستعمالات تصير جزءًا من الدليل على مراده عندما يرد اللفظ في موضع مشكل. يقول ابن تيمية: «يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر؛ فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده» (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، 4/44).
ولهذا فإن من يقتطع كلمة من كتاب، ثم يضع فيها معنى اصطلاحيًا لم يعهده المؤلف، لا يكون قد «تمسك باللفظ» أكثر من غيره، بل قد يكون ابتعد عن الكلام نفسه. يقول ابن تيمية عمن يصنع ذلك: إذا «استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه» كان ذلك «تحريفًا لكلامه عن موضعه، وتبديلًا لمقاصده وكذبًا عليه» (الجواب الصحيح، 4/44).
ونمثل على ذلك بردّه على بعض الزنادقة ممن تعمد التلاعب بالنصوص من باب التأويل فيقول:“هؤلاء يعمدون إلى ألفاظ الحديث يقطعونها ويفرقون بينها ثم يتأولون كل قطعة بما يمكن وما لا يكمن.
ومن المعلوم أن الكلام المتصل بعضه ببعض يفسر بعضه بعضًا ويدل آخره على معنى أوله وأوله لا يتم معناه إلا بآخره كما يقال الكلام بآخره وهذا كثيرًا ما يفعله هذا المؤسس [الرازي] وأمثاله وهم في مثل ذلك كما يحكى عن بعض متأخرة الزنادقة المنافقين أنه قيل له ألا تصلي فقال إن الله يقول {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} فقيل له ألا تتمها {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) } [الماعون 5] فقال العاقل يكتفي بكلمة.
وأنشد بعض هؤلاء:
ما قال ربك ويل للألى شربوا [الخمر] … بل قال ربك ويل للمصلينا” بيان تلبيس الجهمية (7/ 375)
9.
والزمن نفسه داخل في المسألة. قد تصبح للكلمة بعد قرنين دلالة اصطلاحية لا يعرفها المتقدمون، ثم يأتي القارئ المتأخر فيسمع اللفظ القديم بأذنه الحديثة. ولهذا يحذر ابن تيمية من أن يحمل الإنسان القرآن والحديث على ما ألفه هو من اصطلاحات عصره، ويقول: «الواجب أن تعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك» (الإيمان، ص89).
ويقول أيضًا: «ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه» (الإيمان، ص96). ففهم الكلام ليس مجرد مطابقة ألفاظ قديمة بألفاظ في معجم معاصر؛ بل إعادة اللفظ إلى العرف الذي كان يعمل فيه. ومن هنا كانت معرفة التاريخ اللغوي جزءًا من فهم المعنى نفسه، لا ملحقًا خارجيًا به.
10.
والكلمة نفسها لا تؤدي دائمًا الوظيفة نفسها عندما تُفرد وعندما تقرن بغيرها. يقول ابن تيمية: «ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران… زاحت عنه الشبهة في هذا الباب» (الإيمان الأوسط، ص483). فـ«الفقير» إذا ذكر وحده قد يتناول ما تتوزعه عبارتا «الفقير والمسكين» إذا اجتمعتا، و«الإيمان» قد يتسع مدلوله في موضع ثم يتخصص إذا قرن بـ«الإسلام». ليس لأن المتكلم كسر اللغة في إحدى الحالتين، بل لأن الكلمات تعمل بعضها مع بعض.
وهذا يبين موضع الخلل في أن نسأل دائمًا: ما معنى X وحدها؟ ثم نتوقع أن نحمل الإجابة بلا تعديل إلى كل تركيب. فالتركيب ليس مجرد جمع معانٍ مكتملة مسبقًا، بل قد يوزع المجال الدلالي من جديد. ولهذا يقول ابن تيمية في الألفاظ الشرعية: «والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة» (الإيمان، ص234). ليس كل اختلاف في الدلالة نقلًا للغة من معنى إلى معنى؛ كثير منه أثر طبيعي للتقييد والاستعمال.
11.
وهنا يظهر سبب موقفه من تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز. اعتراضه ليس إنكار أن عبارة مثل «أسد الله» تختلف عن قولنا عن الحيوان إنه أسد؛ وإنما يعترض على بناء التحليل كله على «لفظ مجرد» قيل إنه وضع أولًا لمعنى، ثم نقل بعد ذلك إلى معنى آخر بواسطة قرينة. فهو يسأل أولًا: كيف عرفنا ذلك الوضع التاريخي الأول؟ ولهذا يقول: «فمن ادعى وضعًا متقدمًا على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به، وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال» (الإيمان، ص80).
ثم يعترض على جعل الحاجة إلى القرينة حدًا للمجاز؛ لأن الكلام لا ينفك أصلًا عن القرائن: «وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز، قد تبين بطلانه، وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل مجردًا عن جميع القرائن» (الإيمان، ص95). وعندما يقال: «هذا الأسد قاتل اليوم» في رجل معروف بالشجاعة، فالتعبير لم يقع في فراغ ثم جاءت القرينة لإنقاذه؛ بل هذا هو الاستعمال نفسه. ومن هنا يحاول ابن تيمية كثيرًا رد ما يسميه غيره مجازًا إلى معنى عام تتنوع تطبيقاته، كما يقول في «الذوق»: «لفظ الذوق يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته» (الإيمان، ص92).
12.
أما الأسماء العامة، فوجود لفظ واحد لأشياء متعددة لا يعني أن هناك شيئًا كليًا قائمًا خارج الذهن يسكن جميع أفراده. يقول ابن تيمية: «والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن» (الإيمان، ص91). ويشرح في منهاج السنة: «المعنى العام لا يوجد عامًا إلا في الذهن، لا في الخارج»، ثم يقول: «وإنما الاشتراك هو نوع من التشابه والاتفاق، والمشترك فيه الكلي لا يوجد كذلك إلا في الذهن» (منهاج السنة، 8/30).
فنحن نرى هذا الإنسان وهذا الإنسان، وهذا البياض وهذا البياض، ثم يدرك العقل جهة الاشتراك، ويعبر عنها باسم عام. وليس «الإنسان الكلي» فردًا ثالثًا غير زيد وعمرو. وهكذا يرتبط مذهبه في اللغة بمذهبه في الكليات: الأسماء العامة تعبر عن معانٍ كلية يعقلها الذهن من وجوه الاتفاق بين الأعيان، لكنها لا تستلزم وجود كلي مشترك في الخارج.
13.
وتظهر أهمية هذا كله حين يدخل اللفظ في النزاع الفلسفي. قد يقول الكرامي: «الله جسم»، ويقول المتكلم الجهمي: «ليس بجسم»، ويظن كل منهما أنه ناقض صاحبه. لكن قبل أن نسأل أي الجملتين صحيحة، علينا أن نعرف هل يتحدثان أصلًا عن القضية نفسها. ماذا يعني الأول بـ«الجسم»؟ وماذا ينفي الثاني؟ ولهذا يقول ابن تيمية: «وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال، والفتن والخبال، والقيل والقال، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء» (منهاج السنة، 2/217).
وقاعدته العملية هي: «يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة، وكل لفظ يحتمل حقًا وباطلًا فلا يطلق إلا مبينًا به المراد» (مجموع الفتاوى، 12/551). وأحيانًا يكون ما يبدو نزاعًا ميتافيزيقيًا عميقًا قد تضخم لأن كل طرف يضع تحت اللفظ معنى غير الذي يضعه الآخر.
14.
وهذا لا يجعل الفلسفة عند ابن تيمية مجرد لعبة لغوية؛ لأن اللغة عنده متصلة بواقع سابق عليها ومستقل عنها. الحس يدرك الأعيان، والعقل يدرك وجوه الاشتراك والاختلاف، ثم تستعمل الجماعة الألفاظ للتفاهم فيها. يقول: «إن الله جعل لابن آدم من الحس الظاهر والباطن ما يحس به الأشياء ويعرفها» (نقض المنطق، ص309)، ثم يقول عن تكوّن الكلي: «الحس الباطن والظاهر يفيد تصور الحقيقة تصورًا مطلقًا، أما عمومها وخصوصها فهو من حكم العقل؛ فإن القلب يعقل معنى من هذا المعين ومعنى يماثله من هذا المعين، فيصير في القلب معنى عامًا مشتركًا» (نقض المنطق، ص311).
فاللغة ليست عنده سجنًا يحول بين الإنسان وبين الأشياء، وليست كذلك مرآة آلية لكل تفاصيل الواقع. هناك واقع، وإدراك، وتصوّر، ثم تعبير. ولهذا كان «التعبير يتبع التصور» (الإيمان، ص79)، لا التصور دائمًا تابعًا للتعبير.
15.
حتى الترجمة تكشف هذا الترتيب. فقد يقال للإنسان إن اللفظ الأجنبي X يقابله اللفظ العربي Y، فيكون قد عرف المقابل اللفظي، لكنه قد يظل لا يفهم المعنى. ولهذا يقسم ابن تيمية الترجمة والتفسير ثلاث درجات: أولها «ترجمة مجرد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف»، والثانية «ترجمة المعنى وبيانه، بأن يصور المعنى للمخاطب»، ويؤكد أن «تصوير المعنى له وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ»، ثم يجعل الثالثة «بيان صحة ذلك المعنى وتحقيقه بذكر الدليل والقياس» (نقض المنطق، ص171).
فتوجد ثلاثة أسئلة ينبغي ألا تختلط: ما اللفظ الذي يقابل هذا اللفظ؟ ماذا يعني الكلام؟ وهل ما يعنيه صحيح؟ قد تنجح في الأول وتفشل في الثاني، وقد تفهم الثاني ولا تصدق الثالث. وهذه التفرقة نفسها تمنع قدرًا كبيرًا من الاضطراب: معرفة اسم القضية ليست معرفة معناها، ومعرفة معناها ليست برهان صدقها.
16.
لهذا كله، لعل السؤال الصحيح عن كلمة لا يكون دائمًا: «ما معناها الحقيقي في ذاتها؟» بل: كيف استُعملت؟ وفي كلام من؟ ومع أي ألفاظ؟ وفي أي مقام؟ وما العادة التي عرف بها هذا المتكلم؟ وما الذي كان المخاطبون يفهمونه حين يسمعونها؟ لا لأن للكلمات لا معنى لها، بل لأن هذا هو النحو الذي يكون لها به معنى في الكلام بالفعل.
ومن هنا يمكننا جمع شتات المسألة في إشارات عبقرية لشيخ الإسلام ألا وهي: «وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال» (الإيمان، ص80)؛ و«دلالة اللفظ على قصد المتكلم ومراده» (الاستقامة، 1/10)؛ و«تختلف الدلالة بالقرائن الحالية والمقالية» (الاستقامة، 1/10)؛ و«الواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته وعادته التي يخاطب بها» (الصفدية، 2/84).
إن الخطأ الفلسفي يبدأ أحيانًا حين ننزع الكلمة من الحياة التي كانت تعمل فيها، ثم نصنع من صورتها المجردة مشكلة، ثم نحاول حل المشكلة بمزيد من التجريد. أما ابن تيمية فيعيدنا مرارًا إلى المتكلم والمخاطَب، وإلى العرف والقرينة، وإلى الحس والتصور، وإلى مواضع استعمال اللفظ. ليس لأن الحقيقة لغوية، بل لأن الكلام لا يُفهم إلا بالطريقة التي يكون بها الكلام كلامًا.
17.
ويبقى من مجموع هذه الأصول أثر مهم في مسألة اختلاف اللغات والثقافات، ثم في اختلاف اللغات العلمية والفلسفية نفسها. فكون الدلالة مرتبطة بالعرف والاستعمال لا يعني أن جميع المعاني التي يعمل بها الإنسان صناعة ثقافية محضة، ولا أن كل أمة تبدأ من جهاز مفهومي مغلق لا سبيل إلى النفاذ منه إلى غيره. ابن تيمية نفسه يقرر، في سياق رده على ابن سينا في «المشهورات»، أصلًا أعمق من ذلك؛ إذ يستدل من اشتراك الأمم، مع اختلافها، على وجود موجب سابق على أعراف كل أمة بعينها. يقول: «لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم؛ فإن المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم، فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه الأمم، وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية؛ فإن الأمم لم تشترك كلها في غير لوازم الإنسانية» (الرد على المنطقيين، ص430).
فشيوع طريقة مشتركة في النظم والاستعمال اللغوي بحيث تكون عابرة للغات وألفاظها المباشرة تكشف عن أصل أنثروبولوجي معرفي واضح: ما ثبت اشتراك البشر فيه على اختلاف الأمم لا يفسر بخصوصية اصطلاح أمة بعينها، بل يرجع في أصله إلى ما يشتركون فيه من قوى واستعدادات فطرية هي من «لوازم الإنسانية». يوضح ذلك قوله: «بل التمييز بين مسمى المصدر ومسمى اسم الفاعل واسم المفعول، والتفريق بين الصفة والموصوف مستقر في فطر العقول ولغات الأمم» (درء تعارض العقل والنقل، 1/286). فهناك بنى من قبيل الفعل ومن يقوم به وما يقع عليه، والصفة وما تقوم به، لا يردها هنا إلى اصطلاح فلسفي خاص، بل يجمع فيها بين «فطر العقول» و«لغات الأمم».
ولا يلزم من هذا أن تتطابق اللغات في طريقة تقسيمها للعالم أو في جميع ما تستحضره من صفات الأشياء. بل ابن تيمية يجمع بين الأمرين بدقة؛ فيقول عن معاني اللغات: «فإن المعنى الواحد الذي تعلمه الأمم وتعبر عنه كل أمة بلسانها قد يكون ذلك المعنى واحدًا بالنوع في الأمم»، ثم يذكر أن تصور ذلك المعنى قد يتنوع، فتعلمه أمة بنعت وتعبّر عنه باعتباره، وتعلمه أخرى بنعت آخر (مجموع الفتاوى، 6/63). فهناك اشتراك حقيقي لا يمنع التنوع، وتنوع حقيقي لا يستلزم الانغلاق. قد تختلف الألفاظ، وقد تختلف جهة التصنيف والوصف، ومع ذلك يبقى وراء ذلك قدر من المعلوم المشترك يمكن أن يكون موضوعًا للتفاهم.
وفي كتاب تنبيه الرجل العاقل، هو يناقش معاني ادعى بعض المتكلمين ثبوتها، يحتج بأن المعنى لو كان مما تدركه أذهان الناس لكان من شأن اللغات أن تستطيع التعبير عنه، فيقول: «لو أدركت أذهانهم ذلك لوجب أن تكون لها عبارة عنها كسائر المعاني المشتركة بين الأمم إما مفرد أو مركب» (تنبيه الرجل العاقل، 1/254-255). وهذه الإضافة: «إما مفرد أو مركب» بالغة الأهمية؛ لأن اشتراك المعنى لا يقتضي وجود كلمة مفردة تقابله في كل لسان. قد تملك لغة اسمًا واحدًا لما لا تملك الأخرى له اسمًا مفردًا، ومع ذلك تستطيع الثانية أن تؤدي معناه بعبارة مركبة. فغياب المرادف اللفظي ليس هو غياب قابلية الترجمة.
وهذا يفسر على نحو أعمق التفرقة التي مرت سابقًا بين «ترجمة مجرد اللفظ» و«ترجمة المعنى وبيانه». فإذا لم يوجد في اللغة الثانية لفظ يؤدي جميع ما يؤديه المصطلح الأول، لم يلزم أن ينقطع التفاهم؛ بل يمكن فك المصطلح إلى ما يتضمنه من صفات وعلاقات وأمثلة وآثار، ثم تصوير معناه بتركيب من معانٍ يعرفها المخاطب. وإنما يكون العجز الحقيقي حين نعجز عن تصوير المراد أصلًا، لا لمجرد أننا لم نجد في القاموس كلمة بإزاء كلمة.
ومن هذه النصوص يمكن رسم طبقات ثلاث لا على أنها تقسيم صريح لابن تيمية، بل بوصفها نتيجة على مبانيه: في الأساس توجد الفطرة الإنسانية وقوى الإدراك المشتركة وما يلزم عنها من أبسط المعاني والعلاقات؛ وفوقها تتشكل اللغات الطبيعية التي تختلف ألفاظها وعاداتها وطرائق تقسيمها مع بقائها متصلة بذلك العالم الإنساني المشترك؛ ثم تنشأ داخلها اللغات الاصطلاحية لأهل الكلام والفلسفة والطب وسائر الصناعات، وهي طبقة أشد خصوصية، قد تعيد تخصيص اللفظ أو تركب منه معنى فنيًا لا يعرفه العامي بذلك الاعتبار.
فالطبيب والفيلسوف والفيزيائي لا يخلقان مواد لغتهما النظرية من عدم. يستطيع أحدهم أن يقول إن جسمًا تحرك أو سكن، وإن شيئًا أثر في شيء، وإن صفة ثبتت لموصوف، وإن أمرًا وقع قبل آخر أو بعده، ثم يبني من هذه المعاني وغيرها مفهومًا اصطلاحيًا أشد تركيبًا. وقد تختلف نظريتان بعد ذلك في تفسير الحركة نفسها، أو في حقيقة السبب، أو في تقسيم الموجودات؛ لكن اختلافهما النظري وقع فوق قدر من الإدراك والمعنى أتاح لهما أصلًا أن يحددا موضع الخلاف.
ومن هنا لا ينبغي أن نفهم «اللغة الطبيعية المشتركة» على أنها لغة كونية واحدة لها قاموس ثابت بين البشر، ولا على أنها كلام منزوع من كل سياق وثقافة. المقصود أسبق من ذلك: قدر مشترك في الإنسان من قوى الإدراك، والمعاني والعلاقات التي تفرضها حياته وتفاعله مع العالم، تظهر آثاره في مختلف لغات الأمم، ثم تتنوع طرق التعبير والتقسيم فوقه. ولهذا كان ابن تيمية قادرًا في موضع على الكلام عن «الفطرة المشتركة بين جميع الأمم»، وفي آخر عن أمور «مستقرة في فطر العقول ولغات الأمم»، وفي ثالث عن «المعاني المشتركة بين الأمم» التي لا بد أن توجد لها عبارة «إما مفرد أو مركب».
وعلى هذا يضيق مجال دعوى سوفسطائية ما بعد حداثية معاصرة ألا وهي بـ«عدم قابلية الترجمة». فقد يصح أن مصطلحًا في نظرية ما لا يملك مكافئًا مفردًا في النظرية الأخرى، أو أن ترجمته تفقد بعض ظلاله واستلزاماته، أو أن النظريتين تقسمان الظاهرة الواحدة بطرائق متباينة؛ لكن هذا شيء، والقول إن أصحاب الإطارين لا يستطيع بعضهم أصلًا تصوير معنى كلام بعض شيء آخر. ما دامت اللغة النظرية بناءً متأخرًا على موارد إدراكية ولغوية مشتركة، فإن الطريق المعتاد للفهم هو الرجوع من الاصطلاح الخاص إلى المعاني التي رُكّب منها وشرح علاقاتها للمخاطب، ثم بعد تمام التصور يقع النزاع الحقيقي في صدق النظرية ومطابقتها للواقع.
وهكذا تكتمل الصورة: اختلاف العادات والسياقات يفسر تنوع الدلالة ولا يحبس الإنسان داخل لغته، والفطرة المشتركة ولوازم الإنسانية تفسر وجود أرضية سابقة على كثير من ذلك الاختلاف، وإمكان التعبير عن «المعاني المشتركة بين الأمم» بالمفرد أو المركب يفسر كيف تبقى الترجمة ممكنة حتى حين يفشل التقابل المعجمي المباشر. فاللغات والثقافات والنظريات لا تطفو في فراغات منفصلة، بل تتفرع جميعًا، بدرجات مختلفة، من إنسان يدرك ويتفاعل ويعقل ويتكلم في عالم مشترك.
18.
ويمكن أن نستخلص أيضًا جانبًا معرفيًا أدق: ليس السؤال فقط كيف تستعمل الجماعة لفظًا، بل كيف يحصل للإنسان علم صحيح بمعناه ابتداءً، وكيف يتكون لديه المفهوم الذي يعبر عنه اللفظ؟ وهنا يرسم ابن تيمية مسارًا معرفيًا واضحًا: فالكليات المطابقة للخارج لا تكون مودعة في النفس جاهزة قبل اتصالها بالجزئيات، وإنما تتكون من مباشرة المعينات ثم تجريد العقل لما بينها من قدر مشترك. يقول في شرح العقيدة الأصفهانية: «فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها، لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص96). فالفطرة ليست مخزنًا لمفاهيم العالم التفصيلية، وإنما فيها القوى التي تستطيع، متى اتصلت بالواقع على الوجه المناسب، أن تعرف أعيانه ثم تنتزع منها المعاني العامة.
وقد استثمر هذه البنية المعرفية في رده على خصومه لإثبات أن كلامهم فارغ المضمون المعنوي!، فمثلًا: استعمله في الرد على ابن سينا وأتباعه في قولهم: «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد». فهذه عندهم قضية كلية يريدون إدخال واجب الوجود تحتها، لكن ابن تيمية يسأل أولًا عن منشأ العلم بهذه الكلية. إن كانت مأخوذة من استقراء آحاد أو قياس بعضها إلى بعض فقد ناقضوا أصولهم في البرهان، وإن قيل إنها بديهية أجاب بأن الكليات المطابقة للخارج لا تكون مغروزة ابتداء، بل لا بد أن تسبقها معرفة بمعينات تتكون منها. ثم يقول بعد ذلك عبارة شديدة الدلالة: «ثم إذا تصور مفردات هذه القضية علم يقينًا أنه ليس عنده منها علم، بل علم أن الواقع خلافها» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص96).
ثم يبدأ باختبار مفردات القضية نفسها. فما «الواحد» الذي تتكلم عنه النظرية؟ إن كان المراد شيئًا لا يعلم فيه أمران ليس أحدهما الآخر، يقول ابن تيمية إنه لا يوجد في الخارج شيء بهذا الاعتبار؛ بل الموجودات المعينة تعرف بصفات ومعانٍ متعددة. ولذلك ينتهي إلى أن هذا «الواحد» الذي بنى عليه الفيلسوف القضية ليس كليًا استُخرج بطريق معرفي صحيح من أعيان معلومة، وإنما تصور ذهني جُرّد على نحو لا يطابق الموجود الخارجي. ثم ينتقل إلى الطرف الآخر من القضية فيسأل صراحة: «ثم إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في الخارج قيل لمن قال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد: ما معنى الصدور؟» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص98).
وهنا يفعل مع «الصدور» ما فعله مع «الواحد». فليس المراد عندهم الفعل المعروف الذي يفعله الفاعل بمشيئته، ولا حدوث شيء عنه بالمعنى الذي تعرفه الأذهان من الأفعال، وإنما يريدون لزوم شيء منفصل عن شيء آخر لذاته. فيقول ابن تيمية: «ونحن لا نتصور في الموجودات شيئًا صدر عنه وحده شيء منفصل عنه كان لازمًا له بهذا الوجه»، ثم يحكم: «فهذا الصدور الذي ذكرته غير معروف» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص99). ثم يردهم مرة أخرى إلى طريق تكوّن الكلي: «فإذا لم يتصور هذا الصدور ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية فمن أين تعلم هذه القضية الكلية؟» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص99).
وهذه نقطة بالغة الأهمية في إبستمولوجيا المعنى عنده. فليس كافيًا أن تؤلف ألفاظًا صحيحة من جهة الصناعة ثم تتعامل مع الجملة الناتجة كما لو كان لها مضمون معلوم لمجرد أنك تستطيع التلفظ بها. لا بد أن يكون لمفرداتها طريق معرفي يربطها بما يمكن تصوره ومعرفته. فإذا لم نجد حالة معينة نعرف منها ذلك «الصدور»، ولم نجد في الخارج «الواحد» على الوجه الذي تشترطه القضية، فما الذي سمح أصلًا بتكوين الكلي الذي تجري عليه الدعوى؟ ولهذا يلخص ابن تيمية اعتراضه بقوله: «فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه أمر لا يعقل في الخارج أصلًا فضلًا عن أن يكون قضية كلية عامة» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص99). أما أن يفرض الذهن «واحدًا» و«صدورًا» بحسب اصطلاحه ثم يجري بينهما حكمًا، فهذا قد يصنع اتساقًا داخل الذهن، لكنه لا يثبت أن شيئًا من ذلك يطابق الخارج.
وهذا التطبيق يفسر بصورة عملية قوله إن العلوم الكلية لا تكون مغروزة ابتداء. فالمشكلة عنده ليست فقط في صدق القضية السينوية، بل قبل ذلك في الطريق الذي أُنتج به معناها الكلي: من أي معين عُرف هذا الواحد؟ ومن أي حالة معينة عُرف هذا النوع من الصدور؟ وكيف انتقل العقل من تلك المعينات إلى الحكم العام؟ فإذا انقطعت هذه السلسلة، بقي لدينا تركيب اصطلاحي يمكن ترديده، لكن لا يملك صاحبه العلم الذي يظنه بمعناه المطابق للخارج.
وهذا بعينه ما يفسر تطبيق ابن تيمية للآلية نفسها على تعلم اللغة في الرد على المنطقيين. يقول: «فبالحس يعرف أعيانها ثم يتكرر فتعلم بالعقل القدر المشترك»، ثم يقول: «حتى العلم بمعاني اللغات هو من الحدسيات؛ فإن الإنسان يسمع لفظ المتكلم ثم قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى، ثم إذا تكرر تكلمه بذلك اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى، علم أن هذه عادته الإرادية» (الرد على المنطقيين، ص387). ويزيد: «فإن السمع إنما عرف به الصوت، والمعنى المعين قد يفهم أولًا بأسباب متعددة». فالصوت وحده لا يعطي المعنى؛ بل لا بد أن يتصل اللفظ بمعنى معين معروف من طريق آخر، ثم يكشف التكرر عن استقرار العلاقة بينهما.
وعليه يمكن وصف المسار عنده هكذا: يعرف الإنسان معينًا أو معنى معينًا بواسطة قواه الإدراكية، ثم يسمع اللفظ واقعًا عليه في سياق يكشف مراد المتكلم، ثم تتكرر الاستعمالات، فينتزع العقل انتظامًا مشتركًا، ويستقر عنده معنى اللفظ ومجال استعماله. وبالمثل في المعرفة النظرية: يعرف العقل المعينات، ثم ينتزع منها الكليات؛ فإن صُنعت كلية لا ترجع إلى معينات يمكن تصورها، وجب السؤال عما إذا كان صاحبها قد حصل فعلًا على معرفة بمعناها أم لم يجاوز تركيب ألفاظ ومفاهيم مفروضة في الذهن.
وبلغة معرفية معاصرة يمكن وصف هذا بأنه ضرب من الخارجانية السببية في اكتساب المعنى والمفهوم: صحة المعرفة لا تتوقف على أن يملك المتعلم برهانًا انعكاسيًا يشرح به كيف عرف، بل على أن يكون المفهوم قد نشأ عبر اتصال معرفي ملائم بموضوعه؛ إدراك صحيح، وقرينة موصلة، وتكرر يسمح للعقل بالتجريد، واستعمال مستقر يربط اللفظ بالمعنى. ولهذا يستطيع الطفل أن يعرف معنى الكلمة ويستعملها قبل أن يستطيع تعريفها، كما يستطيع الإنسان أن يعرف الكلي بعد تكرر معرفته بأفراده من غير أن يكون ذلك الكلي مغروزًا فيه قبل الخبرة.
وبهذا تتصل عند ابن تيمية ثلاثة أمور: مذهبه في أن الكليات تُجرد من معرفة الجزئيات، ومذهبه في أن دلالة الألفاظ تعرف من الاستعمال، وطريقته في اختبار المفاهيم الفلسفية بردها إلى مصادر تكوّنها المعرفي. فالإنسان لا يبدأ من لفظ ثم يستخرج منه عالمًا، ولا من كلي مفارق ثم يفرضه على المعينات؛ بل تبدأ المعرفة من اتصال قواه الفطرية بالواقع، ثم التجريد والتعميم، ثم تأتي اللغة لتثبت تلك المعاني في الاستعمال وتتيح تركيبها في بناء نظري أوسع. وإذا انفصل البناء النظري تمامًا عن هذا الأصل، كان من المشروع عند ابن تيمية أن يسأل قبل مناقشة صدقه: هل عُرف معنى ما يقال أصلًا، ومن أين عُرف؟
هذا والحمد لله والله أعلم




