تمهيد
كثر كلام الناس في مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في العقل والفطرة والضرورة، غير أن طائفة من الباحثين تدخل إلى كلامه بأصول فلسفية قد تقررت عندها من قبل، ثم تطلب من نصوصه ما يشهد لها، أو تحمل عباراته على ما ألفته من التقاسيم والمذاهب.
وزاد الأمر اشتباهًا كثرة كلام الشيخ، وتنوع المواطن التي حرر فيها هذه المسائل، فإن كلامه فيها يجيء بحسب المقامات والأغراض: تارة في المنطق، وتارة في تحرير مسألة عقدية، وتارة في نقض أصل فلسفي أو كلامي؛ فصار من اقتصر على بعض كلامه دون بعض ربما ظفر بما يوافق مذهبه، وقصر عن استقراء كلام الشيخ استقراءً يضم أطرافه ويرد مجمله إلى مبينه.
ومن هاهنا وقع الاضطراب في حكاية مذهبه، حتى نسبه قوم إلى مذاهب متقابلة، فجعلوه تارة من القائلين بالقبليات وتارة البعدية، وتارة ألحقوه بالمثالية وتارة بالواقعية، وكان أساس هذا الخلاف ثمرة البداءة بالتقسيم قبل استتمام النظر في كلامه ومقاصده ونتائجه.
ومقصود هذا البحث أن يسلك غير هذا المسلك؛ فيستقرئ كلام الشيخ نفسه، ويجمع نظائره، ويرد بعضه إلى بعض، حتى يظهر نسقه المعرفي من داخل عباراته وأصوله، كما قرره هو وكما استعمله في نقد خصومه في مختلف أبواب النظر.
الباب الأول
الفطرة ومبادئ المعرفة الإنسانية
فصل: في حقيقة الفطرة وأنها الخلقة بما فيها من قوى الإدراك والإرادة
الفطرة في كلام ابن تيمية ليست اسمًا لمجموع قضايا معينة معلومة، ولا هي مجرد الاعتقاد الذي يسبق إلى النفس، وإنما أصلها الخلقة الإنسانية وما أودع فيها من القوى والمقتضيات.
ولهذا قال في معرض الرد على من أوصى طالب الإلهيات بأن «يستحدث لنفسه فطرة أخرى»:
«فكيف يحدثون فطرة أخرى؟ والفطرة هي الخلقة التي فطر الله عباده عليها، أتريد أن يبدل خلقته وما فيها من قوى الإدراك والحركة؟ فهذا غير مقدور للبشر، فإن الله تعالى فطر عباده على ذلك». بيان تلبيس الجهمية، 2/470.
فجعل قوى الإدراك والحركة من نفس الفطرة؛ ومن ثم لم تكن الفطرة عنده مرادفة للعلم فقط، بل هي البنية التي تصدر عنها علوم الإنسان وإراداته.
ولهذا قال: «ومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية، وعلوم فطرية». درء تعارض العقل والنقل، 7/425.
فالإنسان عنده مفطور من جهة العلم ومن جهة القصد: فيه ما يقتضي إدراك الحق، وفيه ما يقتضي إرادة النافع والخير. ولذلك قال: «فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع». درء تعارض العقل والنقل، 8/458.
وهذا أصل جامع؛ فإن الفطرة وإن لم تكن معارف جاهزة مسبقًا عند الولادة لكنها أيضًا ليست مجرد قوة قابلة للضدين على السواء، بحيث يكون ورود الصدق والكذب والخير والشر عليها بمنزلة الكتابتين المختلفتين على صفحة لا تميل إلى إحداهما، بل في خلقة الإنسان مقتضٍ للحق والنافع كما فيها قوى طبيعية تقتضي ما يلائم البدن.
ولهذا لما ناقش من جعل الفطرة مجرد استعداد محايد للمعرفة والكفر جميعًا، قال إن ذلك يبطل معنى كونها فطرة ممدوحة؛ إذ لو كانت نسبة الحنيفية إليها كنسبة التهويد والتمجيس، لم يكن لأحدهما اختصاص بها.
فقال: «فتبين أن المعرفة لازمة واجبة لها، إلا أن يعارضها معارض»،ثم قال: «فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله، والذل له، وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه». درء تعارض العقل والنقل، 8/447-449.
فهذا معنى الاقتضاء الفطري عنده: قوة مخلوقة في النفس يحصل مقتضاها عند تمام أسبابها وعدم المعارض، لا مجرد قابلية لا ترجح فيها جهة على جهة، ولهذا كانت الأسباب الخارجة عنده قد تكون منبهة ومذكرة ومحركة لما في الفطرة، لا منشئة لأصل قابلية الحق فيها من العدم.
يبينه قوله: «فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذل له ومحبته، وإن كان ذلك مذكرا ومحركا، أو مزيلا للمعارض المانع». درء تعارض العقل والنقل، 8/450.
ومن هنا أيضًا يظهر معنى بعثة الرسل عنده؛ فإنهم لا ينشئون للإنسان خلقة أخرى، بل يكملون ما خلق عليه، ولذلك قال:
«والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها». مجموع الفتاوى، 10/466.
فالشرعة والفطرة عنده متوافقتان: الشرعة تكمل الفطرة، والفطرة الصالحة تعقل الشرعة وتقبلها. ولهذا قال:
«فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها، ومبنى السمع على تصديق الأنبياء». مجموع الفتاوى، 9/226.
فهذه العبارة من أجمع عباراته في الباب؛ إذ تجعل صحة العقل نفسه متعلقة بسلامة الخلقة التي بها يعقل.
فصل: في كيفية وجود العلم الفطري، وأن الفطرة مقتضية للعلم بحسب نمو قوى الإنسان
والعلم الفطري لا يلزم أن يكون قضية ملفوظة حاضرة في ذهن الطفل من ساعة ولادته؛ فإن الفطرة أسبق من تمام فعل القوى التي فيها.
ولهذا قال:«ومعلوم أن قوله: كل مولود يولد على الفطرة، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفا بالله موحدا له، بحيث يعقل ذلك».
ثم قال: «ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك وتستوجبه بحسبها، فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل من معرفتها بربها ومحبتها له ما يناسب ذلك». درء تعارض العقل والنقل، 8/460-461.
فالفطرة تتضمن القوة والمقتضي، ويظهر فعلها بحسب كمال الآلة والشعور، كما أن الطفل مفطور على تناول ما يلائمه، وإن لم يكن حال ولادته مباشرًا لجميع الأفعال التي ستصدر عنه بعد ذلك، ولهذا جعل حصول مقتضى الفطرة متعلقًا غالبًا بزوال المانع، فقال: «فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء مانع». درء تعارض العقل والنقل، 8/454.
ومثّل لذلك بالرضيع واللبن:
«والطفل مفطور على أن يختار شرب اللبن بنفسه… فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع».
ثم ألحق به المعرفة:
«فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية له لا محالة إذا لم يوجد معارض». درء تعارض العقل والنقل، 8/448.
فالعلوم الفطرية عنده ليست كلها حاصلة بالصورة نفسها وفي الوقت نفسه، بل من المعارف ما يكون في النفس بالفعل نتيجة الاحتكاك الأولي المبكر بالحس، ومنها ما يكون بقوة قريبة من الفعل، فينبه الإنسان عليه فيجده في نفسه.
ولهذا قال:
«وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، مع نوع من الذهول والغفلة، فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم والإرادة». درء تعارض العقل والنقل، 7/425.
وهذا يفسر اجتماع أمرين يظهر بينهما التنافي لأول وهلة: أن تكون المعرفة فطرية، وأن يحتاج بعض الناس إلى منبه ودليل. فإن المنبه قد لا ينشئ أصل العلم ابتداء، بل يزيل مانعًا أو يتم تصورًا أو يحرك مقتضى قائمًا.
فصل: في الفطرة المشتركة بين بني آدم ولوازم الإنسانية
وإذا كانت الفطرة خلقة الإنسان وقواه، وكان بنو آدم جنسًا واحدًا، كان بينهم قدر مشترك من هذه القوى ومقتضياتها.
وقد صرح شيخ الإسلام بذلك فقال:
«بنو آدم جنس واحد مشتركون في الحد والحقيقة الإنسانية، وقوى إدراكهم وحركاتهم من جنس واحد من هذا الوجه». بيان تلبيس الجهمية، 5/383.
ومن هنا يعلم وجه احتجاجه بما تشترك فيه الأمم؛ فإنه لا يجعل اتفاقهم منشئًا للحقيقة، بل يجعله كاشفًا عن موجب مشترك في خلقتهم إذا كان الاتفاق عامًا صادرًا عن قوى الإنسانية نفسها.
وهذا هو الأصل الذي بنى عليه رده على المنطقيين في «المشهورات».
فقد جعل ابن سينا من المشهورات قضايا مثل حسن العدل وقبح الظلم والكذب، وفرق بينها وبين الأوليات؛ فجاء ابن تيمية ورد هذا الفصل، وقرر أن في المشهورات العامة ما هو من أعظم اليقينيات.
فقال: «والمقصود هنا ذكر هذه القضايا المشهورة من بني آدم كلهم، كقولهم العدل حسن وجميل وصاحبه يستحق المدح والكرامة، والظلم قبيح مذموم سيء وصاحبه يستحق الذم والإهانة… فنقول دعوى المدعي أن هذه القضايا ليست من اليقينيات دعوى باطلة، بل هذه من أعظم اليقينيات المعلومة بالعقل». الرد على المنطقيين، ص 422-423.
ثم ردها إلى الفطرة والتجربة معًا فقال: «ومعلوم أن هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة أعظم من أكثر قضايا الطب». الرد على المنطقيين، ص 423.
ثم بين أن عموم وجودها بين الأمم ليس أمرًا اتفاقيًا: «ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك». الرد على المنطقيين، ص 424.
وأفرد لذلك نوعًا: «النوع الخامس: في بيان كون هذه المشهورات معلومة بالفطرة» قال فيه: «مبادئ هذه القضايا أمر ضروري في النفوس… فعلم أن الناس بفطرتهم يعلمون هذه القضايا المشهورة بينهم». ثم أردفه بما هو أصل المسألة: «النوع السادس: في بيان كون الموجب لاعتقاد هذه المشهورات من لوازم الإنسانية» قال فيه:
«لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم، فإن المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم، فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه الأمم، وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية». الرد على المنطقيين، ص 430.
فهذه «الفطرة المشتركة بين جميع الأمم» أصل صريح عنده، وهي تصل الخلقة الإنسانية بالقضايا العامة التي يجدها الناس في أنفسهم ويجري عليها حكمهم، ثم لم يقف عند بيان منشئها، بل جعل هذه المشهورات العامة من مادة العلم اليقيني: «هذه المشهورات العامة مثل حسن العدل وقبح الظلم هي من الواجب قبولها»، «وهذه المشهورات أبلغ من كثير من المجربات، والعلم بها والتصديق بها في نفوس الأمم قاطبة أقوى وأثبت من العلم بكثير من المجربات والمتواترات التي تواترت عند بعض الأمم دون بعض». الرد على المنطقيين، ص 427-428.
فصار عنده من المشهورات ما يرجع إلى عرف طائفة أو صناعة، ومنها ما شهر بين الأمم لما له من موجب في الفطرة المشتركة ولوازم الإنسانية؛ وهذا الثاني لا يخرجه عن اليقين كما تحكم المنطقي في تفريقه لما سماه «مشهورًا» عن سائر الضروريات الفطرية.
وهذا الاشتراك الإنساني لا يمنع تفاوت أفراد الناس في حصول بعض العلوم أو تمام أسبابها؛ فإن الاشتراك إنما هو في جنس الخلقة وقوى الإدراك ومبادئها، لا في أن كل فرد قد استكمل في كل وقت الأسباب نفسها والعلوم نفسها. ومن هنا يجتمع عنده القول بالفطرة المشتركة مع القول بأن بعض القضايا قد تكون ضرورية لشخص ونظرية لآخر.
فصل: في معنى الضرورة
وإذا كان شيخ الإسلام قد وصف مبادئ هذه القضايا بأنها «أمر ضروري في النفوس»، فلا بد من تحرير مراده بالضرورة، فإنه نفسه نبه إلى اشتراك هذا اللفظ، قال: «إن لفظ الضرورة فيه إجمال».
ثم فسره فقال:
«فقد يراد به ما يضطر إليه الإنسان من المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس.
وقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون كسبه.
وقد يراد به ما لا يقبل الشك.
وقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزوما لا يمكن الانفكاك عنه». درء تعارض العقل والنقل، 7/422.
لكن أخص ما يكشف حقيقة الضرورة من جهة قيام العلم بالنفس ولزومه لها، وهو المعنى الذي يعوّل عليه الشيخ كثيرًا في مقام المفاضلة بين الضروري والنظري، أن الضروري ما «يلزم نفس المخلوق لزوماً لا يمكنه الانفكاك عنه»، فخاصته أنه «يلزم النفس لزوماً لا يمكن مع ذلك دفعه»؛ ولهذا كان «المرجع في كونه ضرورياً إلى أنه يعجز عن دفعه عن نفسه». مجموع الفتاوى، 13/70؛ 4/44.
وليس معنى عجزه عن دفعها هو أنه لا بد أن يحاول دفعها ثم يعجز حتى يعلم ضروريتها فهذا نبه الشيخ إلى بطلانه:
«والأمور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدلٍّ تقديرها ونفيها؛ فإن هذا لا غاية له، وإنما يذكر الإنسان من ذلك ما قد قيل أو خطر بالبال. فأمّا الذهن الصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير، فهو لا يورده على نفسه ولا يورده عليه غيره، وإنما يقع الإيراد عند الشك والاشتباه. فإن قُدِّر من الناس من يشكّ في هذا احتاج مثل هذا إلى البيان. وقد قلنا: إن الأسولة السوفسطائية ليس لها حدٌّ محدود، ولا عدٌّ معدود». درء تعارض العقل والنقل (3/ 288)
فمعنى كونه يعجز عن دفعها هو أنه يجدها راسخة في نفسه، ينصرف عن خلافها مبدئيّا ويكون هذا هو الموقف العادي والطبيعي بين عامة البشر إذا كانت القضية عامة، أو أنه الموقف البشري الفطري المتوقع في هذه الحالة المعرفية إذا تعرض لها عامة الناس: مثلًا عامة البشر يستيقظون من الحلم ويكفي هذا لمعرفتهم أن ما يرونه هو الواقع بالفعل وهذا يكفي لعدم الشك.
فمرجع الضرورة من هذه الجهة ليس إلى وصف خاص بنفس القضية، ولا إلى إدراجها في قائمة من القضايا المصطلح على تسميتها أوليات، وإنما إلى كيفية حصول العلم في النفس ولزومه لها؛ بحيث يجد العالم نفسه مضطرًا إليه عاجزًا عن دفعه، كما يجد غيره من أحواله الباطنة، فضروريتها نسبة إلى العالم بها ودرجة علمه بها لا إليها هي بحد ذاتها.
فصل: في الوجدان الباطن، والفرق بين وجود العلم والعلم بوجوده ودعوى الضرورة
ومعرفة الإنسان بأن عنده علمًا لا يلزم أن ترجع عند ابن تيمية إلى برهان آخر خارج عن ذلك العلم؛ فإن: «معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم: مرجعه إلى وجود نفسه عالمة». مجموع الفتاوى، 4/30.
فالوجدان الباطن هنا هو موضع الرجوع؛ كما أن الإنسان يجد نفسه عالمة بما أحسته وبما ثبت عندها من الأخبار المتواترة.
وهذا يفسر قوله إن المرجع في الضروري إلى عجز الإنسان عن دفعه عن نفسه؛ فإن العلم الضروري حال معرفي يجد الإنسان نفسه عليه، قبل أن يحوله إلى تقرير لفظي أو قياس منطقي.
لكن وجود العلم في النفس شيء، وإدراك الإنسان أنه موجود فيها شيء ثان، وتمييزه من غيره والتعبير عنه شيء ثالث.
«فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان، وقد يشك في وجودها، أو لا يحسن أن يعبر عن وجودها… فهكذا العلم الضروري وغيره، قد يكون حاصلا في نفس الإنسان، وهو يشك في وجوده، أو يطلب وجوده، أو لا يحسن أن يعبر عنه؛ لأن وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر». درء تعارض العقل والنقل، 7/424.
وفي المقام نفسه يقرر: «وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر، فالتمييز بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر». درء تعارض العقل والنقل، 7/424.
فليس من شرط العلم الضروري أن يحسن صاحبه تحريره في العبارة، ولا أن يحيط في الحال بسبب حصوله.
ولهذا قال: «والعلم الحاصل في النفس لا تنضبط أسبابه، ومنه ما يحصل دفعة كالعلم بما أحسه، ومنه ما يحصل شيئا بعد شيء، كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة، والعلم بمدلول القرائن التي لا يمكن التعبير عنها».
فليس من شرط العلم اليقيني أن يستطيع صاحبه دائمًا تحويل أسباب يقينه إلى قياس مصرح بجميع مقدماته.
وهذا التفريق بين العلم نفسه وبين تمثيل الإنسان لعلمه يفسر كذلك إمكان أن يدعي شخص الضرورة في غير محلها من غير أن يكون الضروري نفسه قابلاً للخطأ، فقد يكون الرجل: «صادقاً فيما يخبر به عن نفسه، ولكنه مخطئ، لاشتباه معنى عليه بمعنى آخر، واشتباه لفظ بلفظ»، فيحتاج إلى أن: «يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره». بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
فالخطأ هنا ليس في نفس «ما اضطر إليه من العلم»، وإنما في تعيين متعلقه، أو في نقله إلى قضية أوسع، أو في العبارة التي جعله فيها، أو في اشتباه معنى بمعنى.
ولهذا عد ابن تيمية من أسباب الخطأ:
«عدم التصور التام لطرفي القضية، التي يحصل العلم بالتصديق عند تصور طرفيها». بيان تلبيس الجهمية، 1/57-58.
فقد يضطر الإنسان إلى معنى صحيح، ثم يحمّل القضية معنى زائدًا لم يقع الاضطرار إليه، أو يشتبه عليه جزء ضروري بمجموع مركب ليس كله ضروريًا. ومن هذا الباب قوله في: «الاعتقاد الفاسد، الذي جعله يظن ما ليس بضروري ضرورياً».
فالخلل هنا في ظنه لا في وقوع الضروري نفسه موقع الخطأ؛ ولهذا وصفه الشيخ بعد ذلك بأنه قدّم «دعوى العلم الضروري فيما ليس كذلك». وجعلها: «بمنزلة إنكار الضروري، فيما هو ضروري». بيان تلبيس الجهمية، 1/56-57.
فصل: في أن العلوم الكلية لا تكون كلها قضايا مودعة في النفس ابتداء
والفطرة بما فيها من القوى لا تستلزم أن تكون هناك قضايا قبلية كلية صحيحة مودعة في النفس بالفعل قبل معرفة أفرادها بحيث تقاس إليها الأفراد حتى يحصل العلم.
ولهذا قال ابن تيمية:
«فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها، لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات، فتبقى القضية العامة ثابتة في العقل». شرح العقيدة الأصفهانية، ص 96.
وهذا متصل بأصله في أن الحس يدرك المعين والعقل يدرك الكلي، لكنه يدرك الكلي بعد تعلق العلم بأفراد أو أمثال يحصل منها التجريد، ومن ثم كان في الفطرة قوة العقل ومقتضياته، وكان فيها من العلوم ما يحصل ضرورة، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون جميع القضايا الكلية حاضرة فيها قبل كل تجربة وشعور.
فصل: في تفاوت الناس في إدراك الدلالة
والأولية والبدهية والنظرية تتعلق بحال المعرفة وموضعها من الاستدلال: هل يحتاج العالم بالقضية إلى وسط ودليل، أم يكفيه تمام تصورها ليحكم بها؟
قال شيخ الإسلام:
«فيعود الفرق إلى أن الأوليات ما لا يفتقر إلى دليل، والنظريات ما يفتقر إلى دليل، وهذا كلام صحيح متفق عليه».
الرد على المنطقيين، ص417.
ولهذا لا يلزم أن يكون ما هو بديهي أو نظري وصفًا ثابتًا للقضية بالنسبة إلى كل عارف؛ بل قد يكون تمام تصورها عند شخص كافيًا في حصول الحكم، ويحتاج غيره إلى وسط يبين له ما لم يظهر له ابتداء.
قال:
«من القضايا ما يكون بديهيا أوليا لبعض الناس أو لكلهم، ويكون مجرد تصور طرفي القضية موجبا للحكم».
الرد على المنطقيين، ص427.
وقال:
«قد تكون بديهية لزيد نظرية لعمرو باعتبار تمام التصور». الرد على المنطقيين، ص417.
بل عمم هذا الأصل في الضرورة والقطع والنظر فقال:
«كون العلم ضروريا ونظريا، والاعتقاد قطعيا وظنيا، أمور نسبية؛ فقد يكون الشيء قطعيا عند شخص وفي حال وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول… وقد يكون الشيء ضروريا لشخص وفي حال، ونظريا لشخص آخر وفي حال أخرى». درء تعارض العقل والنقل، 3/303-304.
وقال في العبارة نفسها التي يقرر بها هذا الأصل:
«القضية قد تكون ضرورية لزيد نظرية لعمرو». الرد على المنطقيين، ص417.
فليس اختلاف الناس في ظهور القضية دليلًا على امتناع أن يعلمها بعضهم علمًا ضروريًا؛ وإنما يختلف ذلك باختلاف تمام التصور، وأسباب العلم، وأحوال العارفين.
ولا تعني هذه النسبية عنده نسبية الحقيقة أو الصدق، وإنما هي نسبية حال العالم بالنسبة إلى المعلوم وطريق حصول علمه به: فقد تكون القضية الواحدة صادقة في نفسها، ثم يكون العلم بها ضروريًا لهذا، نظريًا لذاك، ومجهولًا لثالث، بحسب ما حصل لكل منهم من أسباب المعرفة.
وهذا لا ينافي اشتراك الفطرة الإنسانية في أصولها؛ إذ الاشتراك في جنس القوى والمقتضيات لا يستلزم استواء كل فرد في حصول جميع أسباب العلم وتمام التصور في كل حال. ولهذا قال في بعض المعارف الفطرية:
«فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذل له ومحبته، وإن كان ذلك مذكراً ومحركاً، أو مزيلاً للمعارض المانع، لكن المقصود أنه لا يحتاج حصول ذلك في الفطرة إليه مطلقاً».
درء تعارض العقل والنقل، 8/450.
ففي الفطرة نفسها مقتضيات مشتركة، وإن تفاوت الناس فيما يعرض لها من منبهات وموانع وفي مقدار ظهور مقتضاها.
إلا أنه يجعل ظهور بعض الأدلة ظهورًا فطريًا مشتركًا بين كل النوع البشري لاشتراكها في الفطرة العقلية والخلفية:
يقول:«فقر المخلوقات إلى الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له أمر فطري فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات»
ويقول «ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه: مثل كون الاسم يدل على المسمى فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلا على هذا يقتضي تصور المدلول عليه وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصورا لم يعلم أنه دليل عليه» – شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى (1/ 47 – 48)
ولهذا قرر في أصل الخلقة:
«بنو آدم جنس واحد مشتركون في الحد والحقيقة الإنسانية، وقوى إدراكهم وحركاتهم من جنس واحد من هذا الوجه».
بيان تلبيس الجهمية، 5/383.
وجعل ما اشتركت فيه الأمم راجعًا إلى هذا الأصل فقال:
«المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم». الرد على المنطقيين، ص430.
ثم قال: «وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية». الرد على المنطقيين، ص430.
فاشتراك الناس في أصل الفطرة وقوى الإدراك لا يقتضي تساويهم في درجة ظهور كل معلوم لهم؛ كما أن تفاوتهم في العلم لا يقتضي اختلاف الحقيقة التي يعلمونها.
وهنا يظهر وجه تفاوت الناس في البديهي والنظري بصورة أوضح؛ فإن ابن تيمية لا يتصور الدليل كأنه متى وجد في نفسه لزم أن يولد الدرجة نفسها من المعرفة في كل إنسان، بل يعتبر حال الفاعل المعرفي نفسه: خبرته، وفطنته، وعلمه السابق، وتمام تصوره، وقدرته على إدراك الدلالة واللزوم.
قال:
«ومما ينبغي أن يعلم أن الناس تختلف أحوالهم في المعرفة والخبرة والنظر والاستدلال في جميع المعارف، فقد يتفطن الإنسان لدلالة لا يتفطن لها غيره، وقد يتبين له ما يخفى على غيره».
ثم قال: «والمقصود أن العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب كغيرهما من المعلومات قد يكون ضروريًا، وقد يكون نظريًا». الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، 6/494-495.
ومثّل لما قد يصير عند الخبير ضروريًا فقال:
«كالعلم بحمرة الخجل وصفرة الوجل، وعدل العادل وظلم الظالم، ونحو ذلك مما يعرفه الخبير بذلك علمًا ضروريًا».
ثم قرر أصلًا جامعًا في العلاقة بين وجود الدليل وحصول العلم به: «وإذا كان استدلاليًا فالمعرفة بالعلم لا تحصل بمجرد وجود الدليل في نفسه، بل لا بد من معرفة القلب به، والناس متفاوتون في ذلك». الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، 6/494-495.
فوجود الدليل في نفسه شيء، وحصول دلالته في قلب معين شيء آخر. وليس الدليل آلة تعمل في النفوس جميعًا على صورة واحدة بمجرد حضوره؛ بل لا بد أن يدرك العارف وجه دلالته، والناس متفاوتون في ذلك.
ولهذا قال في إدراك اللزوم:
«والأذهان في هذا متفاوتة، فقد يحتاج هذا الذهن في معرفة اللزوم إلى وسط وهو الدليل، والآخر لا يحتاج إليه». الرد على المنطقيين، ص342.
فهذا يفسر قوله السابق إن القضية قد تكون بديهية لزيد نظرية لعمرو: قد يدرك أحدهما اللزوم بمجرد تصور الطرفين، بينما يحتاج الآخر إلى وسط يكشف له ما خفي، لا لأن الحقيقة قد تبدلت بين الشخصين، وإنما لأن الحالة المعرفية للفاعلين مختلفة.
والخبرة من أوضح أمثلة ذلك؛ فإن تكرر المعاينة والمران والعلم بأحوال الشيء قد يجعل الإنسان يلتقط من الدلالات والقرائن ما لا يراه غير الخبير، حتى يصير ما يحتاج غيره فيه إلى تفصيل واستدلال معلومًا له على وجه قريب من الضرورة.
ومن هنا تظهر جهة شبه بين ابن تيمية وبعض مباحث إبستمولوجيا الفضائل (Virtue Epistemology)، ولا سيما ما ارتبط بإرنست سوسا؛ إذ لا يكون النجاح المعرفي مجرد علاقة مجردة بين قضية ودليل قائم خارج الفاعل، بل تدخل فيه كفاءة الفاعل المعرفية وقدرته على إدراك الدلالة.
غير أن بناء ابن تيمية أوسع من اختزاله في مفهوم اصطلاحي واحد للكفاءة؛ فإن تفاوت الفاعلين عنده يرجع إلى جملة من الأمور: الفطرة، وسلامة العقل، وتمام التصور، والخبرة، والعلم السابق، والفطنة، والمران، والقرائن، وأحوال النفس، وما يعرض لها من اعتقاد سابق أو هوى وفساد.
فالحاصل أن النسبية التي يثبتها ابن تيمية في الضروري والنظري لا ترجع إلى المعلوم من حيث صدقه، بل إلى حال العارف وطريق العلم؛ ولذلك أمكن أن يجمع بلا تناقض بين أصلين: فطرة إنسانية مشتركة وقوى إدراك من جنس واحد، وتفاوت فعلي واسع بين الأشخاص في ظهور المعلومات وإدراك الدلالات واحتياج بعضهم إلى الوسائط التي يستغني عنها بعضهم الآخر.
فصل: في مسألة الدليل المنسي Forgotten Evidence
ويظهر أثر هذا البناء في مسألة معاصرة مشهورة، هي مسألة الدليل المنسي (Forgotten Evidence).
أما مسألة Forgotten Evidence الحديثة فصورتها مختلفة:
أن يحصل للإنسان في زمن سابق علم بقضية بسبب دليل معلوم، ثم يبقى بعد سنين عالمًا بالقضية أو معتقدًا بها، مع أنه لم يعد يستحضر الدليل الأول الذي حصل به علمه.
فالمنسي هنا سبب العلم أو دليله التاريخي، لا نفس المعلوم.
يقول شيخ الإسلام في شرح الأصبهانية:
أن الإنسان قد «يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها».
فالمعلوم باق، وأسباب تكوينه ليست جميعها حاضرة في الوعي.
وهذا من المواضع التي تظهر فيها قوة الخارجانية والموثوقية في مقابل الصور الشديدة من الداخلانية؛ فإن كان بقاء الوضع المعرفي مشروطًا باستحضار الدليل الأول دائمًا، لزم إسقاط أعداد عظيمة من معتقدات الإنسان التي حفظها بذاكرته ولم يعد حاضرًا عنده تاريخ تعلمها.
أما إذا كان للتاريخ المعرفي الصحيح للاعتقاد، ولعملية حفظه في الذاكرة، أثر في وضعه الراهن، أمكن تفسير هذا البقاء.
فابن تيمية أن بناؤه لا يساوي بين بقاء العلم وبين حضور جميع أسبابه في التأمل الراهن.
وقد يقع هنا اشتباه بسبب نص لابن تيمية في الرد على المنطقيين، ذكر فيه رجلًا علم أن هذه الدابة بغلة، وكان يعلم أن البغال لا تحمل، ثم غاب هذا العلم عنه، فقال:
«وإن كان يعلم أن هذه بغلة وقد علم قديمًا أن البغلة لا تحمل لكن عزب هذا العلم عن ذهنه في هذا الوقت ونسيه فهذا قد نسي علمه، والنسيان من أضداد العلم». وهذا حق، لكنه ليس هو محل الإشكال الحديث.
فالرجل في هذا المثال قد نسي نفس المعلومة: «البغلة لا تحمل». فلا يقال في الوقت نفسه إنه يعلم هذه القضية وأنه نسيها لكن قد يتذكرها وينسى أسباب علمه المتواترة بأن البغلة لا تحمل ومع ذلك فهو جازم بذلك ولا إشكال.
فصل: في انتزاع المعقول من المحسوس، والقدر المشترك
وإذا تقرر أن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست كلها مغروزة في النفس بالفعل، بقي أن يقال: فمن أين يحصل للعقل علمه بالكليات؟ وكيف ينتقل من الموجود المعين إلى الحكم العام؟ وكيف يحكم على ما لم يشهده بما عرفه فيما شهده؟
وههنا يظهر أصل دقيق في كلام شيخ الإسلام، يجمع الحس والعقل والفطرة في بنية واحدة، ويكشف في الوقت نفسه أصل اعتراضه على الفصل الفلسفي بين «حكم العقل» و«حكم الوهم».
فليس للإنسان عنده عقلًا يستخرج علم الموجودات الخارجية من كليات قائمة فيه قبل الحس، ولا حسًا سلبيًا تتراكم فيه الجزئيات ثم تنشأ المعرفة العامة من مجرد اجتماعها؛ بل الحس يدرك الموجود المعين، والعقل الفطري يعتبر المعينات بعضها ببعض، ويجمع ويفرق، وينتزع القدر المشترك، ثم يحكم حكمًا عامًا يتجاوز به ما وقع عليه الحس بالفعل بموجب كيفية عمله الفطرية الموجهة نحو فهم وإدراك الحقائق.
ولهذا قال: «فأما أن العقلَ الذي هو عقلُ الأمور العامَّة التي أفرادُها موجودةٌ في الخارج يحصلُ بغير حِسٍّ، فهذا لا يتصوَّر، وإذا رجع الإنسانُ إلى نفسه وجد ذلك» فالإنسان إذا رجع إلى نفسه وجد أن كل المعاني التي تشكل موضوع تفكيره لها أساس حسي وهي قدر مشترك بين أفراد أو إشارات واستعمالات لغوية تعلمها من أهله في صغره، راجع: [مقدمة في فلسفة اللغة عند شيخ الإسلام ابن تيمية]
ثم ميز بين مجرد المعقول الذهني والعلم المطابق للخارج فقال: «فأما العلمُ بمطابقة ذلك المقدَّر للموجود في الخارج، والعلمُ بالحقائق الخارجية، فلا بدَّ فيه من الحِسِّ الباطن أو الظاهر».
ثم جمع الحس والعقل في فعل معرفي واحد فقال: «فإذا اجتمع الحسُّ والعقلُ كاجتماع البصر والعقل، أمكن أن يدرك الحقائقَ الموجودةَ المعيَّنة ويَعْقِلَ حكمَها العامَّ الذي يندرجُ فيه أمثالها وأضدادُها، ويعلمَ الجمعَ والفَرْق. وهذا هو اعتبارُ العقل وقياسُه». الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم نقض المنطق، ص 333.
فهذه العبارة ترسم ترتيب المعرفة عنده: إدراك للمعين، ثم اعتبار عقلي، ثم جمع وفرق، ثم حكم عام.
ولهذا قال عقبها:
«وإذا انفرد الإحساسُ الباطنُ أو الظاهر أدرك وجودَ الموجود المعيَّن، وإذا انفرد المعقولُ المجرَّدُ عَلِمَ الكلياتِ المقدَّرة فيه التي قد يكونُ لها وجودٌ في الخارج وقد لا يكون، ولا يعلمُ وجود أعيانها وعدم وجود أعيانها إلا بإحساسٍ باطنٍ أو ظاهر». الانتصار لأهل الأثر، ص 333.
فالذهن يستطيع أن يقدر كليات، لكن مجرد إمكان تقديرها لا يعلم به أنها مطابقة للوجود الخارجي؛ ولهذا مثل بالعدد ثم قال:
«فالمعدوداتُ لا تُدْرَكُ إلا بالحِس، والعددُ المجرَّد يُعْقَلُ بالقلب، وبعقلِ القلب والحِسِّ يُعْلَمُ العددُ والمعدودُ جميعًا». الانتصار لأهل الأثر، ص 334.
فالحس والعقل ليسا طريقين متنافسين إلى العالم؛ بل الحس هو الطريق إلى الأعيان، والعقل يعمل فيما أدركه الحس بما له من قوة الاعتبار والتجريد والجمع والفرق.
ولهذا قرر المعنى نفسه بأصرح عبارة فقال: «إن العقل تابع للحس، فإذا أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها قدرًا مشتركًا كليًّا، فالكليات تقع في النفس بعد معرفة الجزئيات المعينة، فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات».
ثم قال: «وهذه خاصة العقل؛ فإن خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزئيات». مجموع الفتاوى، 9/238.
وهذا هو بعينه معنى قوله:
«فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها، لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات، فتبقى القضية العامة ثابتة في العقل». شرح العقيدة الأصفهانية، ص 96.
فقوله: «يجرد العقل الكليات» يضع كل قوة في موضعها: الحس لا ينتج بنفسه قضية كلية، والعقل لا يعرف بمجرد التجريد أن ما قدره موجود في الأعيان؛ وإنما تقع المعرفة المطابقة للخارج من اجتماع المعين المحسوس وفعل العقل فيه.
حتى أن شيخ الإسلام يذهب في هذا الأصل إلى أبعد من القول بأن بعض الكليات مستفادة من الحس؛ فإنه يقرر في بيان تلبيس الجهمية أن قيام القضية الكلية في النفس يتوسطه جنس من الاعتبار والقياس على ما وقع عليه الحس، حتى في جملة من أوضح القضايا العقلية.
فتجده يقول: «وبكل حال فلا يقوم بنفسه قضية كلية عقلية ضرورية أو غير ضرورية إلا بتوسط قياس واعتبار، حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم لا يكون في مكانين، وأن الضدين لا يجتمعان؛ هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة، وعقل أن ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك، وأن الحكم لا يفترق واحد وواحد، وجسم وجسم، ولون ولون، وضد وضد، يحكم بذلك حكماً عاماً كلياً».
بيان تلبيس الجهمية، 4/621.
وتحريره هنا شديد الدلالة؛ فإنه لا يمثل بقضايا تجريبية بعدية باتفاق فحسب، بل بـ«الواحد نصف الاثنين» وامتناع كون الجسم في مكانين وامتناع اجتماع الضدين، ثم يصف الطريق المعرفي فيها بأنه إدراك لبعض الجزئيات ثم اعتبار ما لم يحسه الإنسان بما أحسه في جهة الحكم.
فليس الحس هو الذي أدرك «كل جسم» – بمعنى المعين القائم بذاته – أو «كل ضدين»، وإنما الحس وقع على الجزئيات، والعقل أدرك أن الحكم لا يختلف باختلاف الأفراد من الجهة التي تعلق بها، فصار حكمه كليًا.
وهذا أيضًا هو معنى قوله في التجربة: «فإن التجربة إنما دلت على أشياء معينة لم تدل على أمر عام، لكن العقل يعلم أن المناط هو القدر المشترك». الرد على المنطقيين، ص 367.
ولهذا قال:
«فكان ذكر الأصل في القياس العقلي لتنبيه العقل على المشترك الكلي المستلزم للحكم، لا لأن مجرد ثبوت الحكم في صورة يوجب ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم». الرد على المنطقيين، ص 367.
فليست كل مشابهة مبيحة للتعميم، وإنما يكون الاعتبار صحيحًا إذا كان الحكم تابعًا للقدر الجامع.
ومن هنا يتبين أن مجرد استقراء أفراد كثيرة ليس هو بنفسه منشئًا للكلية من حيث هي كلية؛ إذ الأفراد التي دخلت تحت الحس تبقى أفرادًا معينة، وإنما الانتقال منها إلى العام يقع بما للعقل من إدراك الجامع والمناط وهذه تارة تكون بقوة فطرية فيه أو بنظر واعتبار وتنقيح. راجع [مهمات في منهج العلم التجريبي من كلام ابن تيمية وابن القيم]
ومن ثم لا يصح حصر اليقين فيما صيغ على هيئة قياس منطقي مخصوص، ولا جعل كل ما حصل من تجربة أو استقراء دون رتبة الضرورة لمجرد أن طريقه بدأ بالجزئيات؛ فإن السؤال عند ابن تيمية ليس عن الطريق، بل عما انتهت إليه النفس من العلم، وعن قوة الموجب الذي عرف به العقل أن الحكم متعلق بالقدر المشترك لا بخصوص الفرد.
فقد يكون الإدراك حسيًا في بدايته، ثم ينتهي العقل إلى حكم عام لازم لا يستطيع دفعه، كما قد يبدأ النظر من مقدمات مجردة وينتهي إلى باطل؛ فالرتبة المعرفية لا تستفاد من مجرد كون الطريق استقراء أو تجريدًا أو قياسًا، بل من حقيقة العلم وموجبه.
ومن هنا يتبين موضع «الحد الأوسط» في القياس نفسه؛ فإن الحد الأوسط عند المنطقي لا يزيد من جهة مادته على أن يكون ذلك المعنى المشترك الذي بسببه اتصل الأصغر بالأكبر.
يبين ذلك قول الشيخ «فإن القدر المشترك بين الأفراد في قياس الشمول الذي يسميه المنطقيون الحد الأوسط هو القدر المشترك في قياس التمثيل الذي يسميه الأصوليون الجامع، والمناط، والعلة… والمشترك». مجموع الفتاوى، 19/17. وقال: «والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطًا وجامعًا ومشتركًا وصفًا ومقتضيًا ونحو ذلك من العبارات». الرد على المنطقيين، ص 116.
فلو لم يكن العقل قادرًا على إدراك المعنى المشترك بين الأفراد، لما أمكن أصلًا أن يقوم حد أوسط، ولا أن توجد قضية كلية تصلح مادة للبرهان.
ولهذا كان قياس التمثيل وقياس الشمول عنده راجعين من هذه الجهة إلى أصل واحد: إدراك الاشتراك الذي يتعلق به الحكم.
ومن هنا أيضًا يثبت إمكان قياس الغائب على الشاهد. فإن الإنسان لا يحس جميع أفراد الجنس الذي يحكم عليه، ومع ذلك قال:
«لا ريب أن الإنسان لم يحس جميع أعيانه وأفراده، وإنما يعلم غائبها بالقياس على شاهدها، فهذا أصل متفق عليه بين العقلاء». بيان تلبيس الجهمية، 2/327.
فالعقل لا يبقى محصورًا فيما باشرته الحاسة؛ بل يعتبر الغائب بما شهده، ويعمم الحكم حيث علم اتحاد المناط.
ولهذا قال: «المنطقيين وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزمًا للحكم». مجموع الفتاوى، 9/118. فقوله: «إذا كان المشترك مستلزمًا للحكم» هو قيد الباب كله.
ويضرب لذلك أمثلة فيقول:
«فإذا قيل: الإحكام والإتقان يدل على علم الفاعل شاهدًا فكذلك غائبًا، أو قيل: علة كون العالم عالمًا قيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب، أو قيل: الحياة شرط في العلم شاهدًا فكذلك غائبًا… فهذه الجوامع الأربعة التي تذكرها الصفاتية من الجمع بين الغائب والشاهد في الصفات: الحد والدليل والعلة والشرط».
ثم يصف ما يقع في المعرفة نفسها:
«فذكر الشاهد حتى يمثل القلب صورة معينة، ثم يعلم بالعقل عموم الحكم، وهو أن الإحكام والإتقان مستلزم لعلم الفاعل». الرد على المنطقيين، ص 367.
فالمعين المحسوس ينبه العقل إلى المعنى الكلي، والعقل يعلم عمومه بقدر ما يعلم لزوم الحكم للجامع.
وعلى هذا بنى حجته على المتكلمين أنفسهم؛ فقال بعد النص المتقدم في تكون القضية الكلية:
«وإذا كان كذلك لم يكن له حجة عقلية في العلم الإلهي أصلاً إلا ولا بد فيها من قضية كلية، والقضية الكلية لا بد فيها من قياس الغائب على الشاهد، فإن كان هذا باطلاً بطل جميع كلامهم بالأدلة العقلية في العلم الإلهي». بيان تلبيس الجهمية، 4/621.
فالطعن في قياس الغائب على الشاهد من حيث هو انتقال من المحسوس إلى غير المحسوس يطعن في نفس الأدلة العقلية التي يستعملها الطاعن؛ لأن القضية الكلية التي يريد بها إثبات الغائب لم تنشأ له معزولة عن هذا الجنس من الاعتبار.
لكن هذا لا يعني أن الغائب نسخة من الشاهد، ولا أن كل كيفية شهدها الإنسان في فرد يلزم إثباتها لكل ما اشترك معه في اسم أو معنى، قال: «لا ريب أن قياس الغائب على الشاهد يكون تارة حقًّا وتارة باطلًا». ثم قال: «فإنهم متفقون على أن الإنسان ليس له أن يجعل كل ما لم يحسه مماثلًا لما أحسه». بيان تلبيس الجهمية، 2/326.
وقال: «لا يقول عاقل إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك». بيان تلبيس الجهمية، 4/476.
ومثل ذلك الفرق بين الاشتراك في المعنى والاشتراك في الكيفية.
فإذا قيل عن اثنين إنهما موجودان أو حيان أو عالمان، لم يلزم أن يكون في الخارج شيء واحد مشترك قائم فيهما، ولا أن كيفية الصفة في أحدهما هي كيفيتها في الآخر. «المعنى المطلق يوجد فيه لا بشرط الإطلاق، والمشترك يوجد فيه لا بشرط الاشتراك، بل مع تقييد وتخصيص» و «هذا القدر المشترك… ليس داخلًا في حقيقة أحدهما الخارجة الموجودة أصلًا مشتركًا». جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية، ص 132.
فالكلي من حيث هو كلي في العقل، وأما الخارج ففيه أعيان متعينة، في كل واحد منها ما يطابق ذلك المعنى العام بحسب خصوص حقيقته، ولهذا قال: «فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف». شرح حديث النزول، ص 11.
فالمعنى معلوم، والكيفية تتبع حقيقة الفرد.
وبهذا يثبت إمكان الاستدلال من الشاهد إلى الغائب في القدر المعنوي المشترك، من غير أن يلزم نقل الخصائص والكيفيات التي اختص بها الشاهد، لكن هذا له لوازم كبيرة فإن من اخترع معان ليست مبنية على أي عملية معرفية فطرية موثوقة ترجع للاستعمال الصحيح للعقل المبني على اللغة المأخوذة من الحس المشتركة بين العقلاء فإنه سيصل إلى نتائج فارغة من المعنى ومجرد تصورات ذهنية مجردة ومفرغة عن معانيها الحسية والاستعمالية وسينزلها على الواقع وهذا ما نقد به شيخ الإسلام الفلاسفة وابن سينا مثالًا:
ففي نقده لـ «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد». فهذه قضية كلية يريدون إدخال واجب الوجود تحتها، فيسأل أولًا عن منشأ العلم بها: فإن كانت مستفادة من الآحاد والاعتبار ناقض ذلك دعوى بداهتها، وإن قيل إنها بديهية، فالكليات المطابقة للخارج لا تكون مغروزة ابتداء قبل معرفة المعينات التي يجرد العقل منها كلياته. ثم يقول: «ثم إذا تصور مفردات هذه القضية علم يقينًا أنه ليس عنده منها علم، بل علم أن الواقع خلافها» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص96).
ثم يمتحن مفردات القضية نفسها. فما هذا «الواحد»؟ إن أريد به ما لا يعلم فيه أمران ليس أحدهما الآخر، فلا وجود له بهذا الاعتبار في الخارج؛ إذ الموجود المعين يعرف بصفات ومعانٍ متعددة. فإذا لم يكن هذا «الواحد» منتزعًا من موجودات معلومة، كان مجرد تصور ذهني لا يطابق الخارج. ثم ينتقل إلى الطرف الآخر فيقول: «ثم إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في الخارج قيل لمن قال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد: ما معنى الصدور؟» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص98).
والصدور عندهم ليس الفعل المعروف الصادر عن فاعل بمشيئته، وإنما لزوم شيء منفصل عن غيره لذاته، فيقول: «ونحن لا نتصور في الموجودات شيئًا صدر عنه وحده شيء منفصل عنه كان لازمًا له بهذا الوجه»، ثم يحكم: «فهذا الصدور الذي ذكرته غير معروف» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص99). ومن ثم يسأل عن أصل تكوين القضية الكلية: «فإذا لم يتصور هذا الصدور ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية فمن أين تعلم هذه القضية الكلية؟» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص99).
فليس مجرد انتظام الألفاظ كافيًا في حصول معنى معلوم مطابق للخارج، بل لا بد لمفردات القضية من طريق معرفي يمكن به تصورها ومعرفة ما تحكيه. فإذا لم يوجد في الخارج «الواحد» على الوجه المفروض، ولا صورة معينة يعرف منها ذلك «الصدور»، لم يبق للكلي الذي بني عليهما أصل معرفي محصل. ولهذا قال: «فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه أمر لا يعقل في الخارج أصلًا فضلًا عن أن يكون قضية كلية عامة» (شرح العقيدة الأصفهانية، ص99).
فالمشكلة إذن ليست في صدق القضية السينوية فحسب، بل قبل ذلك في تكوّن معناها الكلي: من أي معين عرف «الواحد»؟ ومن أي صورة عرف هذا «الصدور»؟ وكيف انتقل العقل منهما إلى الحكم العام؟ فإذا انقطع هذا الطريق، بقي تركيب ذهني يمكن التلفظ به، من غير أن يثبت لصاحبه العلم بمعنى مطابق للخارج.
فصل: في الفطرة بوصفها بنية مولدة للمعرفة لا مجرد مخزن للمعلومات
فالعقل الذي ينتزع المشترك ويجمع ويفرق ويعتبر الغائب بالشاهد ليس صناعة منطقية مكتسبة من خارج خلقة الإنسان.
قال شيخ الإسلام:
«والفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعليم، والناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة: التداخل والتلازم والتقسيم». مجموع الفتاوى، 9/218.
فصناعة المنطق تصف بعض صور فعل العقل، لكنها لا تنشئ أصل قدرته على القياس، والفطرة عنده ليست محايدة ابتداء بين جميع النتائج، قال: «فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع». درء تعارض العقل والنقل، 8/458.
وقبلها قال في الإنسان إذا عرض عليه الصدق النافع والكذب الضار: «مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع».
فالمعرفة الخارجية تبدأ من اتصال الإنسان بالعالم، لكن الذي يتلقى هذا العالم ليس صفحة بيضاء لا جهة لها؛ بل فطرة عاقلة ذات قوى ومقتضيات.
ومن هنا لا ينبغي تصوير الفطرة عند ابن تيمية على أنها مخزن لمجموعة من القضايا السابقة فحسب؛ بل هي بنية مولدة للمعرفة: بها يقع الإدراك، وبها يعتبر العقل الجزئيات، ويجمع ويفرق، وينتزع المشترك، ويتصور القياس الصحيح، ثم ينتقل من الشاهد إلى الغائب بقدر الجامع.
فالقضية الفطرية لا يلزم أن تكون حاضرة بالفعل منذ بداية الخلقة، ومع ذلك يكون الطريق الذي يحصل به العلم نفسه فطريًا.
فالقوة السابقة على التجربة ليست قائمة بدور التجربة، والتجربة ليست قائمة بدور العقل، بل المجموع يعمل في بنية واحدة: الخارج يعطي المعينات، والحس يدركها، والفطرة العاقلة تعالجها بطريقتها التي خلقت عليها.
ومن هنا أمكن أن يقال: إن المعرفة المتعلقة بالعالم عنده حسية المادة، عقلية الاعتبار والتجريد، فطرية البنية والاتجاه.
فهي حسية المادة من جهة أن: «العلم بالحقائق الخارجية، فلا بد فيه من الحس الباطن أو الظاهر».
وهي عقلية الاعتبار من جهة أن: «إذا أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها قدرًا مشتركًا كليًّا».
وأن: «التجربة إنما دلت على أشياء معينة لم تدل على أمر عام، لكن العقل يعلم أن المناط هو القدر المشترك».
وهي فطرية البنية لأن: «الفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعليم».
وهي فطرية الاتجاه لأن: «في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع».
فليست الفطرة خزانة لجميع القضايا الكلية قبل الحس، وليس الحس منشئًا للكليات وحده بلا توجيه معياري صحيح، ولا النظر الفلسفي هو الذي يمنح العقل قدرته على الانتقال الموثوق من الجزئي إلى العام.
بل الإنسان مفطور على عقل يباشر العالم بالحس، ثم يعتبر ما أدركه، ويعرف الجمع والفرق، وينتزع المشترك، ويتجاوز ما شهده بالفعل إلى ما غاب عنه بقدر ما يعلم من اللزوم.
فصل: في حصول العلم بالجزئي قبل استحضار القانون الكلي
ومن فروع هذا الأصل أن الصياغة النظرية الواعية للعملية المعرفية ليست شرطًا سابقًا في صحة فعل العقل.
قال ابن تيمية في بعض القضايا المعينة:
«هذه القضايا المعينة قد تسبق إلى فطرته قبل أن يستشعر تلك القضايا الكلية».
ويذكر الصبي الذي يعلم في الواقعة أن الكتابة لها كاتب، والبناء له بان، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودًا معدومًا في الوقت نفسه، مع أنه لا يلزم أن يكون قد استحضر قبل ذلك قانونًا كليًا مصوغًا بلفظ المنطقي.
ثم يقول:
«لكن المقصود أن هذا الاستدلال ليس شرطًا في العلم، بل العلم بالمعينات قد يعلم كما تعلم الكليات وأعظم، بل قد يجزم بالمعينات من لا يجزم بالكليات».
درء تعارض العقل والنقل، 3/119-123.
وهذا متصل بما تقدم في الباب الأول من أن الحس يدرك المعين، ثم يعتبر العقل المعينات ويجرد منها القدر المشترك.
فقد ينجح العقل في الحكم على الواقعة قبل أن يملك صاحبه نظريةً في كيفية نجاحه، كما قد يحسن صاحب الصناعة فعلًا لا يستطيع استخراج جميع القوانين الضمنية التي يعمل بها.
وهذا مما يباعد بناء ابن تيمية عن التصورات التي تجعل التمثيل الواعي للقانون المعرفي شرطًا في كل معرفة صحيحة.
الباب الثاني
ترتيب مراتب المعرفة والفضائل المعرفية
تمهيد: في أن النظري لا يستغني عن الضروري
إذا كانت من العلوم ما يحصل بواسطة النظر، فإن النظر نفسه لا يقوم إلا بعلم سابق؛ وإلا احتاج كل دليل إلى دليل قبله إلى غير نهاية، ولم يحصل علم قط.
ولهذا قال شيخ الإسلام: «البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري».
ثم قال: «فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها». درء تعارض العقل والنقل، 3/309، و:«ومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية».
ثم قرر أن القدح في الأصل ينعكس على الفرع: «فإذا بطلت بطلت النظرية». درء تعارض العقل والنقل، 1/183.
فالعلم النظري لا ينشئ لنفسه أساسه من عدم، وإنما يؤلف ويستدل بما علم قبل النظر أو بما ينتهي إليه من العلم الذي لا يفتقر إلى استدلال من جنسه.
ولهذا كان طلب البرهان لكل أصل ممتنعًا؛ إذ البرهان إنما يصح إذا استند في آخر الأمر إلى ما لا ينتظر برهانًا آخر.
وهذا هو بعينه وجه قوله: «لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات». درء تعارض العقل والنقل، 6/14.
فإن النظر لا يخرج عن أن يكون قائمًا على مقدمات أولية أو منتهيًا إليها، فإذا عاد النظر فطعن في جنس ما به صح النظر، عاد طعنه عليه.
ولهذا كان من العلم النظري ما يكون في غاية القوة واليقين، من غير أن يخرج بذلك عن كونه نظريًا؛ فإنه قد يكون من: «أمور نظرية، مستندة إلى بديهية». بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
فالفرق ليس بين يقين وغير يقين من كل وجه، وإنما بين ما حصل بلا توسط نظر وما حصل به، وإن كان الثاني مستندًا إلى الأول ومكتسبًا منه قوته.
ومتى كان النظري مبنيًا على الضروري، كان من قلب مراتب العلم أن يعارض ما هو أقوى في الفطرة بما هو أضعف وأخفى.
قال شيخ الإسلام:
«وتلك المقدمات أضعف في الفطرة من هذه المقدمات، فكيف يدفع الأقوى بالأضعف؟». درء تعارض العقل والنقل، 6/18.
وقال: «هذه القضية معلومة بينة بنفسها فطرية ضرورية، وأما كونها مستلزمة… فهذا ليس بينا ولا معلوما».
ثم قال: «فالاحتجاج على بطلان هذه المقدمة ببطلان هذا اللازم الذي هو أخفى منها عكس الواجب». بيان تلبيس الجهمية، 1/393-394.
فليس مجرد بناء سلسلة أطول من الاستدلالات موجبًا لتقديمها على ما هو أظهر؛ بل العمدة في المعرفة على البيان والقوة والظهور، وإذا كان بعض المقدمات أظهر من اللازم الذي عورضت به كان التوقف في الملازمة أو الاستدلال أولى من رد الأصل الأبين.
ومن هنا يفهم تكرار شيخ الإسلام للرجوع إلى صريح العقل والفطرة السليمة؛ فإنه يرد النظر المركب إلى أصوله: فإن كان ما انتهى إليه يناقض ما لا يقوم النظر إلا به، كان الخلل في النظر أسبق.
والضرورات بهذا الاعتبار هي أصل النظر ومنتهاه؛ فإن: «كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري». و: «لا بد من علوم بديهية أولية». و: «غاية البرهان أن ينتهي إليها». درء تعارض العقل والنقل، 3/309.
فالبرهان لا ينشئ صدق الضروري ولا كذبه، وإنما يستند إليه؛ ولذلك كان من العلم ما: «لا يتوقف على النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان، بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي يبنى عليها البرهان». درء تعارض العقل والنقل، 3/317.
وهذا معنى بالغ الأهمية في تصور ابن تيمية للضرورة؛ فإن الضروري ليس مجرد اعتقاد أول في ترتيب زمني، ثم يؤتى بعد ذلك ببرهان يزكيه من خارج، بل هو مما يقوم به إمكان البرهان نفسه، ولهذا كان تجويز الخطأ في نفس الضرورات هدماً للمعرفة من أصلها؛ فإنه قال:
«إذا جوز أن يكون الناس كلهم مخطئين فيما يجدونه في قلوبهم من هذه المعرفة والقصد الضروريين كان القدح في سائر العلوم الضرورية أولى».
ثم قال: «يبطل جميع ما يقوله المتكلمون من القدح في هذا والانتصار لضده إذ غايتهم أن يبنوا ذلك على مقدمات ضرورية». بيان تلبيس الجهمية، 4/599.
فمن أجاز الخطأ في نفس ما تقوم عليه صناعة النظر لم يعد في يده نظر يمكن أن يحتج به؛ لأن غايته في الاحتجاج أن يرجع إلى جنس ما طعن فيه.
ولهذا قال في عبارة جامعة: «لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات». درء تعارض العقل والنقل، 6/14. إذ النظر فرع عنها، فلا يصح أن يجعل الفرع حاكمًا على أصله.
ولا ينافي هذا أن يكون العلم القوي الجازم نظريًا من جهة طريق حصوله؛ فقد تكون هناك: «أمور نظرية، مستندة إلى بديهية». فيحصل بها علم قوي ويقين جازم، ويبقى العلم مع ذلك نظريًا من جهة طريق حصوله، لا بديهيًا في نفسه. بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
فالبحث هنا ليس في قوة التصديق وحدها، بل في جهة حصوله: أوقع ابتداء ولزم النفس من غير توسط نظر؟ أم حصل بواسطة مقدمات استندت في آخرها إلى بديهيات؟
فصل: في الدور الواقع في إبطال حكم الفطرة بالنظرية
وإذا كانت النظرية لا تثبت إلا بعد التسليم بمقدمات ينازع الحكم الفطري في صحتها، لم يجز أن تجعل النظرية نفسها دليلاً على فساد الحكم الذي لا تثبت إلا بعد إبطاله.
قال شيخ الإسلام:
«إبطال حكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال، موقوف على ثبوت هذه العقليات، وثبوتها موقوف على إبطال هذا الحكم… كان هذا من الدور الممتنع». درء تعارض العقل والنقل، 6/16-17.
وقال: «هذا هو رأس المسألة وأول النزاع، فإذا جعلت هذا حجة في إثبات مطلوبك فقد صادرت على المطلوب». درء تعارض العقل والنقل، 6/90.
وقال في منهاج السنة: «إنما يثبت أن هذا الحكم باطل إذا ثبت وجود موجود لا يمكن أن يرى ويحس به، وأنت لم تثبت هذا الموجود إلا بدعواك أن هذا الحكم باطل… فصار حقيقة قولك دعوى مجردة بلا دليل». منهاج السنة، 2/150.
فالنسق هنا لا يكتشف فساد الفطرة بدليل مستقل؛ بل يجعل النتيجة التي يريد الوصول إليها جزءًا من المعايير التي يحاكم الفطرة بها.
وهذا هو أشد ما يعترض عليه ابن تيمية في هذا الباب: أن تتولد النظرية من بعض قوى المعرفة، ثم تستقل عن أصولها، ثم تعود فتشرع لنفسها أي المخرجات الأولية تقبل وأيها يسمى وهمًا.
ويزداد هذا الدور وضوحًا بعد ما تقدم من أن نفس القضية الكلية التي يحتج بها الناظر على الغائب إنما تقوم في الإنسان بالاعتبار والقياس؛ فإذا جعل كل انتقال من الشاهد إلى الغائب موضع اتهام، عاد طعنه إلى المادة التي أقام بها النظر نفسه.
فصل: في فساد جعل الفطرة الضرورية ذات حاكمين بديهيين أحدهما يبطل الآخر
وقد التزم بعض خصومه أن في النفس أحكامًا بديهية قوية ثم زعم أنها باطلة، وأن العقل النظري يكشف خطأها.
فقال شيخ الإسلام: «إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهيان، أحدهما مقبول والآخر مردود، كان هذا قدحا في مبادئ العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهية». درء تعارض العقل والنقل، 6/15.
وقال في منهاج السنة:
«إذا جوزت أن يكون في الفطرة حاكمان بديهيان: أحدهما حكمه باطل والآخر حكمه حق، لم يوثق بشيء من حكم الفطرة، حتى يعلم أن ذلك من حكم الحاكم الحق».
ثم يلزم أن يكون التمييز بينهما بمعيار؛ فإن كان المعيار بديهيًا عاد السؤال في صدقه، وإن كان نظريًا كان النظري مؤلفًا من البديهيات التي وقع الشك في جنسها.
ولهذا قال: «فلا يعرف الحق حتى يعرف الباطل، ولا يعرف الباطل حتى يعرف الحق، فلا يعرف الحق بحال». منهاج السنة، 2/151.
فهذه حجة ارتدادية: من جعل أصل التمييز المعرفي نفسه مشكوكًا فيه لم يبق معه ما يصلح لتمييز الصحيح من الفاسد، لأن كل آلة سيستعملها قد دخلت في الشك الأول.
ويؤكد هذا قوله: «إذا جوز أن يكون الناس كلهم مخطئين فيما يجدونه في قلوبهم من هذه المعرفة والقصد الضروريين كان القدح في سائر العلوم الضرورية أولى».
ثم قوله: «يبطل جميع ما يقوله المتكلمون من القدح في هذا والانتصار لضده إذ غايتهم أن يبنوا ذلك على مقدمات ضرورية». بيان تلبيس الجهمية، 4/599.
فالقضية عنده ليست دفاعًا دائريًا عن كل ما يسمى فطريًا، وإنما بيان أن الطعن في جنس الضرورات بعد تحققها يزيل المادة التي لا يقوم النظر إلا بها.
فصل: في الشبهة والناقض المعرفي، وأن مجرد ورود الشبهة لا يسقط العلم
والعلم لا يتوقف عند ابن تيمية على نفي كل ما يمكن للذهن أو الخيال أن يفرضه من المعارضات؛ فإن مجرد إمكان الشك أو حضور الشبهة شيء، وقيام موجب معرفي حقيقي يقدح في العلم شيء آخر.
قال شيخ الإسلام: «كل مقدمة ضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يقدح فيها، والاستدلال بها لا يتوقف على ذلك». درء تعارض العقل والنقل، 6/343.
ثم قال: «القضايا اليقينية، سواء كانت ضرورية أو نظرية، لا يتوقف العلم بموجبها على نفي المعارض، ولو توقف على ذلك لم يعلم أحد شيئا؛ لأن ما يخطر بالقلوب من الشبهات المعارضة لا نهاية له». درء تعارض العقل والنقل، 6/343.
فإمكان تركيب احتمال مخالف في الذهن ليس بنفسه سببًا معرفيًا يوجب إسقاط العلم؛ وإلا أمكن توليد الاحتمالات بلا نهاية، ولم يستقر للإنسان علم بشيء.
ومن هنا يظهر وجه الصلة بمبحث النواقض المعرفية (Defeaters) في نظرية المعرفة المعاصرة؛ إذ يفرق عادة بين ناقض يقدم سببًا للاعتقاد بنقيض المعلوم (rebutting defeater)، وناقض لا يثبت النقيض مباشرة، لكنه يقدح في الطريق أو الصلة التي أنتجت الاعتقاد (undercutting defeater) وموضع الشبه أن مجرد حضور المعارض الممكن لا يساوي عنده قيام سبب يقدح في المعرفة.
فلو علم الإنسان مثلًا أن آلة إدراكه قد اختلت، كأن أصاب عينه حول، أو تغير ذوقه لمرض، كان هذا سببًا خاصًا يقدح في الطريق الذي صدر عنه الإدراك في تلك الحال؛ ولذلك قال في غلط الحس والعقل إن:
«هذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة، كالمرة الصفراء العارضة للطعم، وكالحول في العين، ونحو ذلك». الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم نقض المنطق، ص45.
وكذلك لو تبين أن الخبر الذي اعتمد عليه الإنسان صدر ممن ثبت كذبه أو اختلال ضبطه، أمكن أن يكون ذلك قادحًا في طريق العلم. أما مجرد أن يستطيع الذهن أن يقول: «لعل الأمر على خلاف ما أراه» فليس هذا وحده في منزلة السبب المعرفي القادح، وهذا قريب من بعض ما يقرره فتجنشتاين في كتابه في اليقين في قوله:
«ما أحتاج إلى إظهاره هو أن الشك ليس ضروريًا حتى عندما يكون ممكنًا. إن إمكان قيام اللعبة اللغوية لا يعتمد على الشك في كل ما يمكن أن يكون موضع شك. ويرتبط هذا بدور التناقض في الرياضيات.»
ولهذا فرق ابن تيمية بين نفس العلوم الضرورية وبين ما قد يعرض لها من وسواس، فقال:
«تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية». درء تعارض العقل والنقل، 3/310.
لكن علاج هذه الشبهات لا يكون بإقامة برهان أسبق من الضروري نفسه؛ لأن البرهان إنما يستمد قوته في آخر الأمر من جنس تلك الضروريات. قال: «الشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان؛ لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث». درء تعارض العقل والنقل، 3/310.
وقال: «فالوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تزال بالبرهان، بل متى فكر العبد ونظر ازداد ورودها على قلبه». درء تعارض العقل والنقل، 3/311.
ويقول: «وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الأحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ونحو ذلك.» الرد على المنطقيين
وضرب لذلك مثال الإنسان الذي يعلم أنه نوى أو غسل ثم يعرض له الشك بعد ذلك، فقال:
«وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني أولي لا يتوقف على النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان، بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي يبنى عليها البرهان». درء تعارض العقل والنقل، 3/317.
فتولد الشك في النفس لا يساوي زوال العلم منها، كما أن الشعور النفسي بالارتياب لا يثبت بنفسه وجود قادح معرفي في الطريق الذي حصل به العلم.
وهنا يظهر أيضًا الفرق الذي تقدم بين وجود العلم في النفس والعلم بوجوده فيها؛ فقد يكون أصل العلم قائمًا، ثم يعرض للإنسان اضطراب أو وسوسة في وصف حاله أو في تيقنه الانعكاسي من كونه عالمًا، ولا يلزم من ذلك أن نفس المعلوم الأول قد زال.
ويضاف إلى هذا أن ابن تيمية لا يجعل كل ما يبدو ناقضًا ناقضًا لنفس الضروري؛ فقد يكون التعارض المتوهم ناشئًا من عدم تمام تصور طرفي القضية، أو سوء تعيين متعلق الضرورة، أو اشتباه ما اضطر إليه الإنسان من العلم بقضية أوسع منه.
فقد قال في بيان هذا النوع من الخطأ:
«يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره». بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
وقال في سبب آخر من أسباب الخطأ:
«عدم التصور التام لطرفي القضية، التي يحصل العلم بالتصديق عند تصور طرفيها». بيان تلبيس الجهمية، 1/57-58.
فتحرير محل النزاع سابق على دعوى وجود تعارض حقيقي بين معرفتين؛ إذ قد يكون العلم الضروري باقيا على حاله، وإنما وقع الخطأ في تعيينه أو توسيع مدلوله أو تمثيله في قضية لم يقع الاضطرار إلى جميع أجزائها.
وعلى هذا فالشبهة عند ابن تيمية ليست ناقضًا لمجرد كونها شبهة، والاحتمال ليس قادحًا لمجرد إمكان تصوره؛ وإنما الاعتبار بوجود سبب معرفي حقيقي يمس الطريق أو المعلوم. أما الاحتمالات السوفسطائية التي لا تنتهي، فلا يصح جعل مجرد ورودها شرطًا في تعليق العلم؛ وإلا «لم يعلم أحد شيئا».
فصل: في أن الضروري نهاية المناظرة، وأن جحده انتقال إلى السفسطة
إذا انتهى النظر إلى «مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية» انتهى إلى ما يقوم عليه البرهان نفسه؛ ولهذا كان جحد الضروريات انتقالًا إلى جنس آخر من النزاع.
قال: «من أنكر الحقائق المعلومة للناس علمًا ضروريًا فهو سوفسطائي»، وبيّن أن ذلك قد يكون «إما جهلًا وإما عمدًا»، وأنه «ليس من شرط السفسطة أن يتعمد الكذب». الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، 1/455.
ولهذا قال أيضًا: «كثير من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية، والمعارف الفطرية، في الحسيات والحسابيات، وكذلك في الإلهيات». درء تعارض العقل والنقل، 7/404.
وقد يكون منشأ ذلك فساد الإدراك نفسه؛ فقال: «فتكون الآفة من إدراكه لا من المدرك، كالأحول الذي يرى الواحد اثنين، والممرور الذي يجد الحلو مرًا». درء تعارض العقل والنقل، 7/40. وقد يستقر الخطأ حتى يصير «ظنونًا كاذبة، وعقائد غير مطابقة» يسميها أصحابها «براهين عقلية، وأدلة يقينية». درء تعارض العقل والنقل، 7/284.
وقد يدخل الباطل من جهة الألفاظ، فقال: «وإنما يلتبس على كثير من الناس بسبب ما في ألفاظه من الإجمال والاشتراك والإبهام، فإذا فسر المراد بتلك الألفاظ انكشفت حقيقة المعاني المعقولة». درء تعارض العقل والنقل، 1/218.
وقد ينتقل الخطأ من الفرد إلى الطائفة؛ فيسبق قوم إلى «اعتقاد خطأ يتضمن مخالفة الضرورة»، ثم «يتلقى تلك الأقوال عن أولئك السابقين إليها عدد آخرون»، حتى تستقر بينهم «وإن كان كثير من القائلين بها – أو أكثرهم – لا يعلمون ذلك». درء تعارض العقل والنقل، 6/192. ومن جنسه «دين العادة»؛ فإن الرجل «ينشأ على مذهب أبيه أو مالكه أو أهل مدينته… ثم يحب ذلك وينتصر له تارة بعلم وتارة بلا علم». جامع المسائل، 8/440.
ولهذا فرّق بين الضروري المشترك وبين ما ألفته طائفة؛ فقال في الأول: «ما تقر به الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا موافقة من بعضهم لبعض»، ثم قال: «لو دفعت الضروريات التي يقر بها أهل الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا تشاعر لم يمكن إقامة الحجة على مبطل. وهذا هو السفسطة». درء تعارض العقل والنقل، 1/360.
وأشد من ذلك تقديم النظري على الضروري؛ فإنه «يستلزم تقديم النظريات على الضروريات، وذلك يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم الضرورية والنظرية». درء تعارض العقل والنقل، 1/185.
ولا يكون هذا دائمًا من فساد التصور وحده، بل قد يدخل من جهة القصد والتعصب؛ قال: «المضرة التي ذكرها نوعان: أحدهما يتعلق بالعلم، وهو التنبيه على شبه الباطل التي تضعف اعتقاد الحق وتفضي إلى الباطل. والثاني يتعلق بالقصد، وهو إثارة الهوى والحمية والعصبية التي تدعو إلى الإصرار ولو على الباطل». درء تعارض العقل والنقل، 7/163.
بل قد ينشأ التعصب من نفس مقام الجدل؛ فقال في وصفه: «ولكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجدل». درء تعارض العقل والنقل، 7/163.
ولهذا قال فيمن كان أصل قصده الحق ثم عرض له التعصب: «فإن صار من أهل العصبية الذين يتبعون الظن وما تهوى النفس الحق بقسم المعاندين»، وقال في المناظرة المذمومة: «أن يكون قصده مجرد الظلم والعدوان لمن يناظره، ومجرد إظهار علمه وبيانه لإرادة العلو في الأرض». درء تعارض العقل والنقل، 7/168.
فقد يبدأ الأمر بشبهة، ثم تصير اعتقادًا، ثم ينتصر لها صاحبها، وقد يثور التعصب من نفس الجدل، حتى ينقلب ميزان المعرفة فيدفع ما هو أبين بما هو أخفى.
ولهذا قال في العبارة الجامعة: «فمن أراد أن يدفع العلم اليقيني المستقر في القلوب بالشبه فقد سلك مسلك السفسطة». منهاج السنة النبوية، 7/464.
فليس كل خطأ سفسطة؛ وإنما يبلغها حين يُدفع اليقيني بالشبهة، والضروري بالنظري. فإذا ثبتت الضرورة المشتركة، لم يبق وراءها برهان من جنس النظر يطلب؛ لأن كل برهان إنما يقوم عليها ويرجع إليها.
فصل: في أن كثرة طلب البرهان ليست فضيلة في كل موضع
ولابن تيمية أصل آخر يحسن ضمه إلى هذا السياق؛ وهو أن إلزام الإنسان بالاستدلال على ما قد استقر عنده ضرورة ليس زيادة محضة في المعرفة.
قال:
«وكثيرًا ما تكون العلوم ضرورة فطرية، فإذا طلب المستدل أن يستدل عليها خفيت ووقع فيها شك».
درء تعارض العقل والنقل، 3/319.
وليس معنى ذلك ذم النظر من حيث هو نظر؛ فقد قرر أن طائفة من الناس تحتاج إليه، وأنه يزيل الشبه، ويبين المجهول، وينقل الدلالة إلى من لم تحصل له.
لكن الخطأ أن تحول أداة علاجية أو تعليمية أو استكشافية إلى شرط تعريفي لكل معرفة.
فمن كان عالمًا بالشيء ضرورة لم يحتج إلى أن ينشئ له البرهان معرفته من جديد.
ومن عرضت له شبهة قد يحتاج إلى النظر.
ومن لم تحصل له المعرفة التي حصلت لغيره قد يحتاج إلى دليل مخصوص.
ومن أراد إقناع خصمه احتاج إلى حجة تصلح للمخاطب.
فهذه مقامات مختلفة، واضطرابها هو الذي يحمل بعض الناس على الظن أن عدم وجود الحجة الجدلية الحاضرة يساوي عدم العلم.
الباب الثالث
الوهم والخيال ونقد تقسيم المناطقة للقضايا
فصل: في معنى الوهم والخيال عند الفلاسفة
بعد تحرير الفطرة والضرورة والبداهة، لابد من الكلام عن مسألة التفريق بين الضرورة والوهم
فالمناطقة قسموا قوى الإدراك، فجعلوا الحس مدركًا للمحسوسات الجزئية، والخيال حافظًا لصورها، والوهم مدركًا لمعان جزئية غير محسوسة قائمة في المحسوس، كعداوة الذئب للشاة، والعقل مدركًا للكليات.
وقد ظهر مما تقدم أن هذا التقسيم عندهم ليس مجرد تسمية لقوى نفسية، بل داخل في تصور أوسع لعلاقة المحسوس بالمعقول؛ ولهذا كان نقد ابن تيمية له متصلًا بأصل نظريته في نشأة الكلي من الجزئي، وفي كون العقل إنما يعقل القدر المشترك بعد العلم بالمعينات.
ومن هنا كان شيخ الإسلام يلزمهم بما وضعوه هم أنفسهم؛ فإن القوة التي يسمونها الوهمية لا تختص عندهم بإدراك الباطل.
قال: «والذي يبين هذا أن هذه القوة الوهمية، وفعلها الذي هو الوهم، لا يريدون به أن يتوهم في الشيء ما ليس فيه، وهو الوهم الكاذب».
ثم قال: «وكذلك لفظ التخيل لا يريدون تخيل ما لا وجود له في الخارج، بل هذا وهذا يتناول عندهم توهم ما لا وجود في الخارج، وتخيل ما له وجود في الخارج، وهو إدراك صحيح صادق مطابق».
ثم قال: «فالإدراك الصحيح الذي يسمونه هم توهما وتخيلا هو نوع من التصور والشعور والمعرفة». درء تعارض العقل والنقل، 6/42-44.
فالاسم الاصطلاحي لا يدل على الكذب؛ وإلا كانت الشاة إذا أدركت عداوة الذئب مخطئة لأنها أدركته بقوة سماها الفيلسوف «وهمًا». ولهذا قال: «الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقا وما كان مخالفا».
ثم قال في المطابق: «فهذا الوهم والخيال حق، وقضاياه صادقة». درء تعارض العقل والنقل، 6/17.
ويزيد هذا وضوحًا قوله:
«ولفظ التخيل والتوهم، لا يدل على نفس الإدراك؛ وإنما يدل على نحو الاعتقاد، الذي يكون مطابقًا للإدراك تارة، ويكون فيما تصور في النفس وتألف فيها وتنشأ فيها، كما تنشأ فيها العلوم بالنظر والاستدلال. وهذا الثاني يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، كما أن ما يثبته الإنسان في نفسه، من الاعتقادات بالنظر والاستدلال، قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا». بيان تلبيس الجهمية، 1/318.
فكما لا يكون «النظر» اسمًا للعصمة من الخطأ، لا يكون «التخيل» و«التوهم» اسمين للخطأ من حيث هما كذلك.
فصل: في أن نظرية الوهميات مبنية على فصل مخصوص بين المحسوس والمعقول
بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن ابن سينا وأتباعه لا يطلقون «الوهم» على مجرد الخطأ، وإنما بنوا الاصطلاح على تقسيم مخصوص لقوى الإدراك ومجالاتها.
وقد لخص ابن تيمية اصطلاحهم فقال:
«الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن، والوهم تصور المعاني التي ليست محسوسة في تلك الأعيان، كلاهما تصور معين جزئي، والعقل هو الحكم العام الكلي، الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين». درء تعارض العقل والنقل، 6/23.
فالحس عندهم يدرك الفرد المشاهد، والخيال يبقي صورته الجزئية بعد غيبته، والوهم يدرك معنى جزئيًا غير محسوس متعلقًا بذلك المحسوس، وأما العقل فيجاوز الشخص إلى المعنى الكلي.
ولهذا نقل ابن تيمية عن ابن سينا قوله في زيد:
«والشيء يكون محسوساً عندما يشاهد، ثم يكون متخيلاً عند غيبته بتمثل صورته في الباطن… وقد يكون معقولاً عندما يتصور من زيد مثلاً معنى الإنسان الموجود أيضاً لغيره».
ثم جعل ابن سينا عمل العقل تجريدًا فقال:
«وأما العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتاً إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملاً جعله معقولاً».
ثم بلغ التقسيم عنده إلى أن ما كان بريئًا في ذاته من اللواحق المادية: «فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل به». درء تعارض العقل والنقل، 6/24-26.
فهنا ليست المسألة مجرد أسماء لقوى نفسية؛ بل وراءها تصور كامل لعلاقة المحسوس بالمعقول، ولما يختص بالمادة وما يجرد عنها، وعند هذا الموضع نفسه عقب ابن تيمية بقوله:
«هذا الكلام هو من أصول أقوالهم، ومنه وقعوا في الاشتباه والالتباس، حتى صاروا في ضلال عظيم». درء تعارض العقل والنقل، 6/26.
فهو لا يقبل الخارطة أولًا ثم ينازعهم فقط في تطبيقها على قضية واحدة؛ بل يرد إلى أصل بنائهم في تصور المعقول والكلي وعلاقته بالمحسوس.
ومن ثمرات هذا البناء عندهم قولهم في بعض الأحكام الفطرية: إنها شديدة القوة في النفس، لكنها ليست من العقل، وإنما هي من «الوهم» الذي اعتاد المحسوس.
وقد نقل ابن تيمية عن ابن سينا قوله في «القضايا الوهمية الصرفة» إنها:
«قضايا كاذبة، إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة».
وعلل ذلك بأن: «الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم». درء تعارض العقل والنقل، 6/20.
فالمشكلة عند ابن سينا ليست دائمًا في ضعف الجزم النفسي؛ فقد يكون الحكم عند الإنسان من أشد الأحكام رسوخًا، لكن منشأه عنده قوة تابعة للمحسوس، فإذا جاوز الإنسان العالم المحسوس إلى ما يعده الفيلسوف من «العقليات» وجب ألا يجعل ذلك الحكم حاكمًا عليه.
وهذا هو الذي حكاه ابن تيمية عن النفاة:
«والنفاة لا ينازعون في أن هذا ثابت في الفطرة، لكن يزعمون أن هذا من حكم الوهم والخيال، وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات». درء تعارض العقل والنقل، 6/14.
فصل: في أن الوهم والخيال اسمان لا يقتضيان الكذب في اصطلاحهم
ومن هنا يعود ابن تيمية إلى نفس لفظي الوهم والخيال، فإن اصطلاح الفلاسفة لا يريد دائمًا بهما الإدراك الكاذب.
قال: «الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقا وما كان مخالفا».
ثم مثل بالمطابق:
«مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه، وتوهم الشاة أن الذئب يريد أكلها، وتخيل الإنسان لصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه… فهذا الوهم والخيال حق وقضاياه صادقة». درء تعارض العقل والنقل، 6/17.
وفي بيان التلبيس حرر الفرق بصورة أدق فقال:
«ولفظ التخيل والتوهم، لا يدل على نفس الإدراك؛ وإنما يدل على نحو الاعتقاد، الذي يكون مطابقًا للإدراك تارة، ويكون فيما تصور في النفس وتألف فيها وتنشأ فيها، كما تنشأ فيها العلوم بالنظر والاستدلال. وهذا الثاني يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، كما أن ما يثبته الإنسان في نفسه، من الاعتقادات بالنظر والاستدلال، قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا». بيان تلبيس الجهمية، 1/318.
وهذا يهدم المفاضلة الساذجة بين التخيل والنظر: فكما أن الإنسان قد يركب في نفسه بالخيال تصورًا صادقًا أو كاذبًا، كذلك يستطيع أن يركب بالنظر والاستدلال اعتقادًا صادقًا أو كاذبًا.
فليس كون الاعتقاد نظريًا مجردًا ضمانة للصدق، كما أن كون إدراك ما مرتبطًا بالخيال أو الوهم ليس برهانًا على بطلانه. والميزان في الحالين المطابقة وقوة الموجب.
فاصطلاحهم نفسه قد يحدث التباسًا؛ لأن الوهم والخيال في اللسان المعتاد يحملان إيحاءً غير الإيحاء الذي أدخله الفلاسفة في حد القوة الوهمية، فإنه «كثيراً ما يطلق على تصور ما لا حقيقة له في الخارج، بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب». درء تعارض العقل والنقل، 6/43، ثم ذكر من كلام أهل اللغة استعمال «وهم» في الغلط والسهو.
فإذا اصطلح الفيلسوف بعد ذلك على تسمية طائفة من الإدراكات الصحيحة «وهمًا»، لم يجز أن يحمل على الاسم إيحاءه اللغوي بالكذب ثم يجعل ذلك حجة على فساد الإدراك.
وهذه نقطة دقيقة في نقد ابن تيمية للمصطلح: قد يكون الاصطلاح جائزًا من حيث هو اصطلاح، لكنه يصير مغالطة إذا انتقلت إلى الشيء أحكام الاسم التي لم تدخل في تعريفه.
ولهذا كان حريصًا على بيان أن القوة التي يسمونها «وهمًا» تدرك أمورًا لا يشك العقلاء في دخول إدراكها في العقل والمعرفة.
فمثلًا إذا رأى الإنسان بئرًا وعلم أن الوقوع فيها يضره، فالحس لم يشاهد «الضرر» لونًا ولا شكلًا وعلى اصطلاحهم تكون معرفة الضرر من فعل القوة الوهمية.
فعقب ابن تيمية بقوله: «فالذي يسميه الناس عقلاً سماه هؤلاء وهماً». درء تعارض العقل والنقل، 6/53.
ثم وسع ذلك إلى معرفة الإنسان بالصداقة والعداوة، والعدل والظلم، والكرم والبخل، والشجاعة والجبن، والصدق والكذب:
«ومعلوم أن إدراك هذه الأمور هي مما يدخل في مسمى العقل والعلم والمعرفة عند عامة العقلاء».
ثم قال: «ولا يبقى فرق بين الوهميات والعقليات في مثل هذا، إلا كون الوهميات جزئية والعقليات كلية». درء تعارض العقل والنقل، 6/54.
إذا كان الوهم عندهم يدرك معنى جزئيًا غير محسوس في شخص محسوس، ثم كان العقل يعمم ويجرد من الجزئي قدره الكلي، فإن الجزئي الذي سموه وهميًا والكلي الذي سموه عقليًا ليسا بالضرورة معرفتين من أصلين منفصلين؛ بل قد يكون الحكم الكلي العقلي حاصلًا بتجريد القدر المشترك من تلك الإدراكات الجزئية نفسها.
فإدراك إنسان بعينه أنه عدو جزئي، «والحكم بأن العداوة مضرة» أو أن «كل عدو يخشى ضرره» حكم عام؛ لكن الثاني لم يسقط من عالم آخر مستقل عن الأول، وإنما عقل الإنسان القدر العام من المعاني التي أدركها في المعينات.
وهذا مطابق لقوله: «إذا أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها قدرًا مشتركًا كليًّا».
ومطابق لقوله: «فلا يقوم بنفسه قضية كلية عقلية ضرورية أو غير ضرورية إلا بتوسط قياس واعتبار».
فالفرق الصحيح عنده بين الجزئي والكلي، لا بين مصدر سفلي كاذب بطبعه ومصدر علوي صادق بطبعه.
ولهذا إذا حكم ما يسمونه الوهم حكمًا جزئيًا مطابقًا فهو حق، وإذا جرد العقل منه حكمًا كليًا صحيحًا فهو حق، وإذا ركب الوهم أو الخيال تصورًا لا حقيقة له فهو باطل، وإذا ركب النظر العقلي قياسًا فاسدًا فهو باطل.
فصل: في أن الإسقاط الذهني قد يقع من جهة التجريد كما يقع من جهة الخيال
ثم يقلب ابن تيمية التهمة على الفلاسفة؛ فإن من أعظم أغلاطهم عنده تحويل ما هو مقدر في الذهن إلى حقيقة موجودة في الأعيان.
قال:
«المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي من الوهم والخيال الباطل، مثل إثبات الكليات في الخارج، وتصور النفي والإثبات المطلقين ثابتين في الخارج، وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج؛ فإن هذه المتصورات كلها لا تكون إلا في الذهن».
ثم قال: «ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له، وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع القضايا البديهية». درء تعارض العقل والنقل، 6/18.
وقال: «الكليات لا تكون كلية إلا في العقل لا في الخارج». درء تعارض العقل والنقل، 6/92.
وقال: «القضايا الكلية تارة يكون لجزئياتها وجود في الخارج، وتارة تكون مقدرة في الأذهان لا وجود لها في الأعيان، وهذا كثيرا ما يقع فيها الغلط والالتباس». درء تعارض العقل والنقل، 6/98.
فكما يخطئ الخيال حين يمثل معدومًا كأنه موجود، يخطئ التجريد أيضًا حين يؤخذ ما وجوده ذهني بوصفه كذلك فيجعل له وجود عيني مطابق.
ولهذا قال: «ليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج».
مجموع الفتاوى، 9/223.
ثم فرق بين الإمكان الذهني والخارجي؛ فالإمكان الذهني قد لا يزيد على أن الذهن لم يعلم الامتناع، وهذا غير العلم بالإمكان في نفس الأمر.
قال:«ذهني، وهو أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه، بل يقول يمكن هذا، لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بامتناعه، مع أن ذلك الشيء قد يكون ممتنعا في الخارج».
وأما الخارجي فهو: «أن يعلم إمكان الشيء في الخارج». مجموع الفتاوى، 9/224.
وهذه من نقاط اتصال بحث الخيال ببحث المعرفة: عدم إدراك الامتناع ليس إدراكًا للإمكان، كما أن عدم القدرة على التخيل ليس إدراكًا للامتناع.
فالذهن قد يخطئ في الطرفين. ويظهر هنا مرة أخرى أن المجرد العقلي ليس مفضلًا من حيث الصدق لمجرد كونه مجردًا؛ إذ قد يكون أشد الأوهام فلسفيةً هو أن يجرد العقل معنى ثم ينسى أنه جرده، فيعيد إسقاطه على الخارج بوصفه حقيقة قائمة فيه على نحو وجوده في الذهن.
فصل: في انقلاب تهمة الخيال على التجريد الفلسفي
ولهذا يقلب ابن تيمية تهمة الوهم والخيال عليهم.
فإن من أبرز أغلاط النظر الفلسفي عنده أن يجرد الذهن معنى من مشخصاته، ثم يعامل ما نتج في الذهن كأنه موجود في الخارج على الوجه نفسه.
وقد قال:
«المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي من الوهم والخيال الباطل، مثل إثبات الكليات في الخارج، وتصور النفي والإثبات المطلقين ثابتين في الخارج، وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج؛ فإن هذه المتصورات كلها لا تكون إلا في الذهن».
ثم قال: «ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له، وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع القضايا البديهية». درء تعارض العقل والنقل، 6/18.
فالمفارقة عنده أن الفيلسوف يتهم الفطرة بأنها تسقط صورة المحسوس على غير المحسوس، بينما قد يكون هو الذي أسقط طريقة وجود المعنى في الذهن على طريقة وجوده في الخارج.
وهذا من جنس قوله في موضع آخر: «تصور وجوداً مطلقاً في نفسه فظن أنه في الخارج».
ثم وصف هذا الجنس من الخطأ بأن أصحابه: «ظنوا أن ما يكون في وهمهم وخيالهم هو ثابت في الخارج». درء تعارض العقل والنقل، 5/127.
فصل: في تناقضهم في جعل القضايا الكلية من حكم الوهم
ثم يحتج ابن تيمية على المناطقة من نفس حدودهم.
فإذا كان الوهم، بحسب قولهم، يدرك المعنى الجزئي في المحسوس الجزئي، امتنع أن تكون القضية الكلية العامة حكمًا للوهم بهذا المعنى.
قال: «وإذا أراد به أن ما سماه الوهم والخيال يحكم حكما كليا يناقض حكما كليا للعقل، وهذا هو مرادهم، كان هذا تناقضا منهم».
ثم قال: «فإذا كان الوهم والخيال إنما يدرك أمورا جزئية… وهذه القضايا التي تزعمون أنها تعارض حكم العقل قضايا كلية، علم بذلك أن هذه ليست من إدراك الوهم والخيال… وإنما هي قضايا كلية عقلية». درء تعارض العقل والنقل، 6/38-39.
وفي منهاج السنة قال: «وأما الأحكام الكلية فهي عقلية». ثم قرر أن القضايا التي يقع الكلام فيها:
«أحكام كلية عقلية، ليست أحكاما جزئية شخصية في جسم معين حتى يقال إنها من حكم الوهم». منهاج السنة، 2/149.
فصار إخراج هذه الأحكام من العقل إلى «الوهم» مخالفًا لتعريفهم أنفسهم للوهم.
وهذا الاعتراض يزداد قوة بما تقدم من أن الحكم الكلي نفسه لا ينشأ في الإنسان منفصلًا عن الاعتبار في الجزئيات؛ فإذا كان الفرق بين «الوهمي» و«العقلي» عندهم هو الجزئية والكلية، لم يجز أن يجعل مجرد اتصال أصل الحكم بالمحسوس موجبًا لإخراجه عن العقل، لأن الكلي العقلي نفسه ينتزع من المعينات.
وهنا تظهر صلة هذا الباب بما سبق، فإذا كانت نفس القضايا الكلية العقلية المتعلقة بالموجودات تتولد للإنسان بواسطة القياس والاعتبار فيما أحسه، وإذا كان: «إذا أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها قدرًا مشتركًا كليًّا»،
لم يعد مجرد كون أصل الحكم متصلًا بالمحسوس كافيًا لإسقاطه من العقل؛ لأن نفس التعقل الكلي المتعلق بالخارج متصل بالحس من هذا الوجه.
فالفارق بين الوهم والعقل في اصطلاحهم لا يمكن تحويله بلا برهان إلى فرق بين مصدر معرفي أدنى من حيث الصدق ومصدر معرفي أعلى منه.
بل السؤال الحقيقي يكون في الحكم نفسه: أهو جزئي أم كلي؟ وهل هو مطابق أم غير مطابق؟ وما قوة موجبه؟
ولهذا يحتج ابن تيمية عليهم من داخل تعريفهم نفسه:
«فإذا كان الوهم والخيال إنما يدرك أمورا جزئية… وهذه القضايا التي تزعمون أنها تعارض حكم العقل قضايا كلية، علم بذلك أن هذه ليست من إدراك الوهم والخيال… وإنما هي قضايا كلية عقلية». درء تعارض العقل والنقل، 6/38-39.
ثم يزيد تقرير الحجة بأن العموم نفسه علامة جهة العقل في اصطلاحهم، فيقول:
«ومعلوم أنه كلما كان الحكم أعم كان أقرب إلى العقل، فقولنا كل موجود قائم بنفسه فإنه يشار إليه، وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين، من أعم القضايا وأشملها، فكيف تكون من الوهميات التي لا تكون إلا جزئية». درء تعارض العقل والنقل، 6/40.
وهذا المثال هو لب النزاع، لا مجرد شاهد عليه؛ فإن القضية لا تتحدث عن جسم محسوس مخصوص ولا عن موجود معين، بل عن «كل موجود قائم بنفسه» و«كل موجودين». فهي عند تعريفهم أنفسهم قضية كلية عقلية.
فصل: في أن قولهم «الحسيات» و«العقليات» يخفي دعوى وجودية وراء الدعوى المعرفية
ثم يتقدم ابن تيمية خطوة أخرى؛ فإن قولهم: «حكم الوهم مقبول في الحسيات لا في العقليات» يبدو لأول وهلة كأنه مجرد قيد معرفي، لكنه عند التحقيق يتضمن تصورًا وجوديًا سابقًا.
فإن أريد بـ«العقليات» العلوم الكلية القائمة بالقلب، فهذا شيء، وإن أريد بها موجودات خارجية قائمة بأنفسها لا يمكن أن تتعلق بها الإشارة الحسية فهذا شيء آخر، ولهذا قال:
«إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب من العلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية».
ثم قال: «وإن أردتم بالعقليات موجودات خارجة لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم إن هذا موجود؟ فالنزاع في هذا».درء تعارض العقل والنقل، 6/17.
وعلى هذا قرر أن قولهم:
«إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات» لا يصح استعماله حجة إلا بعد إثبات ذلك القسم الخارجي الذي يريدون استثناءه من أحكام الفطرة.
قال: «إن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه». ثم قال إن هذا: «أول المسألة». درء تعارض العقل والنقل، 6/16.
فإذا كان الخصم إنما أبطل حكم الفطرة لأنه لا يسري إلى «العقليات»، ثم لم يثبت وجود هذه «العقليات» الخارجية إلا بعد إبطال حكم الفطرة، عاد الاستدلال دورًا.
ولهذا قال:
«إبطال حكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال موقوف على ثبوت هذه العقليات، وثبوتها موقوف على إبطال هذا الحكم… كان هذا من الدور الممتنع».درء تعارض العقل والنقل، 6/16-17.
فالنزاع في تحويل الفرق بين الإدراك الجزئي والإدراك الكلي إلى قطيعة بين عالمين معرفيين، ثم استعمال هذه القطيعة لإبطال أحكام الفطرة في الموجود الخارجي.
وكيف يمكن إبطال حكم الفطرة بكلام عن موجود غائب لا يعلم أصلًا إلا بقياسه على الشاهد بنفس الأوليات المنتزعة من الحس المتصل بالأجسام وصفاتها القائمة بها؟ وعليه مدار القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط الذي عليه ينبني قياس الغائب على الشاهد أصلًا.
هذا ما تنبه إليه فلاسفة مثل إيمانويل كانط لاحقًا فمنعوا من عمل العقل خارج (العالم المحسوس) الذي تعمل فيه القبليات بشرط إدراكه في زمان ومكان، بينما تصورهم عن الإله يمنع من كونه محسوسًا وفي زمان ومكان فلا تصح فيه الضرورات أصلًا إذ أنها كلها منتزعة من الأجسام وقواها وعلاقاتها ببعضها البعض، وكل جسم عندهم حادث، وكما ذكرنا الجسم هنا مطلق المعين المحسوس القائم بنفسه المتحيز عن غيره.
فصل: في أن ما سموه وهمًا يدخل فيه كثير مما يسميه عامة الناس عقلًا ومعرفة
ويلزمهم أيضًا أن القوة الوهمية بحسب تعريفهم تدرك طائفة عظيمة من أهم معارف الإنسان.
فالإنسان لا يرى «الصداقة» لونًا ولا «العداوة» شكلًا، ولا يرى القدرة والإرادة والمحبة والبغض والصدق والكذب والعدل والظلم بحاسة البصر؛ لكنه يدركها في الأشخاص والأفعال.
قال ابن تيمية:
«ومعلوم أن إدراك هذه الأمور هي مما يدخل في مسمى العقل والعلم والمعرفة عند عامة العقلاء».
ثم قال:
«ولا يبقى فرق بين الوهميات والعقليات في مثل هذا، إلا كون الوهميات جزئية والعقليات كلية». درء تعارض العقل والنقل، 6/54.
وضرب مثال البئر؛ فإن الإنسان يرى البئر ويحكم بأن الوقوع فيها مضر، والضرر ليس لونًا محسوسًا بالبصر: «فالذي يسميه الناس عقلا سماه هؤلاء وهما». درء تعارض العقل والنقل، 6/53.
فتبين أن اصطلاح «الوهم» نفسه لا يصلح رتبةً معرفية دنيا بإطلاق.
ويتصل بهذا أن لفظ «الوهم» و«الخيال» في لغة الناس قد يحمل إيحاءً بالكذب وعدم المطابقة، بينما اصطلاح الفلاسفة يدخل فيه إدراكات صحيحة؛ ولهذا قال:
«وذلك لأن لفظ الوهم والخيال كثيراً ما يطلق على تصور ما لا حقيقة له في الخارج، بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب». درء تعارض العقل والنقل، 6/43.
فالمشكلة ليست في الاصطلاح، بل في أن يتحول الاصطلاح إلى إعادة تقييم معرفي بلا دليل.
ومن مجموع ما تقدم يظهر أصل آخر: أن شيخ الإسلام لا يجعل التجريد أو النظر أو الاستدلال أصدق من الحس أو الوهم أو الخيال لمجرد الاسم، كما لا يجعل الحس أو الخيال معصومين فيما وراء مجال المطابقة.
فالخيال قد يطابق وقد لا يطابق، والوهم قد يطابق وقد لا يطابق، والنظر والاستدلال كذلك قد ينتهي إلى الحق أو الباطل.
وقد تقدم قوله:
«هذا الثاني يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، كما أن ما يثبته الإنسان في نفسه، من الاعتقادات بالنظر والاستدلال، قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا». بيان تلبيس الجهمية، 1/318.
فلا ميزة معرفية تلقائية لـ«المجرد» على «المحسوس»، ولا لـ«القياسي» على «الاستقرائي»، ولا لما سماه الفيلسوف «عقليًا» على ما سماه «وهميًا»؛ وإنما تعتبر المطابقة، وقوة الموجب، ومرتبة العلم.
ولهذا كان القانون الذي سبق تقريره أعم من جميع هذه التقسيمات: «فكيف يدفع الأقوى بالأضعف؟».
فإن حصل بالحس علم أقوى من نظر نظري معارض له، لم يقدم النظري لمجرد أنه نظري. وإن حصل بالاستدلال برهان يقيني على أمر لا يدرك بمجرد الحس، لم يرد لمجرد أن الحس لم يدركه.
وكذلك الاستقراء والتجربة والقرائن والتواتر؛ فقد يحصل من مجموعها علم ضروري لا يستطيع العالم دفعه، وإن عجز عن تحويل كل سبب من أسبابه إلى قياس صوري مستقل.
وبهذا تكون قوى المعرفة وعملياتها أدوات تتفاوت بحسب مواردها ومخرجاتها، لا طبقات ثابتة يكون الأعلى اسمًا منها أصدق بالضرورة من الأدنى.
ومن هنا يظهر أن نقد ابن تيمية للوهميات ليس منفصلًا عن نقده للمشهورات، بل كلاهما يرجع إلى اعتراض واحد على تقسيم المناطقة مواد التصديق اليقيني.
فهم أخرجوا من «الواجب قبولها» طائفة سموها مشهورات، وطائفة سموها وهميات، ورتبوا البرهان على مواد مخصوصة.
وابن تيمية يرى أنهم أخرجوا بهذا التقسيم أحكامًا يكون حكم الفطرة بها من أقوى الأحكام.
ولهذا قال: «أخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات وما سموه مشهورات، وحكم الفطرة بهما – لا سيما بما سموه وهميات – أعظم». مجموع الفتاوى، 9/193.
أما المشهورات العامة فقد مضى أنه يجعل مبادئها ضرورية في النفوس، وأن موجب شهرتها بين جميع الأمم هو الفطرة المشتركة.
وأما الوهميات فقد بين أن كثيرًا منها قضايا كلية عقلية، وأن مجرد تسميتها وهمًا لا يثبت بطلانها.
فالخلل عنده واقع في التقسيم نفسه؛ إذ صارت القضايا تنزل عن رتبة اليقين بموجب حدود اصطلاحية لا بموجب دليل على فسادها.
والجامع بين البابين أن التصنيف الفلسفي أعاد ترتيب مواد المعرفة الإنسانية، ثم منح بعض الأسماء منزلة معرفية عليا، وخفض غيرها باسم «المشهور» أو «الوهمي»، مع أن العبرة عند ابن تيمية بقوة موجب العلم ومطابقته لا بالباب الاصطلاحي الذي أدرجت فيه القضية.
فصل: في أن قصور الخيال عن تصور الشيء لا يدل على امتناعه
وكما أن الوهم قد يصدق ويكذب، فإن الخيال قد يعجز عن تمثيل شيء ولا يلزم من ذلك امتناعه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«أنا لو سلمنا أن وهمنا وخيالنا يحيل ذلك فليس محذورا إذا علمنا جوازه بعقلنا وحسنا، فإن أحدا لم يقل إن كل ما أحاله مجرد التوهم والتخيل يكون ممتنعا، وإنما قيل ما أحالته الفطرة الإنسانية والبديهة». بيان تلبيس الجهمية، 2/274. وقال: «قصور الوهم والخيال لا يستلزم قصور العلم والعقل».
ثم قال: «قد يسلم أن يعزل الوهم والخيال… لكن لم يعزل الفطرة الإنسانية والمعارف الضرورية». بيان تلبيس الجهمية، 2/317-318.
فالعجز عن تكوين صورة خيالية للشيء لا يساوي العلم باستحالته، كما أن إمكان تكوين صورة في الذهن لا يساوي إمكان الشيء في الخارج.
فصل: في أن الفطرة قد تفسد، وأن فسادها لا يعني وجود ضروريات باطلة موازية للضرورات الصحيحة
والفطرة التي هي أصل في الإدراك قد يعرض لها ما يغير فعلها.
قال شيخ الإسلام:
«المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر السليمة، التي لم تتغير فطرتهم بالاعتقادات الموروثة والأهواء». درء تعارض العقل والنقل، 6/14.
وقال: «وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها». مجموع الفتاوى، 6/73.
وقال: «أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد». مجموع الفتاوى، 9/243.
فالاعتقاد النظري الباطل لاحقًا قد يكون هو نفسه سببًا في تغيير حكم الإنسان وطمس ما كان أظهر عنده قبل الاعتياد على النظرية.
ولهذا قال: «تارة يقولون بموجب الفطرة فيكون كلامهم صحيحا، وتارة يقولون بمقتضى الفطرة الفاسدة التي قد فسدت بالاعتقادات الفاسدة فيقولون باطلا». الرد على المنطقيين، ص 435.
غير أن فساد الفطرة عند ابن تيمية لا يعني نشوء فطرة أخرى لها ضروريات باطلة تقابل الضرورات الصحيحة؛ فإن هذا يعيد بعينه الإشكال الذي احتج به على من أثبت في الفطرة حاكمين بديهيين أحدهما حق والآخر باطل، ويحتاج بعد ذلك إلى معيار ثالث يميز بينهما، ثم يسأل في ذلك المعيار: أضروري هو أم نظري؟
بل الأصل عنده: «الصحة في الإدراك وفي الحركة».
وما يعرض للحس الباطن أو الظاهر والعقل من الغلط: «بمنزلة المرض العارض». و: «هذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة». مجموع الفتاوى، 4/30.
فالغلط عارض على القوة المدركة، لا يصير أصلًا معرفي موازٍ للصحة.
ومن ثم يكون الهوى والاعتقاد الموروث والتقليد والاشتباه عوارض تحجب موجب الفطرة أو تشوش تعيينه، لا مصادر أولية قائمة بإزاء الفطرة الصحيحة تحل محلها وتمحوها تمامًا.
ولهذا لا يرد ابن تيمية صاحبها إلى ميزان نظري مستقل قائم فوق الفطرة، بل يدعوه إلى محاسبة ما جزم به، فيقول:
«من حاسب نفسه على ما يجزم به وجد أكثر الناس الذين يجزمون بما لا يجزم به إنما جزمهم لنوع من الهوى». مجموع الفتاوى، 4/30.
ويقول: «لكن جزم العلم غير جزم الهوى. فالجازم بغير علم يجد من نفسه أنه غير عالم بما جزم به والجازم بعلم يجد من نفسه أنه عالم؛ إذ كون الإنسان عالما وغير عالم مثل كونه سامعا ومبصرا وغير سامع ومبصر فهو يعلم من نفسه ذلك: مثل ما يعلم من نفسه كونه محبا ومبغضا ومريدا وكارها؛ ومسرورا ومحزونا؛ ومنعما ومعذبا؛ وغير ذلك. ومن شك في كونه يعلم مع كونه يعلم – فهو بمنزلة من جزم بأنه علم وهو لا يعلم وذلك نظير من شك في كونه سمع ورأى؛ أو جزم بأنه سمع ورأى ما لم يسمعه ويراه.» مجموع الفتاوى (4/ 29)
ومن ثم كان حتى من خالط فطرته الهوى أو الاعتقاد قادرًا على الرجوع إذا صدق مع نفسه وزال الاشتباه؛ فطريقه أن: «يبين له ما يزيل الاشتباه». حتى يعرف أن: «الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره». بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
وهذا يفسر قوله إن:
«المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر السليمة، التي لم تتغير فطرتهم بالاعتقادات الموروثة والأهواء». درء تعارض العقل والنقل، 6/14.
فـ«سلامة الفطرة» هنا ليست معيارًا نظريًا مستقلاً فوق الضرورة يُحتج به عليها، بل هي انتفاء المرض والعارض والاشتباه الذي يحجب مقتضى الفطرة نفسها أو يفسد تعيينه.
وبهذا يجتمع عنده أمران: إمكان فساد الفطرة من جهة العوارض، وعدم جواز جعل هذا الفساد دليلاً على أن الضروري الحقيقي نفسه يمكن أن يكون باطلاً ثم يصححه نظر أعلى منه.
وهذا جارٍ في استدلالاته على المشركين والمعطلة بميثاق الذر الذي هو أساس في الخلقة على الفطرة إذ يقول:
“فإن الرسول يدعو إلى التوحيد لكن أن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن اقرارهم بأن الله ربهم ومعرفتهم بذلك وان هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله فلا يمكن أحدا أن يقول يوم القيامة اني كنت عن هذا غافلا ولا أن الذنب كان لابي المشرك دونى لانه عارف بان الله ربه لا شريك له فلم يكن معذورا في التعطيل ولا الاشراك بل قام به ما يستحق به العذاب” درء تعارض العقل والنقل (8/ 491)
فمع أن المشرك بمجرد شركه فهو فاسد الفطرة إلا أن الرسل يخاطبون المشركين بما هو مركوز في أصل فطرتهم حتى مع وجود ما يحجبه من الشبهات ويفسد الإنقياد إليه من الإرادات، فهم يعالجون هذا الفساد ويعيدون الأمور إلى نصابها، وبهذا يستبين أنها لا تزول بالكلية بل هي لازمة لكل بني آدم مستمرة معهم إلى الموت ثم هي حجة عليهم بعد الموت في عدم انقيادهم إلى دعوة الرسل.
فصل: في أن الاعتقاد السابق قد يصور لصاحبه ما يظنه موجودًا في الخارج
وهذه القاعدة لا يقصرها ابن تيمية على الأقيسة؛ بل يقرر أن المعتقدات السابقة قد تشكل التجربة الباطنة نفسها.
قال: «وكثيرا ما تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه». درء تعارض العقل والنقل، 5/352. ثم قال:
«وكثيرا ما يرى الإنسان صورة اعتقاده، فيكون ما يحصل له بمكاشفته ومشاهدته هو ما اعتقده من الضلال». درء تعارض العقل والنقل، 5/353.
فقد يجعل الإنسان أثر اعتقاده دليلًا جديدًا على الاعتقاد نفسه؛ فينشأ من ذلك نوع خفي من الدور: يتشكل إدراكه على وفق الأصل الذي تلقاه، ثم يحتج بالإدراك المشكل به على صحة الأصل.
وهذا من جنس ما يقرر ابن تيمية في مواضع كثيرة من أثر الاعتياد والتقليد والهوى في فساد الفطرة.
الباب الرابع
الدلالة المعرفية العامة وصلتها بنظريات المعرفة المعاصرة
إذا استتم ما تقدم من كلام شيخ الإسلام في الفطرة والضرورة، وفي الحس والعقل، وفي منشأ الكليات، وفي الوهم والخيال، وفي مراتب العلوم وطرق حصولها، أمكن بعد ذلك أن ينظر في موقع هذا البناء من بعض التقسيمات الجارية في نظرية المعرفة المعاصرة.
وليس المقصود أن يحمل كلامه على مذهب حادث، أو يقال: إنه كان «موثوقيًا» أو «خارجيًا» أو «تأسيسيًا» بالاصطلاح المتأخر، فإن هذه المذاهب نشأت في سياقات ومسائل ومقدمات ليست هي سياقه ولا مقدماته؛ وإنما المقصود استعمال هذه التقسيمات في الكشف والمقارنة: أي المذاهب الحديثة أقرب إلى وصف بعض جهات بنائه؟ وأين يوافقها؟ وأين يفارقها؟ وأي جوانبه لا يستوعبها واحد منها؟
وهذا الاحتراز مهم؛ لأن البناء التيمي لا يبدأ أصلًا من السؤال الحديث بصورته الاصطلاحية: ما شروط التبرير justification؟ ولا يحصر البحث في الاعتقاد بوصفه حالة قضوية مجردة، بل يبحث أوسع من ذلك في قوى الإنسان، وأسباب حصول العلم، وسلامة الفطرة، والحس الباطن والظاهر، والاعتبار، والخبر، والتواتر، والقرائن، والخبرة، والنظر، والهوى، والفساد العارض للآلة المدركة.
ولهذا فقد يظهر شبه ببلانتنغا في موضع، وبجولدمان في موضع، وبسوسا في جهة، وبتوماس ريد في أخرى، من غير أن نبني تصورًا نجعل فيه مذهب ابن تيمية مجموعًا تلفيقيًا من هذه المذاهب؛ إذ الأصل في تحريرنا هو كلامه المتقدم، وهذه إنما هي نظائر تقرب صورته إلى اصطلاح المتأخرين.
فصل: في صلة ذلك بالتأسيسية المعاصرة
يسمى في نظرية المعرفة المعاصرة «التأسيسية» القول بأن من المعارف أو الاعتقادات المبررة ما تكون له منزلة معرفية لا تعتمد في أصلها على الاستدلال من معتقدات أخرى، ثم تعتمد المعارف الاستدلالية في النهاية على مثل هذه الأسس.
وبهذا الاعتبار توجد مشابهة بين أصل التأسيسية وبين قول ابن تيمية: «كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري». وقوله: «غاية البرهان أن ينتهي إليها».
فإن النظر لو افتقر في كل مقدمة إلى نظر آخر، ثم افتقر ذلك النظر إلى مثله، لم يحصل علم أصلًا؛ فلا بد أن يكون من العلم ما لا يستمد ثبوته من قياس قبله، بل يكون هو مما يقوم عليه القياس.
إلا أن البناء التيمي أوسع من أن يجعل الأساس قائمة واحدة من القضايا ذات الصورة نفسها عند جميع العقلاء؛ فإنه يقرر أن القضية قد تكون ضرورية لزيد نظرية لعمرو، وأن طرق العلم متعددة، وأن العلم قد يحصل بالحس والتواتر والقرائن والفطرة وغيرها.
فالتأسيس عنده متعلق ببنية المعرفة وقواها قبل أن يكون متعلقًا بقائمة مغلقة من «الجمل الأساسية».
وهذا أيضًا يفسر أن الفطرة عنده لا تختزل في «اعتقادات أساسية»، لأنها الخلقة والقوى ومقتضياتها، ومنها تنشأ شبكة من العلوم والإرادات.
وتتضح هذه النقطة أكثر إذا ضم إليها ما قرره في علاقة الحس بالعقل؛ فإن ما هو فطري عنده ليس بالضرورة قضية مكتملة مودعة بالفعل في النفس، بل قد يكون قوة إدراكية وطريقة طبيعية في الاعتبار والتجريد، حتى قال إن «الفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعليم».
فالتأسيس هنا ليس قائمة من القضايا السابقة على كل تجربة فقط، بل أيضًا بنية فطرية لمعالجة الخبرة نفسها.
والعلوم المتعلقة بالخارج عنده ليست معزولة عن الحس؛ بل الخارج يعطي المعينات، والحس يدركها، ثم العقل الفطري يجمع ويفرق وينتزع القدر المشترك، ولهذا أمكن أن تكون بعض المبادئ ضرورية من جهة كيفية استقرار العلم في النفس، مع كون الطريق الذي تكوّن به تصورها متصلًا بالحس والاعتبار.
غير أن وصف مذهبه بمجرد «التأسيسية» قد يكون مضللًا إذا حمل على صورة تأسيسية تجعل بعض المعتقدات أساسية بمعنى أنها نقطة بداية مؤقتة، ثم تبقيها قابلة لأن تسقط لاحقًا بحكم نسق نظري أعلى منها، وهي الصورة التي يمكن تقريبها بما يسمى التأسيسية الإسقاطية أو Fallibilist Foundationalism إذا أريد بها أن الأساس نفسه يبقى قابلًا للإبطال من داخل البناء النظري اللاحق.
فليس الضروري عند ابن تيمية طبقة من المعتقدات المرجحة التي تبدأ منها المعرفة ثم يعاد عرضها في آخر الطريق على محكمة النظر؛ لأن النظر نفسه لا تقوم له محكمة مستقلة عنها.
فالخطأ الممكن عنده يقع في دعوى الضرورة، أو في تعيين متعلقها، أو في تمام التصور، أو في الاشتباه بين قضية وأخرى؛ لا في أن نفس «ما اضطر إليه من العلم» بعد تحريره وتعيينه قد ينكشف كذبه بقياس نظري متأخر.
وهذا هو مقتضى قوله: «لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات». درء تعارض العقل والنقل، 6/14.
فصل: في المعصومية الفطرية غير التنقيحية
ومن هنا يظهر جانب في مذهب ابن تيمية لا يستوفيه مجرد وصفه بأنه «تأسيسي».
فقد عرفت الفلسفة صورًا مختلفة من إعطاء بعض الاعتقادات أو الإدراكات منزلة خاصة: في المبادئ الأولى، أو بعض الحدوس العقلية، أو الأحوال النفسية الحاضرة، أو الخبرة المباشرة. لكن خصوصية البناء التيمي أن موضع الثقة عنده ليس امتيازًا منهجيًا يمنح لنخبة من الفلاسفة بعد تدريب مخصوص، بل متصل بالفطرة الإنسانية نفسها وبما تقوم عليه المعرفة عند بني آدم.
ويمكن، من جهة التحليل المعاصر لا من جهة نسبة الاصطلاح إليه، وصف هذا الجانب بـ المعصومية الفطرية غير التنقيحية (non-revisionary fitri infallibilism).
ومراد ذلك ليس أن كل ما يسميه الإنسان «فطريًا» أو «ضروريًا» يكون صادقًا؛ فقد نص ابن تيمية على «دعوى العلم الضروري فيما ليس كذلك»، وعلى «الاعتقاد الفاسد، الذي جعله يظن ما ليس بضروري ضرورياً»، وبين أن الإنسان قد يخطئ لاشتباه معنى بمعنى أو لفظ بلفظ.
وإنما المراد أنه إذا حرر بالضبط «ما اضطر إليه من العلم»، وتميز عن المعاني التي اشتبهت به، فقد انتهى موضع الطلب من هذه الجهة؛ لأن الضروري هو مما يقوم به النظر، لا مادةً يعاد عرضها على محك نظري أعلى منه.
ولهذا كان طريق علاج الخطأ أن:
«يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره». بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
لا أن يقال له: قد تكون قد أصبت متعلق الضرورة تمامًا، وقد يكون العلم لازمًا لنفسك لزومًا لا يمكنك دفعه، ومع ذلك يكشف لك القياس النظري أنه باطل.
وهذا يباعده عن التأسيسيات التي تكون فيها «الأسس» أولية فقط بمعنى ترتيب التبرير، مع بقائها قابلة للمراجعة من داخل النسق الأوسع بالطريقة نفسها التي تراجع بها الاعتقادات الأخرى.
أما عند ابن تيمية، فإذا اصطدمت نظرية بحكم فطري ضروري بعد تحريره، فالنظرية هي التي تفتقر إلى المراجعة؛ لأن:
«لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات». درء تعارض العقل والنقل، 6/14.
ويضاف إلى ذلك أن الفطرة ليست فقط موضع بعض النتائج الضرورية، بل هي أيضًا البنية التي «تتصور القياس الصحيح من غير تعليم»، والتي بها يجرد الإنسان من المحسوس القدر الكلي ويعرف الجمع والفرق.
فعدم تنقيحية الفطرة عنده لا يعني فقط حماية قائمة من القضايا، بل حماية أصل الآلة الطبيعية للمعرفة من أن تعاد هندستها وفق نظرية صنعتها بعض مخرجات تلك الآلة نفسها.
ولهذا يصعب، من هذه الجهة، العثور على نظير فلسفي تام لموقفه بمجرد الإحالة إلى نظرية واحدة من نظريات التأسيس أو الحدس أو المعرفة المباشرة؛ فإن صور المعصومية في كثير من الأبنية الفلسفية تضيق بمجال مخصوص من الإدراك، بينما يجعل ابن تيمية موضع الثقة متصلًا بالفطرة الإنسانية المشتركة نفسها، وبما يصدر عنها من ضروريات متى تحرر متعلقها وانتفى الاشتباه.
وهذه الخصوصية أوضح ما تكون في موقفه من الإنسان العادي: فالمعارف الأولية ليست امتيازًا معرفيًا للناظر المتخصص حتى يصحح بها عامة الناس، بل صناعة النظر نفسها لا تقوم إلا بما يشترك فيه الناس من قوى ومبادئ قبل الصناعة.
فالفيلسوف لا يملك عقلًا من جنس آخر؛ وإنما قد يحسن النظر أو يسيئه في المادة التي يشترك أصلها مع غيره.
فكما رأينا في كلامه عن نصب حاكم العقل على حاكم الفطرة الشبيه بصورة من صور التأسيس الإسقاطي: أي أن ينتخب الناظر بعض ما يعترف به من مبادئ المعرفة، ثم يبني منها نسقًا، ثم يجعل هذا النسق نفسه معيارًا نهائيًا يعيد به تصنيف بقية أحكام الفطرة، فإن وافق الحكم النظرية قيل: هذا عقلي، وإن خالفها قيل: هذا وهمي أو مشهور لا برهاني.
فهذا المسلك مشكل عند ابن تيمية، لأن النظرية لا بد أن تكون مشتقة من قوى الإنسان وعلومه الأولية، فلا يجوز أن تمنح نفسها سلطة مطلقة على جنس ما استمدت منه إمكانها.
ومن هنا قوله: «كيف يدفع الأقوى بالأضعف؟». فلو ثبت أن النظر يمكن أن يبطل أسسه التي قام عليها، وأن ذلك فقط موقوف على زمن نصل فيه إلى اكتشاف خطئها، فإنه «حينئذ لا يوثق بحكم البديهية».
وكذلك بالنسبة لمن يستعمل قياس الغائب على الشاهد ثم يضع حدودًا ميتافيزيقية نظرية يفرق بها بين أحكام العقل الضرورية في الشاهد والغائب؛ يرد عليه أن النظر الفلسفي نفسه الذي يزعم أنه انتقل من المحسوسات إلى «العقليات» لا يستغني هو نفسه عن الكليات، والكليات المتعلقة بالخارج لم تحصل له إلا بعد إدراك المعينات وتجريد المشترك منها.
فإذا عاد بعد ذلك فاتهم حكمًا فطريًا بأنه «مأخوذ من المحسوس» لمجرد ذلك، كان قد اتخذ في خصمه عيبًا لا يستغني هو نفسه عنه.
والفارق هنا دقيق؛ فإن ابن تيمية لا يمنع النظر من تصحيح دعوى الشخص أنه يعلم بالضرورة، ولا من إزالة الإجمال والاشتباه، بل قد يكون هذا من وظيفة النظر والبيان. لكنه يمنع أن يجعل النظر نفسه سلطانًا على نفس الضروري بعد تحريره؛ إذ ليس له من مادة يحاكم بها الضروري إلا ما يرجع في النهاية إلى ضرورة أخرى.
فصل: في حصول العلم وسبب حصوله، وأن الحجة الجدلية ليست عين الدليل الذي علم به الإنسان
وإذا تجاوزنا مسألة انتهاء النظري إلى الضروري، ظهر في كلام ابن تيمية أصل أوسع من مجرد التأسيسية؛ وهو تفريقه بين العلم الحاصل في النفس، والسبب الذي أوجده، والحجة التي يستطيع العالم أن يقدمها لغيره.
وهذا من أوضح المواضع التي يقرب فيها بناؤه من مباحث الخارجانية المعاصرة.
قال في شرح العقيدة الأصفهانية:
«وكثيرًا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر بها غيره، فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها، ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها».
ثم قال:
«ومع هذا فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلًا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم، وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إذا تصوره، فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء، والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر، وكثيرًا ما يتفقان كما يفترقان».
شرح العقيدة الأصفهانية، ص183-184.
فهنا أمور أربعة ينبغي فصل بعضها عن بعض:
وجود العلم في النفس؛
والسبب الواقعي الذي حصل به؛
وحضور ذلك السبب في الشعور والتذكر؛
والقدرة على إعادة صياغته في حجة يتعدى نفعها إلى شخص آخر.
وقد تجتمع هذه الأربعة، وقد تفترق.
فقد يحصل للإنسان العلم من مجموع قرائن لا يستطيع عدها، أو من خبرة طويلة يصعب تحويلها إلى مقدمات منفصلة، أو من إدراك مباشر، أو من خبر بلغ من القوة في نفسه مبلغ الضرورة، ثم إذا طولب بإقامة البرهان على غيره لم يستطع أن ينقل إليه عين الطريق التي حصل بها العلم؛ لأن غيره لم يشاركه في أسبابه.
ومن هنا يظهر الفرق بين السؤالين: بماذا علم الرجل؟ و: بماذا يستطيع أن يقنع غيره؟
ولهذا فحصول المعرفة عنده أسبق من صناعة الدفاع الجدلي عنها؛ ولا يلزم من قصور العالم عن بيان سبب علمه أن يكون فاقدًا للعلم، كما لا يلزم من حسن الرجل في صناعة الحجة أن تكون تلك الحجة هي السبب الذي ولّد اعتقاده أصلًا.
فصل: في الداخلانية والخارجانية، ووجه قرب البناء التيمي من الخارجانية
ومن أشهر التقسيمات المعاصرة تقسيم نظريات التبرير إلى داخلانية (Internalism) وخارجانية (Externalism)، مع اختلاف كبير داخل كل واحد من الاسمين.
والمهم هنا خصوص الصورة التي تجعل الوضع المعرفي للاعتقاد متوقفًا على أن تكون مسوغاته متاحة للفاعل بنوع من الوصول التأملي (Accessibility Internalism)، وهي الصورة التي ناقشها ألفن جولدمان على وجه الخصوص في نقده للداخلانية. راجع: Alvin I. Goldman, “Internalism Exposed”, 1999.
فإذا قيل: لا يكون الإنسان مبررًا في اعتقاده إلا إذا كان يستطيع، بالتأمل في حاله، الوصول إلى ما يبرره أو استحضاره على وجه مناسب، ظهر البعد بين هذا الشرط وبين كلام ابن تيمية السابق.
فإنه يصرح بأن الإنسان: «يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها».
شرح العقيدة الأصفهانية، ص183-184.
ويصرح بأنه قد: «لا يعلم دليلًا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم».
شرح العقيدة الأصفهانية، ص183-184.
وقد يكون سبب العلم حاضر الأثر غائب التفصيل، وقد يكون الإنسان قد استفاد من مجموع خبرات وقرائن لم يحولها قط إلى صورة قياس.
ومن هذه الجهة يقرب بناؤه من الخارجانية: إذ يجوز أن يكون للاعتقاد وضعه المعرفي لأجل الطريق الذي حصل به وسلامة القوى والأسباب التي أنتجته، وإن لم يكن الفاعل قادرًا على تمثيل كل ذلك في وعيه في اللحظة الراهنة.
غير أن ابن تيمية ليس «خارجانيّا خالصًا» بالمعنى الذي قد يوهم أن الأحوال الباطنة للفاعل لا شأن لها أصلًا؛ فإنه يجعل معرفة الإنسان بكونه عالمًا، متى حصلت له، راجعة إلى وجدان نفسه عالمة، لا إلى استدلال ثانٍ يقيمه على وجود علمه.
قال: «والجازم بعلم يجد من نفسه أنه عالم؛ إذ كون الإنسان عالمًا وغير عالم مثل كونه سامعًا ومبصرًا». وقال: «معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم مرجعه إلى وجود نفسه عالمة». الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم نقض المنطق، ص45-47.
ثم صرح بأن هذا الوجدان لا يفتقر إلى دليل آخر، فقال: «والإنسان يجد نفسه عالمة، وهذا حق؛ فإنه لا يجوز أن يستدل الإنسان على كونه عالمًا بدليل؛ فإن علمه بمقدمات ذلك الدليل يحتاج إلى أن يجد نفسه عالمة بها، فلو احتاج علمه بكونه عالمًا إلى دليل أفضى إلى الدور أو التسلسل».
لكن هذا لا يعني عنده أن الإنسان منتبه دائمًا إلى كل علم قائم بنفسه، ولا أن وجود العلم الأول يستلزم حضور علم ثانٍ بالفعل بأنه يعلم؛ بل يفرق صراحة بين وجود العلم في النفس وبين العلم بوجوده فيها.
قال: «فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان، وقد يشك في وجودها، أو لا يحسن أن يعبر عن وجودها… فهكذا العلم الضروري وغيره، قد يكون حاصلا في نفس الإنسان، وهو يشك في وجوده، أو يطلب وجوده، أو لا يحسن أن يعبر عنه؛ لأن وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر».
درء تعارض العقل والنقل، 7/424.
وأكد المعنى نفسه بقوله: «وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر، فالتمييز بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر».
درء تعارض العقل والنقل، 7/424.
بل قد يكون العلم موجودًا مع نوع غفلة عنه، فقال: «وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، مع نوع من الذهول والغفلة، فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم والإرادة».
درء تعارض العقل والنقل، 7/425.
فثم فرق بين وجود العلم في النفس، والعلم الانعكاسي بوجوده، والقدرة على تمييزه والتعبير عن أسبابه.
فالأول قد يكون حاصلًا مع الذهول عن الثاني، والثاني إذا حصل لا يحتاج في ثبوته إلى قياس يستدل به الإنسان على أنه يعلم، والثالث قد يتخلف مع ثبوت الأول والثاني؛ إذ قد يعلم الإنسان ويجد نفسه عالمة، ثم لا يستطيع إحصاء الأسباب التي حصل بها علمه ولا تحويلها إلى حجة لفظية لغيره.
وعلى هذا ينبغي تقييد قربه من الخارجانية أيضًا: فابن تيمية لا يشترط الوصول التأملي الراهن إلى أسباب العلم ومسوغاته في حصول أصل المعرفة، بل يصرح بأن العلم قد يكون قائمًا مع الذهول عنه نفسه، فضلًا عن الذهول عن أسبابه؛ لكنه في الوقت نفسه لا ينفي الوعي الباطن، بل يجعل مرجع معرفة الإنسان بكونه عالمًا ـ حين ينتبه إلى حاله ـ إلى وجود نفسه عالمة لا إلى برهان مستقل.
فصل: في أصل صحة الإدراك، ووجه الشبه مع الموثوقية Reliabilism
ومن أقوى النصوص التي يمكن مقارنتها بنظريات الموثوقية (Reliabilism) قوله:
«والغلط أو الكذب يعرض للإنسان في كل واحد من طرفي النفي والإثبات… كما يجزم بما يجده من الطعوم والأراييح وإن كان قد يعرض له من الانحراف ما يجد به الحلو مرًا».
ثم قال:
«فالأسباب العارضة لغلط الحس الباطن أو الظاهر والعقل بمنزلة المرض العارض لحركة البدن والنفس، والأصل هو الصحة في الإدراك وفي الحركة، فإن الله خلق عباده على الفطرة، وهذه الأمور يعلم الغلط فيها بأسبابها الخاصة، كالمرة الصفراء العارضة للطعم، وكالحول في العين، ونحو ذلك».
الانتصار لأهل الأثر، ص45.
فالقاعدة عنده ليست أن الحس والعقل متهمان حتى يبرهنا أولًا على سلامتهما؛ بل الأصل الصحة، والخطأ حالة عارضة تحتاج إلى سبب مخصوص يفسر الانحراف.
فوجود الأحول الذي يرى الواحد اثنين لا ينقض أصل الرؤية، ووجود الممرور الذي يجد الحلو مرًا لا يجعل كل ذوق محتاجًا إلى برهان مستقل على صدقه.
فالفساد يعرف بأسبابه الخاصة.
وهذا قريب في روحه من الموثوقية المعاصرة، وبخاصة ما ارتبط باسم الفن جولدمان Alvin Goldman؛ إذ تنقل الموثوقية موضع النظر من الاقتصار على السؤال عما يستطيع الفاعل استحضاره من حجج، إلى السؤال عن العملية التي ولدت الاعتقاد وحفظته، وهل هي من جنس العمليات الصالحة لإنتاج الاعتقاد الصادق.
ولهذا يمثل جولدمان بالإدراك والتذكر والاستدلال الجيد والاستبطان من بين العمليات التي تصلح، في أصلها، لأن تؤدي وظيفة معرفية، لكن التشابه ينبغي ألا يحمل أكثر مما يحتمل.
فجولدمان يعرف صدق الملكة بنسبة إحصائية من مخرجاتها، ويضع تعريفًا تقنيًا للتبرير على نحو Process Reliabilism، أما ابن تيمية فيقول بشيء أسبق وأوسع في بنائه: أن الله خلق الإنسان على فطرة لها قوى إدراك، وأن الأصل في فعل تلك القوى الصحة، وأن فسادها يعرف بسبب عارض مخصوص.
فصل: في الفرق بين الموثوقية والمعصومية الفطرية عند ابن تيمية
وهنا ينبغي أن لا يطغى الشبه بجولدمان على الفرق الذي تقدم تقريره.
فالموثوقية المعاصرة في أشهر صورها سقوطية (fallibilist)؛ فقد تكون العملية موثوقة مع أنها تنتج الخطأ أحيانًا.
أما الضروري بعموم عند ابن تيمية فليس مجرد اعتقاد صدر عن آلة غالبًا ما تصيب فإذا هو “غالبًا” صواب.
فالضروري من حيث هو ضروري بعد تعيينه ليس مجرد مخرج احتمالي حسن لعملية موثوقة؛ بل هو العلم الذي يلزم النفس بحيث لا يمكنها دفعه، وتقوم عليه مواد النظر نفسه وهو صحيح دائمًا لا يجوز الغلط فيه، أما ما يحصل للمرضى فهذا ليس علمًا ضروريّا أصلًا.
يقول: «والذي يناله الإنسان بهذه الأسباب قد يكون علمًا، وقد يكون ظنًا لا يعلمه، وما يقوله ويعتقده ويحسه ويتخيله قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا». بيان تلبيس الجهمية 1/434
ولهذا إذا أخطأ الإنسان في دعوى الضرورة لم يقل ابن تيمية إن «الضروري كان كاذبًا»، بل يرد الخطأ إلى اشتباه المتعلق، أو فساد التصور، أو خلط قضية بقضية، حتى «يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه» لكن لا يقول قد تكون هناك ضرورة قائمة بنفس الإنسان فعلًا لكنها وهمية غير مطابقة للواقع، يبينه قوله: «فما علمه هو ضرورة لا يمكنه أن يشك فيه». مجموع الفتاوى، 5/270.
لأننا «إذا جوزنا أن يكون في البديهيات ما هو باطل، لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو صحيح من البديهيات الأولى، وما هو كاذب…» ثم ينتهي إلى: «فلا يبقى طريق يعلم به الحق من الباطل… وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة». درء تعارض العقل والنقل، 6/15.
وقد تحصل شبهة أننا قد نرى سرابًا فنظنه ماء، أو أن المريض النفسي الذهاني قد يهلوس بخيالات لا حقيقة لها، لكن هذا أساسًا بهذه الحال يكون فاسد العقل، لا يملك عقله أن ينتج علمًا ضروريّا جازمًا به حال مرضه – أي في موضوع المرض – فهو في ذلك كـ «المجنون فاسد العلم والقصد». النبوات، 2/1042. فلا يملك علومًا كتلك العلوم التي تقوم في نفس الإنسان السليم بكل ما يقترن بها في النفس مما يدفعه لتصديقها والاقرار بسلامة حسه الأصلية «وهذا بخلاف لفظ العلم والعقل والإحساس، فإن هذا إنما يقال على نفس الإدراك، الذي هو الإدراك الصحيح» بيان تلبيس الجهمية، 1/318–319.، وإلا فالإنسان السليم يميز بين ما يراه وبين ما يعقله: «وبه يعرف غلط الحس إذا الأحول يرى الواحد اثنين والممرور يجد الحلو مرًا، لكن العقل به يميز سلامة الحس من فساده». بغية المرتاد، ص267
بينما في مثال المهلوس فأقرب إلى قوله:«بخلاف المجنون فإن حسه وإدراكه باق والعقل زائل». شرح عمدة الفقه – كتاب الصلاة، ص44، «فإذا رأى من له عقل حسًا يدرك به خلاف ذلك علم فساده ونظر في سبب فساده، وكذلك المجنون… لا يميز بين الدينار وبين الدرهم وغيره». بغية المرتاد، ص267–268.
فإن زال عنه عارض الهلوسة وكان واعيًا بمن حوله فإنه يمكن أن ينبه: «وإن اعتقد أنه صادق فيما يخبر به عن نفسه، ولكنه مخطئ، لاشتباه معنى عليه بمعنى آخر، واشتباه لفظ بلفظ، أو غير ذلك، أو لخلل وقع في إدراك حسه وعقله، أو لنوع هوى خالط اعتقاده، فهذا طريقه أن يبين له ما يزيل الاشتباه، حتى يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره، أو يصلح إدراكه بإزالة الهوى، والاعتقاد الفاسد، الذي جعله يظن ما ليس بضروري ضروريًا». بيان تلبيس الجهمية، 1/56.
وهو بمثابة النائم فـ «هو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه»، ثم: «فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك خيالات ومثالات».
وتمام هذا التقرير قول الشيخ:
«فلا بد له من الحسيات التي هي الأصل ليعتبر بها والحس إن لم يكن مع صاحبه عقل وإلا فقد يغلط. والناس يقولون: غلط الحس والغلط تارة من الحس وتارة من صاحبه؛ فإن الحس يرى أمرا معينا فيظن صاحبه فيه شيئا آخر فيؤتى من ظنه فلا بد له من العقل. ولهذا النائم يرى شيئا وتلك الأمور لها وجود وتحقيق؛ ولكن هي خيالات وأمثلة؛ فلما عزب ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتا ويكلمونه ويفعل أمورا كثيرة وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل لأن عقله عزب عنه وتلك الصورة التي رآها مثال صورته وخيالها؛ لكن غاب عقله عن نفسه حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك خيالات ومثالات، ومن الناس من لا يغيب عقله بل يعلم في المنام أن ذلك في المنام وهذا كالذي يرى صورته في المرآة أو صورة غيره فإذا كان ضعيف العقل ظن أن تلك الصورة هي الشخص حتى أنه يفعل به ما يفعل بالشخص. وهذا يقع للصبيان والبله كما يخيل لأحدهم في الضوء شخص يتحرك ويصعد وينزل فيظنونه شخصا حقيقة ولا يعلمون أنه خيال فالحس إذا أحس حسا صحيحا لم يغلط» مجموع الفتاوى (13/ 75)
فالشيخ يجعل ذلك من باب الظن لا أنه يجزم بضرورية ذلك ثم يتبين له فسادها مع كونها متساوية في نفسه مع سائر الضرورات من جهة القوة
فثم فرق بين: موثوقية الملكة في عامة أفعالها، ومعصومية نفس العلم الضروري من حيث هو ضروري.
فصل: في الدليلية Evidentialism
وأما الدليلية في الاستعمال المعاصر فتدور في صورتها العامة على أن الوضع التبريري للاعتقاد تابع لما لدى الشخص من دليل مؤيد له، مع اختلاف أصحابها اختلافًا واسعًا في حقيقة «الدليل» وما يدخل فيه وكيف تكون علاقة التأييد.
وبالنظر إلى أصول ابن تيمية، فكل معرفة نظرية عنده لا بد لها من موجب وطريق صحيح، ولا يجوز تقديم الدليل الأضعف على الأقوى.
لكن جعل «الدليل» مساويًا دائمًا لقضية أخرى يستدل بها على القضية الأولى يوقع فيما أبطل هو إمكانه؛ لأن كل علم نظري عندئذ يحتاج إلى علم قبله، ثم يحتاج ذلك إلى غيره، ولا تنتهي السلسلة إلا إلى علم لا يستمد تصديقه من دليل استدلالي سابق.
ولهذا كان قوله: «فلا بد من علوم بديهية أولية».
فإن سميت الخبرة الحسية نفسها دليلًا، أو جعلت الإدراكات المباشرة والأحوال المعرفية الباطنة من الأدلة، اتسع معنى الدليل حتى صار النزاع في جزء منه اصطلاحيًا.
أما أن يشترط في كل معرفة أن يملك صاحبها برهانًا قضويًا آخر عليها، فهذا يناقض بنية المعرفة التي يقررها ابن تيمية.
ويزداد الأمر وضوحًا إذا ضم إلى ذلك قوله:
«معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم: مرجعه إلى وجود نفسه عالمة».
فليس كل وضع معرفي محتاجًا إلى شهادة قضوية ثانية مستقلة عنه تمنحه صفته المعرفية؛ بل من العلم ما يجد الإنسان نفسه عليه، ثم تكون الأقيسة اللاحقة مبنية على هذا الوجدان لا منشئة له.
كما أن المعرفة بالخارج عنده لا تبنى كلها من قضايا سابقة في النفس، بل قد تبدأ بإدراك المعين ثم يعمل العقل الفطري فيه؛ فالدليلية إذا أريد بها حصر الوضع المعرفي في علاقات تأييد بين قضايا صريحة تفوت عليها هذه الطبقة السابقة من الحس والاعتبار والوجدان.
ويضاف إلى ذلك ما تقدم من أن سبب العلم قد لا يكون حاضرًا كله في الوعي؛ فإن اشترطت الدليلية أن يكون كل ما يمنح الاعتقاد منزلته المعرفية حاضرًا عند الشخص على صورة مادة يمكن استعراضها تأمليًا، زاد بُعدها عن البناء التيمي.
أما إذا وسعت «الدليل» حتى دخل فيه الحس، والذاكرة، والخبرة، والقرائن، والخبر، والحالات الوجدانية المباشرة، بقي من النزاع مقدار كبير في ماهية الدليل لا في أصل أن للمعرفة أسبابًا وموجبات.
فصل: في الخبر والتواتر والإبستمولوجيا الاجتماعية
ولا تنحصر المعرفة عند ابن تيمية في علاقة الفرد بالعالم المحسوس؛ بل للخبر مكان واسع في بنائه، وهو ما يقربه من مباحث الإبستمولوجيا الاجتماعية (Social Epistemology).
قال في العلم بالأخبار:
«الصحيح ما عليه الأكثرون: أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة، وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم، وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك، وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة».
وقال:
«العلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقب الأكل والري عند الشرب».
ثم بين اختلاف أسباب ذلك فقال:
«تارة يكون لكثرة المخبرين… وتارة يكون لدينهم وضبطهم، فرب رجلين أو ثلاثة يحصل من العلم بخبرهم ما لا يحصل بعشرة وعشرين لا يوثق بدينهم وضبطهم».
وقال:
«وتارة قد يحصل العلم بالخبر لمن عنده الفطنة والذكاء والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به».
ثم استخلص:
«وإذا عرف أن العلم بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد علم أن من قيد العلم بعدد معين وسوى بين جميع الأخبار في ذلك فقد غلط غلطًا عظيمًا».
مجموع الفتاوى، 18/48-51.
فليس التواتر عنده آلة حسابية ينتج عنها العلم بمجرد بلوغ رقم واحد في جميع المواطن؛ بل حصول العلم بالخبر تابع لمجموع من الأسباب:
كثرة المخبرين، واستقلال طرقهم، وضبطهم، وصدقهم، والقرائن المحتفة، ومعرفة السامع بأحوالهم، ومعرفته بالمخبر عنه، وقوة فطنته وخبرته.
ولهذا «قد يحصل العلم بطائفة دون طائفة». ويظهر هذا أيضًا في علم الصناعات؛ فإن الإنسان قد يعرف بواسطة أهل الخبرة ما لم يباشر أسبابه التجريبية بنفسه.
قال في الطب: «مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة». منهاج السنة، 5/93.
فالعامي لا يعيد التجربة الطبية من الصفر حتى يجوز له أن يعلم فائدة دواء؛ بل يدخل اتصال المعرفة بين الناس في الأسباب الطبيعية التي تنتقل بها العلوم.
ومن هذه الجهة توجد صلة قوية أيضًا بمشروع جولدمان المتأخر في Knowledge in a Social World، حيث انتقل من موثوقية العمليات الفردية إلى دراسة الشهادة، والسلطة المعرفية، والحجاج، والمؤسسات والممارسات الاجتماعية من حيث أثرها في إنتاج الاعتقادات الصادقة ونقل المعرفة.
وهذا مما يجعل جولدمان نظيرًا أوسع لابن تيمية من جهة البنية العامة للمعرفة، لا من جهة الفطرة الدينية خاصة.
فصل: في بلانتنغا ووجه شبهه بابن تيمية في الفطرة والمعرفة الدينية
وإذا نظرنا في أقرب النظائر المعاصرة من جهة المعرفة بالله والفطرة ظهر ألفن بلانتنغا ظهورًا قويًا.
فهو لا يجعل كل اعتقاد معرفي محتاجًا إلى أن يستمد وضعه من قضية أخرى استدل بها عليه، ويجعل الاعتقاد بالله ممكنًا على جهة أساسية غير استدلالية، ويربط المسوِّغ warrant بعمل الملكات عملًا صحيحًا في البيئة المناسبة وفق خطة معرفية موجهة إلى الحقيقة.
وهذا يشبه من وجوه قول ابن تيمية: «في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع».
وقوله إن: «الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته».
وكلامه في أن الأسباب الخارجية قد تكون منبهة ومذكرة ومحركة للفطرة، لا منشئة لأصل استعدادها من العدم.
ولهذا يكون بلانتنغا من أقوى النظائر الحديثة إذا كان السؤال مخصوصًا بـ:
المعرفة الدينية غير الاستدلالية، والفطرة، والعمل السليم للملكة.
لكن ابن تيمية لا يقصر نظريته المعرفية على هذا الباب؛ ولذلك إذا وسع السؤال إلى الحس، والتذكر، والخبرة، والخبر، وتعدد أسباب العلم، والتفاوت بين الفاعلين، وعدم استحضار المسوغات.
فصل: في جولدمان ووجه قرب الموثوقية والخارجانية من الهيكل العام
أما إذا كان السؤال عن الهيكل العام لكيفية حصول المعرفة عند ابن تيمية، فإن ألفن جولدمان يظهر بوصفه نظيرًا أوسع.
فجولدمان ينقل مركز البحث من الاقتصار على:
ما الحجج التي يستطيع الفاعل الوصول إليها الآن؟
إلى:
ما العملية التي ولدت اعتقاده؟ وكيف تكون؟ وهل هي من جنس العمليات الصالحة لإنتاج الاعتقاد الصادق؟
ولهذا كانت الموثوقية عنده نظرية تاريخية من هذا الوجه؛ لأن الوضع المعرفي للاعتقاد يتأثر بكيفية تكونه، لا بمجرد الحالات التي يستطيع الإنسان استعراضها في تأمله الحالي.
وهذا شديد الشبه بجملة من الأصول التيمية: أن «معرفة الحق له أسباب متعددة»؛ وأن سبب العلم قد يختلف عن الحجة الجدلية؛ وأن أسباب العلم قد لا تكون مستحضرة ولا محصاة؛ وأن الحس والعقل أصل فعلهما الصحة؛ وأن فساد الإدراك يعرف بسبب خاص؛ وأن الخبرة قد تجعل الحكم ضروريًا عند أحد خفيًا عند الآخر؛ وأن الدليل لا ينتج العلم بمجرد وجوده في نفسه، بل لا بد من إدراك القلب له؛ وأن الخبر والشهادة والقرائن من أسباب المعرفة؛ وأن الماضي المعرفي للاعتقاد لا يختزل في مواد التأمل الراهنة.
ولهذا تكون المقارنة بجولدمان أعمق من مجرد اشتراك الطرفين في قبول معتقدات غير مستدل عليها.
ولكن يبقى الفرق الذي سبق: ابن تيمية لا يقدم تعريفًا إحصائيًا أو احتماليًا للموثوقية، ولا يجعل الموثوقية reliability وحدها مفتاح كل وضع معرفي، بل يبني المسألة على تصور أوسع للفطرة، والخلقة، والضرورة، والوجدان، وصحة القوى وفسادها، وعلاقة المعرفة بإرادة الحق أو الهوى.
فصل: في سوسا وتوماس ريد، وأن النظير الواحد لا يستوعب البناء كله
ومن جهة أخرى، يظهر شبه مع إرنست سوسا في المواضع التي يجعل فيها ابن تيمية تفاوت الناس في الخبرة والفطنة وقدرتهم على التقاط الدلالات جزءًا من تفسير تفاوت المعرفة.
فالخبير قد يدرك ضرورة ما يحتاج غيره فيه إلى استدلال؛ وهذا يجعل كفاءة الفاعل جزءًا من القصة المعرفية، لا مجرد وجود الدليل خارجًا عنه.
ويظهر توماس ريد من جهة ثقته بالمبادئ الفطرية والحس المشترك، ورفض الشك المنهجي الشامل في القوى التي لا تقوم المعرفة إلا بها.
لكن الشبه بريد يحتاج إلى قيد؛ إذ لا يلزم من تشاركهما في الثقة الفطرية أن تتحد تفاصيل بنائهما في السببية أو الميتافيزيقا أو غيرها.
فلا جولدمان وحده يستوعب ابن تيمية، ولا بلانتنغا، ولا سوسا، ولا ريد.
وإنما تتوزع النظائر بحسب جهة البحث:
ففي الفطرة والمعرفة بالله والوظيفة السليمة يظهر بلانتنغا.
وفي تاريخ الاعتقاد، والعمليات المعرفية، ونقد الوصول التأملي، والخبر والمعرفة الاجتماعية يظهر جولدمان.
وفي الكفاءة والخبرة وتفاوت الفاعلين يظهر سوسا.
وفي الثقة الطبيعية بالحس والمبادئ المشتركة ورفض الشك الشامل يظهر ريد.
لكن كما ذكرنا فالبناء التيمي نفسه أسبق من هذه المقارنات وأوسع من أن يختزل في واحد منها.
خاتمة
يمكن تلخيص بنية منهج شيخ الإسلام المعرفية، من جهة التحليل، بأنها حسية المادة في تعلقها بالخارج، عقلية الاعتبار والتجريد، فطرية البنية والاتجاه.
فهي حسية من جهة أن العلم بالحقائق الخارجية لا يستغني عن الحس الباطن أو الظاهر.
وعقلية من جهة أن العقل ينتزع القدر المشترك ويحول العلم بالمعينات إلى حكم عام.
وفطرية من جهة أن «الفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعليم»، وأن «في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع».
ولهذا يصعب العثور على نظير فلسفي تام له في هذا الباب؛ إذ لا يقصر موضع الثقة على حدوس نخبة أو مجال ضيق من الوعي الداخلي، بل يربطه بالفطرة الإنسانية المشتركة التي يقوم بها عقل الإنسان العادي قبل صناعة الفيلسوف، والتي لا تقوم صناعة الفيلسوف نفسها إلا بها.




