أبحاث عقدية

مختصر مسألة الخلق من مادة عند شيخ الإسلام ابن تيمية

1. تحرير محل النزاع:

يجازف بعض من يتكلم في هذا الباب، فيزعم أن ابن تيمية قد رجع في النبوات عن تجويز إبداع المخلوق من غير مادة، وصار إلى أن كل عين حادثة فلا بد لها من مادة متقدمة عليها، وأن المادة هي محل إمكانها، حتى تكون القدرة الإلهية لا تتعلق أصلًا بخلق أي مخلوق من غير مادة. وهذا غلط نشأ من جمع أمور متباينة وجعلها شيئًا واحدًا؛ فإن هاهنا أربع مسائل يجب الفرق بينها: أن يكون خلق العين بلا مادة ممتنعًا في نفسه، وأن تكون المادة شرطًا في تعلق القدرة الإلهية، وأن يكون نظام الخلق الذي أجراه الله بالفعل خلقَ شيء من شيء ومادة من مادة، وأن يمتنع عند ابن تيمية وجود حادث أول مطلق بعد خلو الوجود من جنس الحوادث.

والثابت عنه إنما هو الأخيران؛ فإنه يقرر أن الخلق المشهود والمخبر به إنما يجري على خلق شيء من شيء، كما أنه يبطل أن يكون ثم أول حادث بعد تعطيل مطلق. فأما أن ينتقل من هذا إلى جعل المادة شرطًا ذاتيًا في المقدور، أو قيدًا على قدرة الرب سبحانه، فهذا هو الذي يفتقر إلى دليل، بل النصوص الصريحة عنه تناقضه.

ولا يكفي في إثبات دعوى «التراجع» أن يوجد في النبوات قوله: «لم يذكر الله قط أنه أحدث شيئًا إلا من شيء»؛ فإن المطلوب إنما هو نص يدل على أن الإحداث بلا مادة قد صار عنده ممتنعًا في نفسه أو غير مقدور لله، لا مجرد الإخبار بأن الله لم يجر نظام الخلق عليه. وليس اختلاف العبارة بين كتابين موجبًا لاختلاف المذهب، إذا أمكن حمل كل عبارة على جهة غير الجهة الأخرى، لا سيما وهو نفسه يميز بين تلك الجهات.

2. ومن الغلط أن تبنى دعوى التحول في المذهب على توهم أن النبوات جاء بأصل لم يكن معروفًا في سائر كلامه، فإن هذه المعاني بعينها مبثوثة في كتبه الأخرى.

ففي منهاج السنة يقول: «وليس فيما أخبر الله تعالى به في القرآن وغيره أنه خلق السماوات والأرض من غير مادة، ولا أنه خلق الإنس أو الجن أو الملائكة من غير مادة، بل يخبر الله أنه خلق ذلك من مادة، وإن كانت المادة مخلوقة من مادة أخرى» (منهاج السنة 1/363).

وفي بيان تلبيس الجهمية يقول عن قول بعض الجهمية: «إن السموات والأرض خلقتا من غير مادة ولا في مدة»: «كل ذلك مخالف لنصوص القرآن» (بيان تلبيس الجهمية 1/473).

وفي منهاج السنة أيضًا جمع بين الأصلين اللذين يوجدان في النبوات: عموم الخلق المشهود من مادة، وكون ذلك متعلقًا بالحكمة، فقال: «وإثبات المادة التي خلق منها المطر والشجر والإنسان والحيوان مما يدل على حكمته»، ثم قال عقبه: «ونحن لا نعرف شيئًا قط خلق إلا من مادة، ولا أخبر الله في كتابه بمخلوق إلا من مادة» (منهاج السنة 5/444).

بل النموذج الكلامي الذي يناقشه في النبوات له نظير صريح في درء التعارض؛ إذ يصف مذهبهم بأنه «أن الرب لم يزل معطلًا لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئًا، بل إنما تحدث صفات تقوم بها» (درء التعارض 3/84).

فليس في النبوات ظهور مبتدأ لنظرية «مادة من مادة»، ولا لنقد القول بجواهر أولى حدثت بعد التعطيل. فبغض النظر عن الترتيب التاريخي لتأليف هذه الكتب، فإننا حتى الآن يكفينا إبطال الاستدلال بتفرد النبوات بمذهب جديد؛ إذ لا بد في دعوى التراجع من إثبات تناقض حقيقي بين القولين، لا مجرد الظفر بعبارة قصيرة حمالة أوجه والدفع بالصدر في حملها على تأويل معين ثم الاتكاء على أنه آخر ما ألفه لنسخ كل توجيه يوافق بين عبارته وبين ما قرره في كل كتبه السابقة طوال عمره وشدد عليه.

3. منشأ الإشكال هو جمع معانٍ مختلفة للإمكان في معنى واحد؛ مع أن ابن تيمية يميز بين اصطلاح أرسطو، وابتكار ابن سينا، وحكمه هو على الممكن في نفسه

ولفظ «الممكن» ليس متواطئًا على معنى واحد عند الفلاسفة أنفسهم، وهذا أصل لا بد من تحقيقه لفهم حجتهم في المادة. فإن أرسطو وقدماء الفلاسفة، بحسب تحرير ابن تيمية لمذهبهم، لم يكونوا يقسمون الموجود القائم بالفعل إلى «واجب» و«ممكن» على اصطلاح ابن سينا، بل الممكن عندهم إنما يتعلق بما هو معدوم ثم يقبل الوجود؛ ومن هاهنا اقترن الإمكان عندهم بالقوة والاستعداد في القابل. يقول ابن تيمية: «الممكن في كلام سلفهم الفلاسفة كأرسطو وأصحابه إنما يكون في حال العدم، ولهذا يقولون إن الإمكان يفتقر إلى محل يقوم به قبل حصول الممكن… فلا بد له من مادة تقوم به»، ثم يعقب: «وأولئك لم يكونوا يقسمون الموجود إلى واجب وممكن، وإنما هذا تقسيم ابن سينا وأتباعه» (الصفدية 2/186).

ويقرر هذا المعنى نفسه في درء التعارض: «أكثر الفلاسفة من أتباع أرسطو وغيره مع الجمهور يقولون: إن الإمكان لا يعقل إلا في المحدثات، وأما الذي ادعى ثبوت ممكن قديم فهو ابن سينا ومن وافقه» (درء التعارض 3/140). ويقول في منهاج السنة: «أرسطو وقدماء أصحابه – مع سائر العقلاء – يقولون: إن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثًا كائنًا بعد أن لم يكن»، ثم يبين أن ابن سينا خالفهم حين جعل العالم مع قدمه «في نفسه ممكنًا» وواجبًا بغيره (منهاج السنة 1/374).

فالفرق بين المقالتين ظاهر؛ فإن الإمكان الأرسطي القديم في هذا المقام هو إمكان تكوّن وانتقال من القوة إلى الفعل في قابل؛ وأما ابن سينا فإنه وسّع مسمى «الممكن في نفسه»، فجعل الموجود نفسه – ولو فرض قديمًا أزليًا – ممكنًا بالنظر إلى ذاته، واجبًا بالنظر إلى علته. ولهذا يقول ابن تيمية عن ابن سينا: «أخذ القدر المشترك وهو إمكان أن يوجد وأن يعدم مع قطع النظر عما هو متصف به في الحال» (الصفدية 2/186)، ثم يعترض عليه من جهة أنه جمع بذلك بين كون الشيء واجبًا بغيره على الدوام وبين كونه قابلًا للعدم.

ومعلوم أن ابن تيمية لا يمنع أن يوصف الشيء بأنه «ممكن في نفسه»، بل يستعمل هذا اللفظ تصريحًا في مواضع لا تحصى من كتبه وأدلته ومناقشاته لخصومه؛ لكنه لا يجعل معناه ماهية ثابتة في الخارج قبل وجودها، ولا صفة وجودية تسمى «الإمكان» قائمة في مادة. يقول: «وما لم يشأ لم يكن… وإن كان الله قادرًا عليه، وهو ممكن في نفسه، أي يمكن أن يخلقه الله لو شاء الله خلقه» (درء التعارض 9/115)، ويقول: «فما لم يوجد من الجائزات، فهو جائز باعتبار نفسه، وهو ممتنع لغيره» (درء التعارض 9/114).

ويبين المراد من ذلك بيانًا أتم فيقول: «وإذا قلنا: هذا الممكن يقبل الوجود والعدم، أو نفسه أو حقيقته لا تقتضي الوجود ولا تستلزم العدم، فنعني به أن ما تصوره العقل من هذه الحقائق لا يكون موجودًا في الخارج بنفسه… وليس في الخارج حقيقة ثابتة أو موجودة تقبل الإثبات والنفي، بل المراد أن ما تصورناه في الأذهان: هل يتحقق في الأعيان أو لا يتحقق؟» (درء التعارض 3/154).

فهنا يظهر الفرق بين ابن تيمية وابن سينا من وجه، وبينهما وبين أرسطو من وجه آخر. فإن ابن تيمية يثبت حكم العقل بأن الحقيقة المتصورة قد لا تكون ممتنعة في نفسها، لكنه يمنع أن يجعل هذا الحكم شيئًا ثبوتيًا موجودًا في الخارج قبل وجود المخلوق. ولهذا لما قال الفلاسفة إن الحادث قبل وجوده ممكن، ثم جعلوا إمكانه صفة ثبوتية تستلزم محلًا ماديًا، أجاب بأن «قبل وجود الممكن ليس له صفة؛ فيمتنع وجود إمكان هو صفة له قبل وجوده»، وأن ما يثبتونه من «إمكان وجودي من محل قبل وجود الممكن خيال محض» (مسألة حدوث العالم).

وينبغي التفطن أيضًا إلى أن «الإمكان الذهني» في اصطلاح ابن تيمية ليس هو دائمًا عين الإمكان الذاتي (الماهوي) من كل وجه؛ فإنه يقول في النبوات: «فالإمكان الذهني: وهو تجويز الشيء، أو عدم العلم بامتناعه»، ويقول في موضع آخر: «الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع… والإمكان الخارجي معناه العلم بالإمكان في الخارج» (درء التعارض 3/358). فعدم العلم بالامتناع ليس هو نفس العلم بأن الشيء ممكن في نفسه. وإنما المقصود هنا في نقض حجة وجوب المادة أن حكم العقل على حقيقة متصورة بأنها غير ممتنعة لا يستلزم أن تنقلب بذلك إلى صفة ثبوتية قائمة بمادة خارجية قبل وجودها.

4. أما الإمكان الخارجي عند ابن تيمية فليس «الإمكان الماهوي القائم بمادة سابقة»، بل حكم آخر له أساس واقعي قد يكون من جهة الفاعل أو من جهة القابل

وإذا تبين هذا، ظهر معنى التحقيق المذكور في النبوات. فإنه يورد أولًا حجة القائلين بضرورة المادة: «فإن الحادث إنما يحدث إذا كان حدوثه ممكنًا، وكان يقبل الوجود والعدم، فهو مسبوق بإمكان الحدوث وجوازه، فلا بد له من محل يقوم به هذا الإمكان والجواز»، ثم لا يسلمها على إطلاقها، بل يقول: «وقد تنازعوا في هذا: هل الإمكان صفة خارجية، لا بد لها من محل، أو هي حكم عقلي لا يفتقر إلى غير الذهن؟» (النبوات 1/327).

ثم يحقق موضع الإجمال فيقول: «والتحقيق: أنه نوعان: فالإمكان الذهني: وهو تجويز الشيء، أو عدم العلم بامتناعه، محله الذهن. والإمكان الخارجي المتعلق بالفاعل، أو المحل؛ مثل أن تقول: يمكن القادر أن يفعل، والمحل؛ مثل أن تقول: هذه الأرض يمكن أن تزرع، وهذه المرأة يمكن أن تحبل»، ثم يقول: «وهذا لا بد له من محل خارجي» (النبوات 1/328).

فليس معنى قوله «لا بد له من محل خارجي» أن كل ما هو ممكن في نفسه لا بد له من مادة تحمل «إمكان ماهيته»، وإنما مراده أن الإمكان إذا أريد به الإمكان الواقعي في الخارج فلا بد من جهة حقيقية في الخارج يصح بها هذا الإسناد: إما فاعل قادر، وإما قابل مستعد. ولهذا لم يقل إن محله المادة، بل قال: «المتعلق بالفاعل، أو المحل».

فأما جهة الفاعل فقال فيها: «فإذا قيل عن الرب: يمكن أن يخلق؛ فمعناه أنه يقدر على ذلك، ويتمكن منه. وهذه صفة قائمة به» (النبوات 1/328). فالإمكان الخارجي للخلق، إذا اعتبر من جهة الفاعل، محله هنا نفس القادر من جهة قدرته وتمكنه.

وهذا التفصيل أيضًا ليس مما انفرد به النبوات؛ بل يقول في الصفدية: «وسواء كان إمكان الحدوث مشروطًا بشرط من جهة الفاعل أو القابل» (الصفدية 2/173). فالإمكان الخارجي للحادث المعين قد تتجدد شروطه من جهة الفاعل، وقد تتجدد من جهة القابل؛ ولهذا لا يمتنع أن يكون الشيء ممكنًا في نفسه دائمًا، مع كون إمكان حدوثه المعين في الخارج مشروطًا بأمور حادثة.

ويبين أن «الإمكان الخارجي» ليس مجرد اسم آخر للتصور الذهني فيقول: «الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع… والإمكان الخارجي معناه العلم بالإمكان في الخارج» (درء التعارض 3/358). ولهذا أثبت لمعرفته طرقًا موضوعية، فقال: «والإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه»، ثم قال: «فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه» (درء التعارض 1/31-32).

فليس الإمكان الخارجي عنده جوهرًا قائمًا بنفسه، ولا صفة مستقلة يقال لها الإمكان، وإنما هو صدق الحكم بأن وقوع الشيء في الخارج غير ممتنع، وله في الخارج ما يقوم به هذا الحكم من فاعل أو قابل وشروطهما. ومن هاهنا كانت القدرة جهة حقيقية للإمكان، كما كانت القابلية جهة حقيقية له، من غير أن تكون واحدة منهما هي التي تنشئ إمكان الشيء في نفسه.

ومما ينفع في هذا الباب مناقشته لابن رشد؛ فإنه نقل عنه اعتراضه: «هذه مغلطة، فإن الممكن يقال على القابل وعلى المقبول»، ثم قوله: «والإمكان أيضًا منه ما هو من الفاعل، وهو إمكان الفعل، ومنه ما هو من المنفعل، وهو إمكان القبول» (درء التعارض 8/193، 196)، ثم صرح ابن تيمية بعلة ذكر هذه المناقشة فقال: «المقصود هنا أن أبين اختلاف اصطلاحهم في مسمى الممكن» (درء التعارض 8/198). فالمقصود بيان أن لفظ «الممكن» قد يطلق عندهم باعتبارات متعددة، فلا يجوز أخذ تلك الاعتبارات وجعلها معنى واحدًا في حجة واحدة.

وهذا هو عين ما وقع في حجة سبق المحل المادي؛ فإنهم أخذوا الحكم بأن الحادث ليس ممتنعًا، ثم جعلوه عين وجود قوة استعدادية في قابل، ثم ألزموا من وجود هذا القابل وجود مادة لكل إمكان. وأما ابن تيمية فيفرق بين الحكم على الشيء في نفسه، وبين إمكان الفعل من جهة الفاعل، وبين إمكان القبول من جهة المحل.

وأما احتجاج الفلاسفة بأن القدرة لا تصلح أن تكون تفسيرًا للإمكان، من جهة أن القدرة نفسها لا تتعلق إلا بالممكن، فلا يحصل لهم به مطلوبهم؛ فإن ابن تيمية نفسه يقول: «القدرة على الشيء فرع إمكان المقدور… فما لا يكون ممكنًا لا يكون مقدورًا» (درء التعارض 4/67)، ولكن القابل أيضًا لا يندفع عنه هذا الإشكال بمجرد أن يسمى «مادة». والعبارة «وكون الشيء قابلًا للشيء فرع إمكان وجود المقبول» تَرِد في الدرء ضمن كلام الآمدي الذي يناقشه، ثم يواجه ابن تيمية أصل التفرقة بقوله هو: «ما كان جوابًا لكم عن المقدور كان جوابًا لنا عن المقبول» (درء التعارض 2/213). فإذا كانت القدرة لا تنشئ الإمكان الذاتي، فالقابلية كذلك لا تنشئ الإمكان الذاتي؛ إذ الممتنع في نفسه لا يتصور أن يكون مقبولًا في قابل.

بل لا يجعل ابن تيمية جهة القابل أصلًا وجهة الفاعل فرعًا، بل يقول في موضع آخر: «ومعلوم أن الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل أقوى من الحاجة إلى القابل فيما له قابل» (درء التعارض 3/110).

فإذا جمع كلامه بعضه إلى بعض، كان ترتيب المسألة عنده هكذا: حقيقة متصورة يحكم العقل (بدليل) بأنها غير ممتنعة في نفسها؛ ثم إذا بحثنا في إمكان وقوعها خارجًا نظرنا إلى الفاعل وقدرته تارة، وإلى القابل واستعداده إن كان الفعل مما له قابل تارة، وإلى الشروط التي بها يتم إمكان وقوع الحادث المعين؛ ثم بعد ذلك يبقى تخصيص وقوعه محتاجًا إلى تمام السبب والمشيئة والحكمة التي تخصص زمانًا ومكانًا وقدرًا وصفة.

يقول في النبوات «والإمكان الخارجي: يراد به أن وجوده في الخارج ممكن، لا ممتنع، كولادة النساء، ونبات الأرض، وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل. وفي نفس الأمر ما ثم إلا ما يقع، أو لا يقع. والواقع لا بد من وقوعه، ووقوعه واجب لازم. وما لا يقع فوقوعه ممتنع، لكن واجب بغيره، وممتنع لغيره:
وقوع ما قدره الله واجب من جهات وهو واجب من جهات: من جهة علم الرب من وجهين، ومن جهة إرادته من وجهين، ومن جهة كلامه من وجهين، ومن جهة كتابته من وجهين، ومن جهة رحمته، ومن جهة عدله.»
النبوات لابن تيمية (2/ 911)

وبهذا يعلم أن قوله في النبوات: «لا بد لإمكانه من محل»، بعد هذا التحقيق والتفصيل، ليس رجوعًا إلى الحجة الأرسطية التي تجعل «إمكان الماهية» قوة وجودية قائمة في مادة؛ وإنما الكلام في الإمكان الخارجي الواقعي بعد أن فصل بين جهة الفاعل وجهة القابل، وجعل معنى «يمكن أن يخلق» في حق الرب هو بعينه: «يقدر على ذلك ويتمكن منه».

5. ثم ينتقل «النبوات» من إمكان الشيء إلى تعين وقوع الحادث، وهذه مسألة أخرى

ثم إنه بعد أن قال إن معنى «يمكن أن يخلق» أنه يقدر ويتمكن، قال: «وإذا قيل: يمكن أن يحدث حادث؛ فإن قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ممتنع» (النبوات 1/328).

وهنا انتقل الكلام من مسألة إلى مسألة؛ فلم يعد البحث في أصل إمكان المقدور، ولا في أصل قدرة الفاعل عليه، وإنما صار البحث في وقوع هذا الحادث المعين في هذا الوقت.

ولهذا قال في الصفدية: «أصل كونه فاعلًا لا يتوقف على حدوث شيء من الأشياء»، ثم قال: «وإحداثه للمعين قد يكون موقوفًا على إحداثه للمعين» (الصفدية 2/124) وهو كقوله في النبوات: «واختصاص ذلك الوقت بقيام مشيئةٍ، أو تمام تمكّنٍ، ونحو ذلك، لا يكون إلا لسببٍ قد أحدثه قبل هذا في غيره، فلا يحدث حادثٌ مبايِنٌ إلاَّ مسبوقاً بحادثٍ مباينٍ له» النبوات لابن تيمية (1/ 328)  فأصل الفاعلية لا يتوقف على حادث، وأما الفعل المعين فقد يكون مشروطًا بحادث معين قبله.

ومن هذا الباب تمام كلامه في النبوات: «والذي يقول إن جنس الحوادث حدثت لا من شيء، هو كقولهم: إنها حدثت بلا سبب حادث، مع قولهم إنها كانت ممتنعة، ثم صارت ممكنة، من غير تجدد سبب، بل حقيقة قولهم أن الرب صار قادرًا بعد أن لم يكن، من غير تجدد شيء يوجب ذلك»، ثم يقول: «وهذه الأمور كلها من أقوال الجهمية؛ أهل الكلام المحدث المبتدع المذموم، وهو بناء على قولهم: إنه تمتنع حوادث لا أول لها» (النبوات 1/328).

فهذه الخاتمة تبين نفس محل النزاع؛ فإن الكلام صريح في أنه متعلق بمسألة امتناع حوادث لا أول لها، وبالانتقال من التعطيل إلى الفعل، لا بإقامة برهان مستقل على أن المادة هي المصحح لقدرة الرب على الخلق.

وقد شرح هذا المعنى في درء التعارض بعبارة أصرح فقال: «إذا قيل: إنه قدر أنه لم يكن يحدث شيئًا قط ثم حدث حادث، فإما أن يحدث بسبب حادث أو بلا سبب حادث»، ثم قال: «وإذا قال القائل: فلم يحدث الحادث إلا بسبب حادث، ثم زعم أن الحادث الأول يحدث بغير سبب حادث فقد تناقض» (درء التعارض 1/321).

فلا يجوز تسوية عبارتي «من شيء» و«بسبب حادث» من كل وجه؛ فإن المادة السابقة جهة تكوينية في خلق الأعيان، وأما السبب الحادث فهو أعم منها، والمقصود به هنا تفسير تعين الحادث ووقوعه. وإنما يجتمع البابان في إبطال القول بالبداية المطلقة لجنس المخلوقات والحوادث بعد خلو تام منها.

6. وهذا يفسر أيضًا نقده للنموذج الكلامي: جواهر أولى بعد تعطيل، ثم لا خلق حقيقي للذوات

ويصف ابن تيمية في درء التعارض حقيقة القول الذي يبطله بقوله: «أن الرب لم يزل معطلًا لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئًا، بل إنما تحدث صفات تقوم بها» (درء التعارض 3/84).

فهذا القول مركب من أصلين: إثبات جواهر أولى حدثت بعد تعطيل مطلق، ثم إبقاء تلك الجواهر بعد ذلك، بحيث لا يكون الحادث إلا تبدل الصفات القائمة بها.

وأما عند ابن تيمية فالخلق متعاقب بلا أول، مخلوق بعد مخلوق، وتخلق فيه الذات نفسها بصفاتها؛ ولهذا ينكر أن يكون خلق الإنسان والنبات مجرد تبديل للأعراض، ويقول: «فكيف… يجعل الذي خلق الإنسان من نطفة، والشجرة من نواة، إنما أحدث الصفات؟»، ثم يقول عن السابق: «جسم آخر فسد واستحال، وليس هو الآن موجودًا… والله تعالى خلق إحداهما من الأخرى» (درء التعارض 3/85-86).

وهذا بعينه هو التحقيق الذي ذكره في النبوات: «والحق أن المادة التي منها يخلق الثاني تفسد، وتستحيل، وتتلاشى، وينشئ الله الثاني ويبتديه، ويخلق من غير أن يبقى من الأول شيء؛ لا مادة، ولا صورة، ولا جوهر، ولا عرض» (النبوات 1/317).

فليست المادة التي يقول بها هيولى أرسطية باقية تحت الصور، ولا هي جواهر المتكلمين الفردة التي تبقى ولا تفنى وإنما تتبدل أعراضها؛ بل المراد بالمادة السابقة ما منه خلق الشيء، ثم تفسد تلك المادة وتستحيل، وتحدث حقيقة أخرى لم تكن موجودة قبل ذلك.

ولهذا قال في وصف هذا الخلق نفسه: «والمشهود المعلوم للناس إنما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثًا من غير مادة»، ثم أتبع ذلك بوصف عظيم الدلالة فقال: «وهذا هو القدرة التي تبهر العقول؛ وهو أن يقلب حقائق الموجودات فيحيل الأول ويفنيه ويلاشيه، ويحدث شيئًا آخر» (النبوات 1/322)، ثم قال: «وخلق الشيء من غير جنسه أبلغ في قدرة القادر الخالق» (النبوات 1/324).

فليس الخلق من مادة في هذا الباب دليلًا عنده على عجز عن الخلق بغيرها أصلًا، بل قلب حقيقة موجودة، وإفناؤها، ثم إبداع حقيقة أخرى من غير جنسها، هو عنده أبلغ في القدرة.

7. ولهذا لا يجوز تحويل قوله «لم نشهد إلا من مادة» إلى استقراء يثبت استحالة خلافه

وابن تيمية يثبت بالفعل أن المشهود هو التكوين من شيء، ويقول في بيان تلبيس الجهمية: «لكن لم نشهد تكون شيء إلا من شيء، فهذا حق كما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز» (بيان تلبيس الجهمية 2/267).

لكن أصوله نفسها تمنع من أن ينتقل من قولنا «لم نشهد» إلى قولنا «فخلافه ممتنع في نفسه». فإنه يقول في مسألة حدوث العالم: «ومعلوم أن عدم شهادة الحس لا تنفي ثبوت ما لم يشهده، ولو كان ما لم يشهده الإنسان بحسه ينفيه؛ لبطلت المعقولات والمسموعات».

بل يقرر في درء التعارض أن معرفة الإمكان الخارجي لا تنحصر في المشاهدة المباشرة، فيقول: «والإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه، فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه»، ثم يقول: «فإذا تبين كون الشيء ممكنًا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه» (درء التعارض 1/31-32).

فذكر «المشهود» في النبوات إنما يثبت النظام الذي عرفناه وشهدناه واستدللنا منه، ولا يجعل الحس أصلًا يحكم بامتناع كل ما لم يقع تحت المشاهدة.

8. بل المشهود من الخلق من مادة عنده أبلغ في القدرة من الخلق بلا مادة، ومنه يستدل على ما هو أهون بطريق الأولى

ويقول ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية في الحيوان والنبات: «فنفس هذه الذوات شهدنا حدوثها وخلقها، لكن خلقت من شيء آخر ليس هو من جنسها ولا من حقيقتها، وهذا من أبدع الأمور وأعظمها»، ثم يقول: «فقد شهدنا إبداع هذه الحقائق الموجودة وصفاتها بعد أن لم تكن موجودة» (بيان تلبيس الجهمية 2/269).

ثم يزيد هذا المعنى بيانًا فيقول: «وهذا الذي شهدناه من أبلغ الإبداع أنه يخلق من الشيء ما لا يكون مجانسًا له، ولا يكون الأصل مشتملًا على ما فيه الفرع من الصفات… فقد شهدنا إبداع الجواهر والأعراض بعد عدمها، وهذا كاف في ذلك… ثم عقلنا بطريق الاعتبار والقياس ما لم نشهده» (بيان تلبيس الجهمية 2/270).

ثم يذكر فرض حدوث الذوات ابتداء من غير سبق مادة وطينة، ويقول: «بل كيف إذا كان ما شهدناه أبلغ من الذي سلمناه»، ثم يبين وجه الأولوية بقوله: «ومن المعلوم أن إبداع هذا الإنسان المركب بما فيه من الأعضاء المختلفة ومنافعها وقواها… من أشياء بسيطة أعظم في الاقتدار وأبلغ في الحكمة من إبداع شيء بسيط لا من شيء» (بيان تلبيس الجهمية 2/275).

ثم يقيسه على القياس القرآني في المعاد فيقول: «فإذا كان مستقرًا في الفطرة العقلية أن ابتداء الخلق أعظم من إعادته، فمستقر فيها أن إبداع المركبات وتركيبها وصفاتها بعد العدم أبلغ من إبداع البسائط المفردات» (بيان تلبيس الجهمية 2/276).

وهذا الكلام إنما ورد في مقام جدلي، فلا يجوز أن يجعل دليلًا على أن ابن تيمية يثبت وقوع خلق بسائط في العالم بلا مادة؛ لكنه قاطع في أمر آخر، وهو أنه لا يجعل فرض إبداع البسيط بلا مادة ممتنعًا في نفسه أو خارجًا عن القدرة، بل يجعل ما نشاهده أبلغ منه في الاقتدار، ويستعمل فيه نفس قياس الأولى الذي قرره في طريق معرفة الإمكان الخارجي.

9. السبب في انتظام الخلق بالمواد والأسباب عنده هو الحكمة، لا افتقار الخالق إليها

ويقول ابن تيمية: «والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها، وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب، ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها» (مجموع الفتاوى 8/391).

فهذان المعنيان عنده متلازمان: «جعل خلق البعض شرطًا»، وكونه «هو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب». فالشرط الذي خلقه الرب ورتبه في العالم لا يكون علة افتقار في نفس الرب سبحانه.

ويقول في مسألة حدوث العالم: «ما خلقه من الأسباب لم يخلقه لحاجته في خلق المسبب إليه؛ بل لأن له في خلقه من الحكمة ما له في خلق المسببات أيضًا».

بل قد ذكر النبوات نفسه حكمة مخصوصة للخلق من مادة فقال: «فكون الشيء مخلوقًا من مادة وعنصر، أبلغ في العبودية من كونه خلق لا من شيء، وأبعد عن مشابهة الربوبية؛ فإن الرب هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد» (النبوات 1/325).

وهذا التعليل أيضًا ليس مما انفرد به النبوات؛ ففي جواب الاعتراضات المصرية يقول: «فنزهه وقدسه عن الأصول والفروع والنظراء والأمثال. وليس في المخلوقات شيء إلا ولا بد أن ينسب إلى بعض هذه من الأعيان والمعاني، فالحيوان من الآدمي وغيره لا بد أن يكون له إما والد وإما مولود وإما نظير هو كفؤه، وكذلك الجن والملائكة» (جواب الاعتراضات المصرية، ص115).

وفي هذا دلالة ينبغي ألا تغفل؛ فإن ابن تيمية لم يجعل هذا الأصل في صورة قول كلي مؤداه أن «كل مخلوق لا بد عقلًا أن يكون له أصل مادي سابق»، بل جعله على التخيير فقال: «إما والد وإما مولود وإما نظير». ومعلوم أن المخلوق قد لا يكون له مولود أصلًا، وإنما المراد نفي الصمدية والاستقلال المختصين بالخالق، وإظهار افتقار المخلوق وتعلقه بغيره من وجه من الوجوه. فلا يصح أن يقلب هذا التعليل نفسه برهانًا على أن وجود أصل مادي سابق شرط في قدرة الله على كل مخلوق.

وأصرح من هذا ما في منهاج السنة: «وإثبات المادة التي خلق منها المطر والشجر والإنسان والحيوان مما يدل على حكمته»، ثم: «ونحن لا نعرف شيئًا قط خلق إلا من مادة، ولا أخبر الله في كتابه بمخلوق إلا من مادة» (منهاج السنة 5/444). فهو نفسه الذي قرن عموم النظام المادي المشهود بالدلالة على الحكمة.

10. وتعليل هذا النظام بالحكمة والمدح يمنع حمله على امتناع خلافه في نفسه، وإن جاز أن يمتنع خلافه لغيره

ولا يلزم من كون الله اختار فعلًا لحكمة أن يكون خلافه واقعًا، ولا أن يكون جائز الوقوع مع اجتماع جميع ما تقتضيه حكمته ومشيئته؛ بل قد يكون الشيء ممتنعًا لغيره. لكن لا يجوز في أصول ابن تيمية أن يجعل الشيء الذي يقع المدح بتركه أو باختيار خلافه ممتنعًا في نفسه وغير مقدور أصلًا.

فهو يقول: «والأمر الذي لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها»، ثم يقول: «وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته» (مجموع الفتاوى 18/144).

ويقرر هذا الأصل بعينه في منهاج السنة: «وكل أحد لا يفعل إلا ما يقدر عليه. فأي مدح في هذا مما يتميز به الرب سبحانه عن العالمين؟»، ثم يقول: «فعلم أن من الأمور الممكنة ما هو ظلم تنزه الله سبحانه عنه مع قدرته عليه، وبذلك يحمد ويثنى عليه؛ فإن الحمد والثناء يقع بالأمور الاختيارية من فعل وترك» (منهاج السنة 5/104).

فإذا كان كذلك، وجب أن يحمل تعليل الخلق من مادة بأنه «أبلغ في العبودية» و«أبعد عن مشابهة الربوبية»، وتعليل إثبات المادة بأنها مما «يدل على حكمته»، على أن هذا نظام اختاره الرب لحكمة، لا على أن خلافه متناقض في ذاته، أو مما لا تتعلق به القدرة أصلًا.

وهذا موافق لتفريقه بين نوعي الامتناع؛ فإنه يقول: «لفظ الممتنع مجمل، يراد به الممتنع لنفسه، ويراد به ما يمتنع لوجود غيره، فهذا الثاني يوصف بأنه ممكن مقدور بخلاف الأول» (منهاج السنة 2/291).

فقد يكون الشيء ممكنًا مقدورًا في نفسه ثم لا يقع؛ ولهذا يقول: «وما لم يشأ لم يكن… وإن كان الله قادرًا عليه، وهو ممكن في نفسه» (درء التعارض 9/115).

11. وفوق جميع هذه القرائن، ابن تيمية ينفي بنفسه وجوب المادة في إبداع الباري، بل يجعل الإبداع بلا مادة من خصائص الربوبية

ويقول في مسألة حدوث العالم: «فإنه إذا ثبت أن إبداعه للأشياء لا يفتقر إلى مادة… فلأن تكون نفسه كافية في إبداعها مع الحدوث أولى».

ثم قرر قياس الأولى فقال: «ومن المعلوم ببداية العقول: أن الفاعل للأكمل الأقوى بنفسه لا يكون محتاجًا في الأنقص الأضعف إلى غيره؛ لا مادة، ولا غير مادة».

ثم صرح بالحكم تصريحًا لا إجمال فيه فقال: «ومعلوم أنه لا يجب فيما يبدعه الباري أن يكون له مادة» (مسألة حدوث العالم، ص63).

وله نص بالغ الصراحة في مجموع الفتاوى، يفرق فيه بين قدرة المخلوق وقدرة الرب، فيقول: «فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يبتدعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية، كما لا تبدع قدرته شيئًا من غير مادة وجودية، وإنما الإبداع من خصائص الربوبية» (مجموع الفتاوى 6/67).

وهذا من جنس الاستدلال نفسه الذي يوجد في بيان تلبيس الجهمية: فما ثبتت القدرة على الأبلغ لم يكن الأهون ممتنعًا. وهو بعينه الأصل العام الذي استعمله في درء التعارض في الاستدلال على المعاد فقال: «فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه»، وقال في خلق السماوات: «والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك» (درء التعارض 1/31-32).

فليست المسألة مجرد أن ابن تيمية سكت عن استحالة الإبداع بلا مادة، بل النص عنه قائم بنفي وجوب المادة على الباري، وبجعل الإبداع بلا مادة من خصائص الربوبية، وبقياس الأولى الدال على أن القادر بنفسه على الأكمل والأبلغ لا يحتاج في الأنقص إلى مادة.

وقد أشار إلى هذا في كتاب النبوات إشارة لطيفة حين قال: «وليس قولهم أنه لم يخلق من مادة، معناه أن الخالق أبدعه لا من شيء، وأنهم قصدوا بها ‌تعظيم الخالق» النبوات لابن تيمية (1/ 314) فهو عنده أن هذا قد يقال من باب تعظيم الخالق لكن ليس ذلك ما دفع المتكلمين للقول به بل لقولهم بتعطيل الباري عن الأفعال قبل الجوهر الأول كما بيننا، ومثله قوله: «يقال في تمجيد الله تعالى خلق الله العالم على غير مثال والإبداع خلق الشيء على غير مثال ونحو ذلك من العبارات» ” – بيان تلبيس الجهمية. وقوله: «فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يبتدعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية، كما لا تبدع قدرته شيئًا من غير مادة وجودية، وإنما الإبداع من خصائص الربوبية» (مجموع الفتاوى 6/67). فكل ذلك عنده من معاني الإبداع الدالة على تعظيم الباري سبحانه

12. خلاصة المسألة: لا تراجع، وإنما جهات متعددة جُمعت خطأ تحت لفظ واحد

وإذا جمعت نصوص ابن تيمية ورد بعضها إلى بعض، تبين أنها تنتظم في أربع مراتب متغايرة:

فأما من جهة الشيء في نفسه، فقد يكون ممكنًا في نفسه، لا يكون في حقيقته ما يوجب امتناعه، وإن لم يقع؛ ولهذا يقول في غير الواقع: «وهو ممكن في نفسه، أي يمكن أن يخلقه الله لو شاء الله خلقه» وهذا لا يحتاج إلى محل سابق.

وأما من جهة الإمكان الخارجي، فليس مجرد التجويز الذهني كافيًا؛ بل لا بد مما يثبت به الإمكان في الخارج، من قدرة فاعل أو قبول محل، ولهذا يقول في النبوات: «يمكن أن يخلق؛ فمعناه أنه يقدر على ذلك ويتمكن منه»، ويقول في الصفدية: «وسواء كان إمكان الحدوث مشروطًا بشرط من جهة الفاعل أو القابل» والقدرة والقابلية السابقة لابد لها من محل وهي مصحح الإمكان الخارجي ومتعلقه.

وأما من جهة تعين الحادث، فلا بد من تمام ما به يقع ذلك الحادث المعين؛ ولهذا يقول: «يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ممتنع»، ويبطل أن يكون ثم حادث أول بعد تعطيل مطلق، ويصرح بأن هذا البناء ناشئ من قولهم «إنه تمتنع حوادث لا أول لها».

وأما من جهة النظام الكوني الذي شاءه الرب، فإن المخلوقات المشهودة والمخبر بها ينشأ بعضها من بعض: مادة من مادة، وعين من عين، مع فساد السابق وحدوث اللاحق حقيقة، من غير بقاء هيولى أرسطية، ولا جواهر كلامية ثابتة. وهذا نظام رتبه الله بحكمة، فجعل بعض خلقه شروطًا وأسبابًا لبعض، مع كونه «غنيًا عن الاشتراط والتسبب».

فلا تناقض حينئذ بين قوله: «لم يذكر الله قط أنه أحدث شيئًا إلا من شيء»، وقوله: «لا يجب فيما يبدعه الباري أن يكون له مادة»، وقوله: «وإنما الإبداع من خصائص الربوبية»؛ فإن الأولى خبر عن النظام الذي وقع وأخبر الله به، والثانية نفي لأن تكون المادة قيدًا في أصل قدرة الفاعل، والثالثة تصريح بأن الإبداع الذي تعجز عنه القدرة المخلوقة بلا مادة من خصائص الرب.

وكذلك قوله بدوام نوع المادة لا يقتضي إثبات مادة معينة أزلية؛ بل يقول إن غاية ما تدل عليه بعض الحجج «دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة»، وذلك «بوجود عين بعد عين من ذلك النوع أبدًا، مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم» (مجموع الفتاوى 9/138).

وعلى هذا، فمن أراد إثبات رجوع ابن تيمية عن مذهبه، فلا بد له من نص يقول فيه إن خلق العين بلا مادة ممتنع في نفسه، أو إن الله غير قادر عليه، أو إن وجود المادة هو المصحح لقدرة الله. فأما أن يجزم الباحث بهذه النسبة الكبيرة والخطيرة بمجرد أن يقال إنه يثبت أن العالم الفعلي يجري على خلق شيء من شيء، فهذا مسلم لا نزاع فيه، لكنه لا يدل على شيء من تلك اللوازم.

فليست حقيقة مذهبه أن «المادة شرط سابق يجعل المقدور مقدورًا لله»، بل حقيقته: الله قادر على كل ممكن في نفسه، ثم شاء بحكمته نظامًا متعاقبًا من الأسباب والمواد والأفعال، فخلق شيئًا من شيء وحادثًا بعد حادث، من غير أول لنوع الحوادث، ومن غير مادة معينة قديمة، ومن غير أن تكون الشروط التي خلقها في العالم شروطًا في أصل قدرته عليها، وأدلة الكتاب والسنة والحس دالة على أن كل مخلوق مسبوق بمخلوق بل ومادة، فهذا أبلغ في إبطال قول المتكلمين بأن الله له مخلوق أول لم يخلق قبله شيء.

هذا والحمد لله والله أعلم

الغيث الشامي (أبو عبادة)

أبو عبادة، مهندس برمجيات، دمشقي، أثري، شغوف بعلوم الاعتقاد، مهتم بنقد الفلسفات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole