[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسانَ من ماءٍ مهين، فأنشأه أطوارًا، وجعل في كتابه العزيز من آيات مبدأ الخلق ومنتهاه ما تشهد له الفطرةُ السليمة، وتصدِّقه العقولُ المستقيمة. وصلى الله وسلم على نبيه المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذه وُريقاتٌ أُريد بها كشف ما نُسج حول قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] من شُبَهٍ موهومة، واعتراضاتٍ معلولة؛ نردُّها إلى أصولها، ونمحِّصها بلسان العرب، ومأثور السلف، ونظم التنزيل؛ حتى ينقشع سحاب الوهم، ويسفر وجه الآية عن بيانه، ويضمحلَّ ما علق بها من الاعتراض.
والله المسؤول أن يوفق للصواب، وأن ينفع بهذا الجهد اليسير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
[في جُمَلِ مآخذ الخلاف]
اعلم أن الخلاف في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] مردُّه إلى أصلين، لا يستقيم تحقيق المسألة إلا بجمعهما: أحدهما: تعيين صاحب الصلب والترائب، والثاني: تعيين الخارج المذكور في الآية.
فأما الأول، وهو: لمن الصلب والترائب؟ فيحتمل فيه خمسة:
أحدها: أن الصلب للرجل والترائب للمرأة، وهو المشهور عن جمهور المفسرين من السلف والخلف.
والثاني: أن الصلب والترائب جميعًا للرجل، وهو قول طائفة، وإليه نحا قتادة (١١٧ هـ)، واختاره ابن القيم (٧٥١ هـ) ورجحه.
والثالث: أن لكلٍّ من الرجل والمرأة صلبًا وترائب، وهو قول لبعض المتأخرين.
والرابع: أن الصلب والترائب جميعًا للمرأة، ولا يُعرف به قائل.
والخامس: أن الصلب للمرأة والترائب للرجل، ولا يُعرف هذا أيضًا عن أحد.
وأما الأصل الثاني، فهو في قوله سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧]: ما المسند إليه الخروج؟ أهو الماء الدافق المتقدم ذكره، أم الإنسان المخلوق منه؟
وفيه مذهبان:
أحدهما: أن الخارج هو الماء الدافق؛ أي: يخرج الماء من بين الصلب والترائب، وعليه جرى غالب المتأخرين.
والثاني: أن الخارج هو الإنسان؛ أي: يخرج وينشأ من بين الصلب والترائب، وهو قول جماعة من المتأخرين.
وأما جمهور السلف، فأكثر عباراتهم إنما وردت في بيان الصلب والترائب وتعيينهما، من غير تصريح في كثير من المواضع بمرجع الخروج: أهو الماء أم الإنسان؟
وقد ذهب مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ)، وأبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤٤٠ هـ)، إلى أن من جعل الصلب للرجل والترائب للمرأة فقد ردَّ الكلام إلى الإنسان؛ فيكون مذهب الجمهور ــ باعتبار لازم قولهم ــ أن الخارج هو الإنسان. غير أن تعميم هذا اللازم على جميع القائلين بذلك محل نظر؛ لتصريح بعضهم بخلافه.
وهذان الأصلان متلازمان، يقوّي أحدهما بعضَ وجوه الآخر ويضعف سواها: فإن جُعل الخارج الإنسان، قوي جعل الصلب للرجل والترائب للمرأة، على معنى نشأته من الأبوين، وأمكن جعلهما للمرأة باعتبار خروجه منها عند الولادة، وضعف جعلهما جميعًا للرجل. وإن جُعل الخارج الماء الدافق، اشتد بُعد جعلهما جميعًا للمرأة، أو جعل الصلب لها والترائب للرجل، وضعف توزيعهما بين الرجل والمرأة؛ إذ الماء الدافق ــ على هذا التفسير ــ ماء الرجل، فيقوى حينئذ أن يكون الصلب والترائب جميعًا له.
فمدار الخلاف كله على ائتلاف هذين التعيينين: لمن الصلب والترائب؟ وما الخارج من بينهما؟ وبحسب الجواب عن أحدهما يقوى بعض الأقوال في الآخر، ويضعف أو يمتنع ما سواه.
[بيان الراجح في صاحب الصلب والترائب]
تقدَّم أن مذاهب أهل العلم المعتبرة في المراد بالصلب والترائب تدور على قولين مشهورين: أحدهما أن الصلب للرجل والترائب للمرأة، والآخر أن الصلب والترائب جميعًا للرجل.
قال ابن القيم (٧٥١ هـ): «ولا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل، واختلف في الترائب: فقيل: المراد بها ترائبه أيضًا. وهي عظام الصدر: ما بين الترقوة إلى الثندوة. وقيل: المراد بها ترائب المرأة» [١].
والذي نراه أولى القولين بالقبول، وأحراهما بالتقديم والترجيح، هو قول من ذهب إلى أن الصلب صلبُ الرجل، والترائب ترائبُ المرأة؛ وذلك لوجوه:
الوجه الأول
أن الصلب إذا أطلق ولم يقيد بجنس في مقام ذكر مبدأ الذرية وانحدار النسل انصرف إلى الرجل دون المرأة، وأن الترائب إذا أطلقت في مقام ذكر البدن من غير قرينة ناقلة انصرف الذهن إلى ترائب المرأة، من جهة كثرة الاستعمال والغلبة العرفية.
فإن العرب إنما أكثروا ذكر الترائب في باب وصف النساء والحسن والحلي، وجعلوها موضع القلادة وما يلي النحر والصدر؛ ولهذا قال إمام اللغة أبو زكريا الفراء (٢٠٧ هـ): «والصلب: صلب الرجل، والترائب: ما اكتنف لَبّاتِ المرأة مما يقع عليه القلائد» [٢]. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢٠٩ هـ): «﴿التَّرَائِبِ﴾ معلَّق الحلي على الصدر» [٣]. وقال أبو إسحاق الزجاج (٣١١ هـ): «قال أهل اللغة أجمعون: الترائب موضع القلادة من الصدر» [٤].
وقال محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ): «هو موضع القلادة من المرأة، حيث تقع عليه من صدرها» [٥]، وعلل ذلك بقوله: «لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم» [٥]. وقال مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ): «والمعروف في كلام العرب أن الترائب موضع القلادة من المرأة حيث تقع عليه من صدرها» [٦].
فهذا الاستعمال المستفيض في لسانهم شاهدٌ ظاهر على أن إطلاق الترائب في مثل هذا المقام أليق بترائب المرأة وأسبق إلى الفهم، ولا سيما إذا قورن بإطلاق الصلب الذي جرى عرف الخطاب بإضافته إلى الرجل عند ذكر النسل والذرية.
الوجه الثاني
أن هذا هو المأثور المستفيض عن السلف، ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه. ذكر صاحب الدر المنثور عن عبد بن حميد (٢٤٩ هـ)، وابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ)، عن عبد الله بن عباس (٦٨ هـ) في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أنه قال: «صلب الرجل وترائب المرأة، لا يكون الولد إلا منهما» [٧].
وروى محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ) بإسناده عن عبد الله بن عباس (٦٨ هـ) في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] قال: «من بين ثدي المرأة» [٨]. وهو المروي كذلك عن عكرمة مولى ابن عباس (١٠٥ هـ) وسفيان الثوري (١٦١ هـ). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): «هذا قولُ الكَلْبيِّ، ومُقَاتِل، وسُفْيَان وجُمْهُورِ أهلِ التفسيرِ» [٩].
الوجه الثالث
أن الأظهر في مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ﴾ [الطارق: ٧] ــ على ما سيأتي تحريره وإقامة البرهان عليه ــ أنه عائد إلى الإنسان المتقدم ذكره، لا إلى الماء؛ فالكلام حينئذٍ في مخرج الإنسان ومنشئه، لا في وصف عضو واحد من أعضاء أحد أبويه. فلو حُمِل الصلب والترائب جميعًا على الرجل، لآل معنى الآية إلى أن الإنسان يخرج من بين موضعين من بدن أبيه وحده، مع أن وجوده لا يستقل به الأب، ولا يتم مبدؤه إلا باجتماع الأصلين اللذين عنهما يكون التناسل.
فإذا بطل هذا الاحتمال، تعين أن يكون المراد بالصلب صلبَ الرجل، وبالترائب ترائبَ المرأة، فيكون قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] جامعًا لأصلي التناسل جميعًا في لفظ وجيز، وسيأتي مزيد بسط لوجه ذلك في موضعه.
[بيان الراجح في مرجع الخروج]
اختلف أهل التأويل في الضمير المستتر في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧]: أهو عائد إلى الماء الدافق، أم إلى الإنسان؟ وقد حكى ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) الوجهين فقال: «والضمير في يخرج يحتمل أن يكون للإنسان، ويحتمل أن يكون للماء» [١٠].
والراجح من القول عندنا عوده على الإنسان، وذلك لوجوه أربعة:
الوجه الأول
أن المحدَّث عنه هو الإنسان، والمحدَّث عنه أحق بعود الضمير من أقرب مذكور؛ وذلك أن مدار الكلام من مفتتح الآيات إنما هو الإنسان؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥–٧]. فالمقصود بالنظر والاعتبار من أول الكلام هو الإنسان.
وقد تقرر عند المحققين من أهل العربية أن قرب المرجع ليس أصلًا مطردًا يجب المصير إليه كيفما اتفق، وإنما يعتبر القرب إذا استوت الجهات؛ فالقرب اللفظي قرينة مرجوحة إذا عارضها المعنى والسياق.
ولهذا قال أبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ) عند قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]: «إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب» [١١].
ذلك أن العربية لا تبني إحالات الضمائر على مجرد مجاورة الألفاظ، حتى يكون آخر اسم ملفوظ به هو المرجع على كل حال، وإنما تراعي المعنى الذي أقيم عليه الكلام. ورب اسم قريب لفظًا بعيد عن مقصود المتكلم، ورب مذكور أبعد منه لفظًا وهو أقرب إلى ذهن السامع؛ لأنه الذي يدور عليه الكلام، وبه انعقد الحديث.
وقال ابن عقيل (٧٦٩ هـ)، ممثلًا لرجوع الضمير إلى المحدَّث عنه دون الأقرب: «(غير الأقرب إلا بدليل) فإذا قلت: لقيت زيدًا وعمرًا يضحك، فالضمير في يضحك عائد على عمرو، ولا يعود على زيد إلا بدليل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. فالضمير في ذريته عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا على يعقوب؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها إبراهيم» [١٢].
الوجه الثاني
أن الأصل في الضمائر المتعاقبة على نسق واحد أن تحمل على مرجع واحد ما دام اللفظ يحتمله؛ لأن الضمير إنما وضع في اللغة للإيجاز وربط أجزاء الكلام، فتوحيد مرجعه أدخل في التئام السبك، وأحفظ لوحدة النسج. وأما تنقله من مرجع إلى آخر ثم عودته إلى الأول، فذلك ممكن، إلا أنه خلاف الأصل، لا يصار إليه إلا بقرينة توجبه.
قال أبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٦–٨]: «فتناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلهما لمختلفين، ولا سيما إذا توسط الضمير بين ضميرين عائدين على واحد» [١٣].
وقال بدر الدين الزركشي (٧٩٤ هـ): «إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف» [١٤].
فانظر الآن إلى نسق الآيات: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٥–٨]، تجد الضمير المستتر في ﴿خُلِقَ﴾ الثانية للإنسان، وضمير ﴿رَجْعِهِ﴾ ــ على الراجح ــ للإنسان؛ فليس بين طرفي هذا النسق إلا فعل واحد، هو ﴿يَخْرُجُ﴾، يراد قطعه عن هذا السنن الواحد وإحالته على غير ما أحيل عليه ما قبله وما بعده، من غير أن تقوم قرينة توجب هذا القطع.
فإن قيل: إن من المفسرين من أرجعوا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] إلى الماء، أجيب بأنه في غاية البعد عن الظاهر. قال ابن القيم (٧٥١ هـ): **«وقوله: ﴿إنه على رجعه لقادر﴾، الصحيح أن الضمير يرجع على الإنسان، أي إن الله على رده إليه لقادر يوم القيامة، وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر.
ومن قال: إن الضمير يرجع على الماء، أي أن الله على رجعه في الإحليل أو في الصدر أو حبسه عن الخروج لقادر، فقد أبعد، وإن كان الله سبحانه قادرًا على ذلك؛ ولكن السياق يأباه، وتأباه طريقة القرآن، وهي الاستدلال بالمبدأ والنشأة الأولى على المعاد والرجوع إليه.
وأيضًا فإنه قيده بالظرف، وهو: ﴿يوم تبلى السرائر﴾. والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه، فإن ذلك يدله دلالة ظاهرة على معاده ورجوعه إلى ربه»** [١٥].
وقال محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ): «وإنما قلت: هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، فكان في إتباعه قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ نبأ من أنباء القيامة، دلالة على أن السابق قبلها أيضًا منه، ومنه ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، يقول تعالى ذكره: إنه على إحيائه بعد مماته لقادر يوم تُبلى السرائر، فاليوم من صفة الرجع؛ لأن المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر» [١٦].
فإذا قيل: الضمير للماء، صار تقدير المعنى: فلينظر الإنسان مم خلق؛ خلق الإنسان من ماء؛ يخرج الماء من بين الصلب والترائب؛ ثم إن الله على رجع الإنسان لقادر. فينتقل الضمير من الإنسان إلى الماء ثم يعود إلى الإنسان، في أربع جمل متصلات لا يفصل بينها فاصل، وهذا تكلف لا يلجأ إليه وثَمَّ ما هو أخصر منه وأوفق بطبع الكلام العربي.
الوجه الثالث
أن القول بأن الصلب للرجل والترائب للمرأة، على ما تقدم بيانه، يأبى عود الضمير على الماء. وبيانه أن قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] لا يخلو من أن يراد به ماء الرجل، أو ماء المرأة، أو الماء الحاصل من امتزاجهما؛ ولا يجوز على الحقيقة إلا الأول، ومعلوم أنه لا يخرج ماء الرجل من بين صلبه وترائب امرأة أخرى؛ وإنما الخارج من بين الأبوين هو الولد، على معنى السببية.
فإن ﴿دَافِقٍ﴾ وصف مشتق من الدفق، وهو الصب والاندفاع بقوة، ولا يصح هذا إلا على ماء الرجل. قال ابن القيم (٧٥١ هـ): «الذي يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل» [١٧].
وأما حمله على الماء الممتزج من ماء الرجل والمرأة، فلا يشهد له اللفظ؛ لأن الامتزاج معنى غير الدفق. وسواء حمل ﴿دَافِقٍ﴾ على ظاهره من اسم الفاعل، أو على معنى ذي دفق، أو خُرِّج على معنى مدفوق، فليس في شيء من ذلك دلالة على ماء مركب من دافق وغير دافق؛ وإنما المدار في جميعها على ثبوت معنى الدفق للماء الموصوف نفسه. فإن قيل: يوصف المجموع بالدفق تغليبًا، أو حملًا للكل على وصف بعضه، كان ذلك عدولًا عن الحقيقة، وهو خلاف الظاهر.
ولهذا قال مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ)، بعد أن حكى أقوال من جعل الصلب للرجل والترائب للمرأة: «فالضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ على هذه الأقوال للإنسان» [١٨].
وقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤٤٠ هـ): «ومن جعل المعنى: من بين صلب الرجل وترائبه؛ فالضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ لـ(الماء)، ومن جعله: من بين صلب الرجل وترائب المرأة؛ فالضمير لـ﴿الْإِنْسَانِ﴾» [١٩].
الوجه الرابع
أن السياق من مفتتح السورة إلى منتهى هذا المقطع سياق احتجاج على إمكان البعث بالنشأة الأولى، لا سياق استقصاء في تشريح مصدر الماء وكيفية تكوُّنه؛ إذ افتتح بقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وختم بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨]، ثم أتبع ببيان حال الإنسان يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩–١٠]. فمدار الآيات كلها على الإنسان: نشأته أولًا، وإعادته آخرًا، وذكر الماء في أثناء ذلك بقدر ما يخدم هذه الحجة الكبرى، لا لذاته.
والأولى أن يصرف اللفظ إلى ما يخدم الغرض المسوق له الكلام، لا إلى ما يبعده عنه؛ فحمل ﴿يَخْرُجُ﴾ على الإنسان يبقي السياق منتظمًا في غرضه من أوله إلى آخره من غير عدول عن مقصوده: الإنسان ينظر في خلقه، والإنسان خلق من ماء، والإنسان يخرج إلى الوجود، ثم الله على رجعه لقادر؛ فيتقابل قوله ﴿يَخْرُجُ﴾ مع قوله ﴿رَجْعِهِ﴾ تقابلًا بديعًا بين النشأتين: نشأة أولى يستدل بها على نشأة أخرى، وهذا هو عمود الحجة في السورة كلها.
[حاصل المعنى]
وحاصل المعنى: أن الإنسان خرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة. وإلى هذا المعنى جنح مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ)، فقال: «أي: يخرج الإنسان من بين صلب الرجل وترائب المرأة. وواحد الترائب: تريبة. ومعنى الكلام: منهما» [٢٠]. وهو ظاهر قول عبد الله بن عباس (٦٨ هـ): «صلب الرجل وترائب المرأة، لا يكون الولد إلا منهما» [٧]؛ فكأنه أعاد الضمير إلى الإنسان.
فإذا تقرر هذا، فليس الخروج المذكور في الآية من قبيل الحركة الحسية التي هي انتقال من حيز إلى حيز، وإنما المراد به النشوء والتكوُّن، على نحو ما جاء في قوله سبحانه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم: ١٩]؛ فليس خروج الحي من الميت خروجًا مكانيًّا يشاهد، بل هو إبراز لمعنى كامن إلى حيز الوجود؛ وعلى هذا فقس خروج الإنسان من بين صلب أبيه وترائب أمه.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿مِنْ بَيْنِ﴾ [الطارق: ٧] لا يتعين حمله على البينية المكانية المحضة، التي لا تتحقق إلا بوجود شيء واقع في حيز محصور بين جسمين؛ بل البينية في لسان العرب أوسع من ذلك، وقد تستعمل في الأمر الناشئ عن اشتراك طرفين واجتماعهما في سبب واحد. ومن شواهد هذا الاستعمال ما حكاه أبو زكريا الفراء (٢٠٧ هـ): «ليخرجن من بين هذين خير كثير» [٢١]؛ فالمراد حصول الخير عنهما وبسببهما، لا أنه كان جسمًا كامنًا في المسافة الفاصلة بينهما.
فإذا تقرر ما تقدم، تعين كون المقصود بقوله سبحانه: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧]: التعبير عن نشأة الإنسان من أبويه، فجيء بذكر الصلب من جهة الأب، وبذكر الترائب من جهة الأم؛ إذ كان المقام مقام بيان الأصل الذي عنه يكون الإنسان، فاختير من كل واحد منهما ما هو أعلق بهذه الجهة وأشد ملابسة لمعناها. فأشبه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، يريد تحرير إنسان مملوك، وقوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦]، يريد ذا الناصية، أي الإنسان الكاذب الخاطئ.
فأما الصلب، فإنه قد جرى في كلام العرب مجرى الأصل الذي تنسب إليه الذرية، وتضاف إليه الأعقاب، وتجعل الأنساب خارجة منه؛ فقالوا: فلان من صلب فلان. وحكى اللحياني: «هؤلاء أبناءُ صِلَبَتِهم» [٢٢]، حتى استعمل الصلب في الحسب والأصل؛ فكان ذكر صلب الرجل في مقام النشأة أخص ما يومئ إليه من حيث هو أصل أبوي ومبدأ نسل. فصار ذكر الصلب إذا ورد في هذا المقام مشعرًا بجهة الأبوة، ودالًّا على الأصل الذكوري الذي منه امتداد النسب وتناسل الذرية.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ)، مستشهدًا بقول عدي بن زيد:
«أَجْلَ أنَّ اللهَ قد فضَّلكمُ … فوقَ ما أُحكي بصُلْبٍ وإزارِ
أراد: من أجل، وأراد بالصلب: الحسب، وبالإزار: العفة» [٢٣].
والحسب إنما كني عنه بالصلب لأنه معقد النسب، والنسب في العرف العربي إلى الآباء. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وأما الترائب، فإنها ــ كما تقدم ــ من المواضع التي كثر وصف النساء بها في كلام العرب، ولا سيما في أشعارهم وأوصاف محاسنهن، حتى غلب اتصال ذكرها بصورة المرأة في الاستعمال. وقد نقل مرتضى الزبيدي (١٢٠٥ هـ)، عند ذكر التريبة، خلافًا بين أهل العلم: أهي لفظ عام في الذكور والإناث، أم خاص بالإناث دون الذكور؟ ثم قال: «وجزم أكثر أهل الغريب أنها خاصٌّ بالنساء، وهو ظاهر البيضاوي والزمخشري» [٢٤].
فلما وقعت في الآية بإزاء الصلب، وكان الصلب قد دل على جهة الرجل، كانت المقابلة بين اللفظين قرينة ظاهرة على إرادة الجهة المقابلة للأبوة، وهي الأمومة. فصار اللفظان في النظم كنايتين عن الأصلين اللذين عنهما تكون نشأة الإنسان: أصل الأب، وأصل الأم.
ثم زيد على ذلك قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ﴾ [الطارق: ٧]؛ لأن البينية أبلغ في تصوير تعلق الخارج بهما جميعًا. فإن قولك: خرج منهما يدل على صدوره عن الاثنين، وأما قولك: خرج من بينهما فإنه، مع إفادة ذلك، يضم أحد الطرفين إلى الآخر في صورة واحدة، ويجعل الخارج متعلقًا بهما من حيث اجتماعهما وائتلاف جهتيهما، حتى كأن بين الأصلين جهة جامعة في مقام التكوين، ومنها يكون هذا الخارج.
فكان الصلب معقد النسب، والترائب موطن الحسن من الأم؛ كأنما جمع للإنسان أصله وصورته، وأشار بالجزء إلى صاحبه: فهذا أب يعرف به الأصل، وتلك أم يلوح منها الجمال. ومن التقاء هذين كان هذا الإنسان الذي يماري اليوم في إعادته!
[خاتمة]
فهذا آخر ما تيسر جمعه وتحريره في هذه المسألة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[١] ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١ هـ/١٩٩١م، ١/١١٣.
[٢] أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (٢٠٧ هـ)، معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف النجاتي، ومحمد علي النجار، وعبد الفتاح إسماعيل الشلبي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، ط١، ٣/٢٥٥، عند تفسير سورة الطارق، الآية ٧.
[٣] أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢٠٩ هـ)، مجاز القرآن، تحقيق محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٣٨١ هـ، ٢/٢٩٤، عند تفسير سورة الطارق، الآية ٧.
[٤] أبو إسحاق الزجاج (٣١١ هـ)، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ط١، ١٤٠٨ هـ/١٩٨٨م، ٥/٣١٢.
[٥] محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠م، ٢٤/٢٩٥–٢٩٦، تفسير سورة الطارق، الآية ٧.
[٦] مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ)، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علومه، تحقيق مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الشارقة، بإشراف الشاهد البوشيخي، جامعة الشارقة، ط١، ١٤٢٩ هـ/٢٠٠٨م، ١٢/٨١٩٤–٨١٩٥.
[٧] جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، ٨/٤٧٦. وعزاه السيوطي (٩١١ هـ) إلى عبد بن حميد (٢٤٩ هـ) وابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ) عن ابن عباس (٦٨ هـ). وأما تعيين الطريق، فأقرب ما يفسر هذا العزو ــ بمقارنة الطرق المتداولة للمتن ــ طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ غير أن هذا ترجيح في تعيين الطريق لا نصُّ إسنادٍ ساقه السيوطي في الموضع نفسه.
[٨] الطبري (٣١٠ هـ)، جامع البيان، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠م، ٢٤/٢٩٣، تفسير سورة الطارق، الآية ٧.
[٩] ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ)، تحفة المودود بأحكام المولود، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان، دمشق، ط١، ١٣٩١ هـ/١٩٧١م، ص ٢٧٧–٢٧٨، في الكلام على أطوار خلق الإنسان وتفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾.
[١٠] ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٢٢ هـ، ٥/٤٦٥، تفسير سورة الطارق، الآية ٧.
[١١] أبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ)، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت، ١٤٢٠ هـ، ٧/٣٣٠، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩].
[١٢] ابن عقيل، بهاء الدين عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (٧٦٩ هـ)، المساعد على تسهيل الفوائد، تحقيق محمد كامل بركات، جامعة أم القرى (دار الفكر، دمشق ــ دار المدني، جدة)، ط١، ١٤٠٠–١٤٠٥ هـ، ١/١٠٩.
[١٣] أبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ)، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت، ١٤٢٠ هـ، ١٠/٥٢٩، عند تفسير سورة العاديات، الآيات ٦–٨.
[١٤] بدر الدين الزركشي (٧٩٤ هـ)، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط١، ١٣٧٦ هـ/١٩٥٧م، ٤/٣٥.
[١٥] ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١ هـ/١٩٩١م، ١/١١٣.
[١٦] الطبري (٣١٠ هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠م، ٢٤/٣٠٠، تفسير سورة الطارق، الآيتين ٨–٩.
[١٧] ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١ هـ/١٩٩١م، ١/١١٣.
[١٨] مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ)، الهداية إلى بلوغ النهاية، تحقيق مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الشارقة، بإشراف الشاهد البوشيخي، جامعة الشارقة، ط١، ١٤٢٩ هـ/٢٠٠٨م، ١٢/٨١٩٤–٨١٩٥.
[١٩] أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤٤٠ هـ)، التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، تحقيق محمد زياد محمد طاهر شعبان وفرج نصري شيخ البزورية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط١، ١٤٣٥ هـ/٢٠١٤م، ٧/٧٤–٧٥، تفسير سورة الطارق.
[٢٠] مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧ هـ)، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علومه، تحقيق مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الشارقة، بإشراف الشاهد البوشيخي، جامعة الشارقة، ط١، ١٤٢٩ هـ/٢٠٠٨م، ١٢/٨١٩٣.
[٢١] أبو زكريا الفراء (٢٠٧ هـ)، معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف النجاتي، ومحمد علي النجار، وعبد الفتاح إسماعيل الشلبي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ط١، ٣/٢٥٥؛ وقد ساق هذا المثال في بيان مجيء من بين على معنى الصدور عن الطرفين.
[٢٢] ابن منظور (٧١١ هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط٣، ١٤١٤ هـ، مادة «صلب»؛ وفيه: «وحكى اللحياني عن العرب: هؤلاء أبناء صلبتهم».
[٢٣] أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ)، غريب الحديث، تحت مراقبة محمد عبد المعيد خان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، ط١، ١٣٨٥ هـ/١٩٦٦م، ٤/٧٤.
[٢٤] مرتضى الزبيدي (١٢٠٥ هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية، مادة «ترب»، في مادة التريبة/الترائب؛ والنص في النسخة المصورة المتداولة ص ٣٠٦.




