أبحاث عقديةالإلحاد

إِفْحَامُ المُجِيزِينَ لِتَسَلْسُلِ العِلَلِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إن قيل: تسلسل العلل الممكنة جائز، ولا دليل على امتناعه. أجيب: بل هو ممتنع بالبداهة، ويلزم منه نقض السببية، واجتماع النقيضين؛ وبيانه:

لزوم اجتماع النقيضين

الوجه الأول: الموجودُ الحادث لا يكون فاعلًا لغيره حتى يكون موجودًا، ولا يكون موجودًا حتى يُحدِثه غيره. فوجودُه موقوفٌ على غيره قبل أن يكون فاعلًا.

فإذا كانت فاعليتُه لا تثبت إلا بوجوده، وكان وجوده لا يثبت إلا بغيره، كانت فاعليتُه موقوفةً على غيره. وما كانت فاعليتُه موقوفةً على غيره، فليست فاعليتُه تامّةً من جهته.

ولا يوجد المفعول إلا بفاعليةٍ تامّةٍ من جهة فاعله؛ لأن المفعول إذا وُجد، فقد تمّ ما به وُجد، ولو كان شيءٌ مما يتوقف عليه وجوده غير حاصل، لم يوجد.

فإن قيل: المفعول وُجد بفاعله، قيل: إنما يصح ذلك إذا كانت فاعلية الفاعل مكتفيةً بإيجاده. فأما إذا كانت فاعلية الفاعل موقوفةً على غيره، فوجود المفعول يكون موقوفًا على ذلك الغير من نفس جهة الإيجاد.

فيكون المفعول محتاجًا في وجوده إلى ما وراء الفاعل، فلا يكون الفاعل وحده سبب وجوده، فيبطل كونه فاعلًا تامًّا له.

فإذا لم يكن في الحوادث فاعلٌ تامٌّ مستغنٍ في فاعليته، لم يتمّ سببُ شيءٍ منها، فامتنع وجودُ أي مفعول.

فإن وُجد مفعولٌ بالفعل، عُلِم بالضرورة أن فاعلَه موجودٌ غير مفتقرٍ في وجوده، مستغني في وجوده وفاعليّته عما سواه.

الوجه الثاني: حاصل قول المخالفين أن مجموع الممكنات واجب (إذ تفسيره من نفسه من غير موجود آخر خارج السلسلة)، وهذا تناقض؛ فالممكنات ليس لها من نفسها إلا العدم، فلا توجد بنفسها، وضم الممكن إلى غيره في سلسلة الممكنات لا يرفع هذا الحكم عنهم، فتكثر الممكنات لا يوجب استغنائها من حيث التعريف، لأنها تفتقر لشيء خارج عنها يعطيها الوجود، وليس في المجموع وجود يعطيه للأفراد = إذن مجموع الممكنات ممكن بالضرورة. فالممكن مفتقر إلى غيره من كل وجه، وبالتالي امتنع أن يحصل مع اجتماعهم وصف زائد.

والنوع لا يأخذ حكم الأفراد إنما عندما يحصل نوع تغير في الصفة بضم كل فرد إلى في الذي يليه (في الصفة التي حصل فيها التغاير بين الفرد والنوع)، مثل التغاير الحاصل بين صفة الثقل في آحاد أجزاء الجبل ومجموع الأجزاء: فالآحاد خفيفة والمجموع ثقيل؛ وهذا لأن ضم كل فرد إلى الذي يليه يغير في تلك الصفة، فالصفة تحدث للمجموع بالتركيب.

ويقال لهم: إن كان الواجب هو المجموع، والأفراد هي الممكنة؛ فهذا يعني أن المجموع هو علة وجود الأفراد؛ والمجموع هو نفس الأفراد والهيئة الاجتماعية، فقول القائل «المجموع هو علة وجود الأفراد» يتضمن أن «الأفراد علة وجود الأفراد»؛ لأن المجموع هو نفس الأفراد بالإضافة إلى الهيئة الاجتماعية، والهيئة الاجتماعية عرض، والفرض أن ليس في الوجود إلا الممكنات، فكان هذا العرض قائمًا بالممكنات وبالتالي هو ممكن كذلك، فيصبح عندنا أشياء قائمة بنفسها هي الممكنات والأعراض القائمة بها -التي منها الهيئة الاجتماعية-، فيصبح قولهم «المجموع هو علة وجود الأفراد» يعني «الأفراد وما يقوم بها من أعراض علة وجود الأفراد وما يقوم بها من أعراض» وهذا معناه أن الشيء هو علة وجود نفسه، وهذا تناقض ممتنع.

هذا وفي أنساق منطقية حديثة إبطال هذا القول، ففي المنطق الموجه الرمزي الحديث مثلا modal logic S5: أن الضرورة (الوجوب) توزع على الأفراد المعطوفة.

If □(𝑃1∧𝑃2∧…∧𝑃𝑛) is true, then each □𝑃𝑖 is true.

لزوم نقض السببية

الممكنَ ليس له وجود من نفسه، أي هو فاقدٌ للوجودِ بذاته، فافتراضُ تسلسلِ عللٍ من الممكنات، كلٌّ منها يُوجِبُ الآخرَ ويمُدُّه بالوجود، حاصله: أنَّ الفاقدين للوجود (أي الممكنات) ليسوا فاقدين له، وأن اجتماع ما ليس لهم وجود من نفسهم جعل لهم وجودا من نفسهم؛ وهذا يجعل اجتماع العدمي مع العدميات ينتج الوجودي.

فمقتضى السببية principle of sufficient reason: أن كل موجود، هناك تفسير لوجوده إما من نفسه وهو الواجب، وإما من غيره وهو الممكن، والفرض ها هنا: (1) أنها ممكنة فلا تفسير لها من نفسها من حيث التعريف. (2) أن لا علة خارج السلسلة: فلا تفسير من الغير = إذن لا تفسير، وهو نقض للسببية. فلا تفسير لمصدر الصفة التي يتناقلها الأفراد في السلسلة (الوجود).

ويمكن أن يضرب عليهم مثل تسلسل إقراض المال من المفلسين: أن جماعة من المفلسين (ليس لهم مال من نفسهم): اقترض كل فرد مفلس المال من المفلس الذي قبله، والذي قبله من الذي قبله، فلو لم يكن للسلسلة أول، وكانت حاصلة = لزم أن لا مصدر للمال.

ويمكن أن يُضرب عليها مثال الدومينو، الذي لا يتحرك من نفسه، وإنما يحتاج في حركته إلى تحريك الذي سبقه له، ومثله الذي سبقه؛ فإن كانت حركة الدومينو حاصلة عُلم بالبداهة أن لها أول.

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن المواقف السنية، وتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole