المعرفة

نظرية المعرفة: في الداخلانية الدليلية، والخارجانية الفطرية ومذهب شيخ الإسلام

مقدمة:

قد يبدو لك هذا العنوان غريبًا، والسبب هو أن هذه المصطلحات هي أسماء مذاهب تعتبر جديدة في النقاش حول نظرية المعرفة وليس لها اشتهار في الكتب التي تعتبر مقدمات في نظرية المعرفة بالذات المترجمة للغة العربية.

الكلام في الداخلانية:

الداخلانية: هي مذهب معرفي يرى أن المعرفة يجب أن تكون مبررة من داخل وعي العارف، بحيث يكون لديه من الأسباب المعرفية التي يعيها ما به يستطيع تبرير كل حرف يقوله في دعوى معرفية معينة، ولذلك هي تعتبر نظام معرفي “دليلي”، أي أنه يتطلب الدليل على كل معرفة.

وهذا النظام لا يخفاك أنه قد تم نقضه وتدميره من قديم، حيث أنه يقع بمغالطات عديدة: على رأسها الدور والتسلسل والمصادرة على المطلوب والتناقض:

فالدور واقع من جهة أنه يبرهن على البديهيات بالنظريات التي بدورها تتأسس على بديهيات، وإن لم يقر بوجود بديهيات فسينتقل للمغالطة الثانية وهي التسلسل: حيث أنه سيبقى يتقهقر للخلف في الاستدلال إلى ما لا نهاية دون أن يقر بمقدمة واحدة صحيحة بذاتها يمكن البناء عليها، وحتى بين المقدمة المعينة والنتيجة المعينة لن يمكنه أن يقر بلزوم هذه من تلك دون وسيط، وسيقى يقدم وسائط بين كل مقدمة ونتيجة بشكل لانهائي بحيث لن تتحصل أي نتيجة من أي مقدمة.

وأما المصادرة على المطلوب وأنا أرى أنها أهم مغالطة يجب التنبيه عليها وهو أنه يعتبر أن مقدمة “أن كل معرفة يجب أن تكون مبررة بدليل من داخل وعي العارف حتى تكون صحيحة” هي مقدمة بديهية بحد ذاتها، فهو هنا يصادر على المطلوب، حيث أننا لا نقر له بأنها مقدمة بديهية وإلا لوقعنا بالتناقض لأنها مقدمة تنفي وجود بديهيات أساسًا! وهو كذلك يقع في التناقض حيث يقررها كمصادرة مع أنه يرفض البديهيات الحقيقية بحجة أنها مصادرات!.

كما ترون هذا النظام يعتبر فاشل، ولكن للأسف قد غلب على المنطق القديم، حيث أن كثير من الفلاسفة اليونانيين بالذات المتأثرين بآرسطو قد سلموا بعدد قليل جدا من البديهيات وهو ما يمكن أن أصطلح عليه “نظام الحد الأدنى من البديهيات”، حيث أنهم وضعوا حدود صارمة نظرية لما يمكن أن يسمى بديهة، هذه الحدود الصارمة تعتبر بحد ذاتها دليل على بديهة البديهة! وهذا كما لا يخفاك دور وتناقض، إذ البديهة هي التي لا تحتاج دليل يعرفنا بها! بل هي ما يستدل بها لا لها.

والكلام في نقد هذا النظام يطول جدا وامتلأت به بطون الكتب.

الكلام في الخارجانية:

الخارجانية: هي مذهب معرفي يرى أن المعرفة الحاصلة في وعي العارف تعود إلى أسباب خارجة عن وعيه، وهي طبيعة النظام الخلقي المسؤول عن أن يكون سبب تام لحصول المعرفة في وعينه، فالمعرفة في الوعي هي أثر عن العمل السليم للنظام المعرفي (الفطرة – الخلقة – السليمة)، كمثال: إذا كان دماغك وحواسك تعمل بشكل سليم، فستعرف ما تعرفه، وهذا النظام يسمح للبديهيات أن تكون انفعال ناتج عن تفاعل الأعضاء المعرفية مع المحسوس بشكل مباشر دون استدلال، ودون الحاجة لأن تعرف أنت كيف تعمل هذه الاعضاء، فمثلًا أنت لا تحتاج أن تعرف كيف تعمل العين حتى تعرف أن ما تراه هو موجود أمامك بالفعل، أو حتى تفهم أن عملها هو أن تجعلك ترى الأشياء من حولك!، لست مضطر أن تمتلك نظرية معرفة مُصاغة بشكل نظري حتى ترى العالم وتتفاعل معه.

وهذا المذهب بالمناسبة هو مذهب شيخ الإسلام بلا نزاع أو نقاش وأي باحث يحترم نفسه وقد قرأ شيئًا من مطولات شيخ الإسلام سيستطيع أن يمطرك بالنقولات عنه التي تؤكد موافقة تصوره عن المعرفة البشرية لذلك، حيث يرى أن العقل بالأساس هو نفس الغريزة، لا أنه هو العلوم الضرورية الحاصلة في الوعي، بل يرى هذه العلوم ناتجة عن تفاعل الغريزة مع الحس، فهذه الغريزة مخلوقة بحيث تجعل العارف يعرف البديهيات والنظريات ويفرق بينهم بشكل تلقائي ويبني هذه على تلك وإلخ، دون الحاجة أن يعرف التعبير عن ذلك أو يستحضره في وعيه بشكل نظري.

ومن ذلك قوله رحمه الله: “وكثيرا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر بها غيره فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها ومع هذا فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم، وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إذا تصوره، فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء، والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر وكثيرا ما يتفقان كما يفترقان.” – شرح العقيدة الأصبهانية.

وقد انتبه الكثير من الباحثين إلى ذلك مثل: الباحث البريطاني المسلم جيمي بي تورنر وقد ترجمت أهم أوراقه البحثية في ذلك (أنظر هنا)، والباحث المهتم بابن تيمية “جون هوفر”، والباحث الفلسطيني د. يوسف سمرين، والمصري أ.د. أبو الفداء ابن مسعود، و م. ماهر أمير، و م. أحمد عصام نجار، و د. محمد محمدي النورستاني، وغيرهم..

وهذا النظام يحل مشاكل النظام الداخلاني في المعرفة، وبالمناسبة النظام الداخلاني قد غرق فيه معظم المتكلمين والفلاسفة المشائين والمناطقة وهو من آفات العصر القديم في الفلسفة وقد حصل تخلي شبه تام عنه في العصر الحديث، بالذات بعد ما قدمه فلاسفة مثل توماس ريد وبلانتينجا ومبرهنة كورت غودل والجدل العميق مع الشكوكيين الذي جعل الكثير من الفلاسفة تتنبه لكون النظام الداخلاني يمثل ثغرة لهم واعتبارهم بما حصل بمشاكل نظام ديكارت الذي يعتبر أبرز ما قدمته الداخلانية للفلسفة (شخص يستدل على وجود نفسه!).

موطن الشاهد في المقال:

لهذين النظامين علامات تظهر على طريقة استدلال الباحث:

وسأذكر هنا علامة واحدة حتى لا أطيل: وهي طريقة التطويل في الاستدلال:

حيث أن الخارجاني يرى أن هناك قدرات معرفية فطرية هي من لوازم الإنسانية: إذا عرض عليها الحق الجلي قبلته إلا حال وجود موانع نفسية كالضغط الاجتماعي والتعصب والأهواء والخ يمثل مانع لعمل النظام المعرفي بشكل صحيح.

وهو يرى أن هذه القدرات قادرة على الاستنباط من المقدمة الواضحة النتيجة بشكل مباشر إن كانت واضحة، ولا حاجة لإضافة أي مقدمات تزيد الأمر صعوبة ووعورة وتطويل طالما هذه القدرة المعرفية موجودة.

بينما الداخلاني لغلوه في الدليلية، يرى أنه مضطر بشكل معياري مبدأي أن يقدم دليل على كل ما يقوله، وأنه كلما غاص في ذلك أكثر، وتفنن في ذكر حجة على كل ما ينطق به كان أبرع في الحجاج وفي “العقليات” وكلام أرجى في القبول.

وقد نبه شيخ الإسلام إلى ذلك في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل:

“ومما ينبغي ان يعرف في هذا المقام وان كنا قد نبهنا عليه في مواضع: أن كثيرا من العلوم تكون ضرورة فطرية فإذا طلب المستدل ان يستدل عليها خفيت ووقع فيها شك إما لما في ذلك من تطويل المقدمات وإما لما في ذلك من خفائها وإما لما في ذلك من كلا الامرين والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك إما لعجزه عن تصوره واما لعجزه عن التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الانسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وان أمكن نظم الدليل وفهمه فقد يحصل العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما، وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات فكثير من الامور المعروفة إذا حدّت بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد”

فعلى خلاف الداخلانيين يرى شيخ الإسلام أن هذا التطويل لا يفيد مطلوب المستدل بل يفيد عكس مطلوبه وهو الصعوبة عن فهم المدلول عليه!

لذلك تجد الداخلانيين يبالغون في برهنة البديهيات ببرهان الخلف، حيث أنه يرى أنه يقدم سبر وتقسيم لكل احتمال عقلي ممكن، ثم يثبت أن كل احتمال في هذه القسمة يؤدي القول به إلى التناقض إلا واحد، وبالتالي هذا الواحد صحيح، فهذا الطريق الطويل قسيمه هو طريقة الخارجانيين، وهو أن كثير من الدعاوى قد تكون واضحة وظاهرة بشكل مباشر دون هذه الطريقة الصعبة، وبالفعل الذهن لا يلتفت لأي احتمال مخالف ويراه باطل بالضرورة.

فمثلًا، ما احتمال أن تكون أنت وما تقرأ مجرد وهم في خيال أحدهم؟ لا تحتاج إلى سبر وتقسيم ثم إثبات ببرهان الخلف أن كل احتمال سوى أنك حقيقي وتقرأ ما تقرأه بالفعل بشكل متعين في الواقع الخارجي هو احتمال باطل، بالتالي اعتقادك بذلك هو اعتقاد ضروري، بل تجد هذه الحقيقة بديهية ضرورية واضحة في نفسك وكل احتمال يخالفها هو باطل لا يلتفت إليه العقل بل يجزم ببطلانه مبدئيّا.

هذا فارق مهم سلوكي في الاستدلال بين النظامين لا ينتبه له كثير من الباحثين المتبدئين، بل بعضهم يظن أن الطبيعي هو أن تكون دليلي داخلاني!، وكما ينسب القول لجورج برنارد شو: ” سامحه، فهو يعتقد أن عادات قبيلته هي قوانين الطبيعة!”

الغيث الشامي (أبو عبادة)

أبو عبادة، أثري، دمشقي، شغوف بعلوم الاعتقاد، مهتم بنقد الفلسفات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى