المعرفة

العلاقة بين نظرية المعرفة الداخلانية والوسواس القهري

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“والإنسان قد يكون في قلبه معارف وإرادات، ولا يدري أنها في قلبه، فوجود الشيء في القلب شيء، والدراية به شيء آخر ; ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء يطلب تحصيل ذلك في قلبه، وهو حاصل في قلبه، فتراه يتعب تعبا كثيرا لجهله، وهذا كالموسوس”

– منهاج السنة النبوية (5/ 398)

ينبه شيخ الإسلام على معنى في غاية الأهمية، وهو أن المنهج الداخلاني المثالي في المعرفة فيه قدر مشترك مع الوسواس، حيث أن يعتقد القائلين بالمنهج المعرفي الداخلاني أن المعرفة لا تكون صحيحة ومبررة إلا إن كنت قادرًا على استحضار أسباب يمكن التعبير عنها وتقديمها في صورة برهان أو قياس أثناء الجدل وإلا لن تكون معرفة ولو وجدت في نفسك علمًا ضروريّا بأنك تعرف فعلا ما تعرف ومتيقن منه غاية اليقين.

لأنهم يعتقدون أن المعرفة لا تنبع من عمل الأعضاء المعرفية العينية بشكل سليم، إنما من عمل الذهن العقل المثالي (لا العضوي)، والعقل المثالي هو العقل المنطقي وهو طريقة الإنسان في التفكير إذا لم يستطع تحصيل المعرفة بشكل حسي عفوي أو بدهي، فهناك فرق بين الغريزة العقلية التي هي عمل أعضاء معينة عينية بغض النظر عن محلها في الجسد وعلاقتها بالروح، وبين انعكاس عملها السليم على الوعي، بحيث تشعر بحالة واعية أنك عاقل وتفهم وتفكر لأن هذه الاعضاء تعمل، كما أن الوعي مشروط بعمل أجزاء معينة في الدماغ بحيث إن تعطلت ستغيب أنت عن الوعي، فالوعي هو انعكاس لعمل هذه الأجزاء بشكل سليم بلا تكلف منك.

هذه الأعضاء المعرفية قد تعمل بشكل مباشر وعفوي دون تدخل إرادي منك، وقد تعمل بدخل إرادي منك وهو ما يسمى “تكلف النظر”، الداخلاني يشك فيما تعرفه الغريزة بلا تكلف نظر لأنه يرى أنه يجب أن يراقب سير العملية المعرفية بنفسه ويشرف عليها ويتسائل ويعترض عليها والخ، ومن هنا سيقع بالتسلسل قطعًا لأنه لا بد أن ينتهي إلى معرفة حصلت بشكل عفوي بحيث لا يستطيع أن يبرهن عليها بشكل داخلاني (أي يقدم لها تبرير مخصوص من داخل وعيه الخاص) وإلا وقع في التسلسل، وهو سيكتفي بشعوره بيقين أنه يعرفها وأن عقله يملي عليه بشكل بدهي أنه فعلا يعرفها.

وتستطيع التحكم بهذا الوعي بتدخل إرادي كذلك في حالة النظر والاستدلال لكنك لا تحيط حال النظر بكل ما توعزه الغريزة والذاكرة من معارف باطنة بحيث تتمكن من الانتقال من مقدمة إلى نتيجة والقائل أن المقدمة (أ) وحدها بمعزل عن جميع المعارف الأخرى كافية للوصول إلى النتجية (ب) هو مكابر! إذ ما من معرفة معينة إلا وهي قائمة على مسلمات قد تخطر على بالك وقد لا تخطر! ولا تحتاج أن تخطر لأن في المقام المعين ذهنك يحتاج في مقام الخطاب أو النظر فقط إلى التفكير في (أ) للانتقال إلى (ب) بالنظر إلى جملة ما قد علم وانتهى وقامت عليه (أ) فلا حاجة لتكراره أو استحضاره إلى الوعي!

فالإنسان يدرك من نفسه أنه قد يمر بتجارب واستقرائات دقيقة ومعقدة جدا ومعارف حسية تتفاعل مع ما تحصل لديه من معارف عقلية بدهية ونظرية تنتظم بشكل بدهي دون تكلف بحيث تورثه معرفة ضرورية بقضايا معينة ولو حاول هو أن يعبر عن كيف تم بناء هذه المعرفة في نفسه ربما لن يعرف كيف يعبر عن ذلك، أو يمكن أن يعبر بشكل اختزالي أو ناقص أو خاطئ، لكن هذا لا يعني أنه لا يعرف لأن هناك فرق بين القدرة على الشرح والإبانة عن النفس والمعرفة الحاصلة فعلًا، ونظريات المعرفة الجدلية الدليلية خلطت بين الأمرين وادعت أن كل معرفة في النفس يجب أن يستطيع الإنسان التعبير عنها والدفاع عنها وإلا فهو لا يعرفها بالفعل، وهذه المسلّمة بحد ذاتها لا دليل عليها!

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

‏ليسَ كلُّ أحدٍ يُمكنه إِبانةُ المَعانِي القائِمةِ بقلبِه! – مجموع الفتاوى (العاشر)

ويقول في جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية:

“وليس كلُّ من وجدَ العلم قدرَ على التعبير عنه والاحتجاج له، فالعلمُ شيءٌ، وبيانه شيء آخر، والمناظرةُ عنه وإقامةُ دليله شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفِه شيء رابعٌ.”

لكن أصحاب هذا المنهج لا يلتزمون نهجهم في كل المعارف، بل قد يتحكم ويحدد دائرة صغيرة جدا من المعارف لا يخضعها لهذه الطريقة إن كان يقول بالقبلية أو التأسيسية الكلاسيكية، وقد بينا في غير هذا الموضع أن المنهج الداخلاني أساسا يناقض القول بالبديهيات ويجعله ليس له معنى ولو كان من أشد المذاهب دفاعًا عن العقل والعقلانية، لكنه يؤدي إلى القول بالنسبية المحضة في كل ما هو معرفة.
وهنا سآتي باقتباسات أخرى لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم تفيد هذا المنهج في التعامل مع الوساوس والشكوك والسفسطات:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا منفعة” – الرد على المنطقيين.

والمقصد أي غير الطريقة التي علمها بها العقل فعلا وحصلها أول مرة بلا تكلف نظر!، هذه هي الطريقة الفطرية في تحصيل تلك المعرفة بعينها فتكرار تحصيل الحاصل هو تعذيب للنفس بلا فائدة بل ربما فيه ضرر وهو إنكار علم متحصل في نفسك لأنه لم يحقق شرط نظري معين تحكمت في تسليطه على عقلك! كمسلمات الداخلانيين الدليليين!

وفي نفس هذا المطلب يقول شيخ الإسلام في كتابه النفيس درء تعارض العقل والنقل:

“كثيرا من العلوم تكون ضرورة فطرية فإذا طلب المستدل ان يستدل عليها خفيت ووقع فيها شك إما لما في ذلك من تطويل المقدمات وإما لما في ذلك من خفائها وإما لما في ذلك من كلا الامرين والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك إما لعجزه عن تصوره واما لعجزه عن التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الانسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وان أمكن نظم الدليل وفهمه فقد يحصل العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات فكثير من الامور المعروفة إذا حدّت بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد”

ومثل ذلك يقوله تلميذه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله في كتابه الصواعق المرسلة:

“فكيف يقدح في البراهين العقلية الضرورية بالشبه الخيالية المتناقضة إلا من هو من أفسد الناس عقلا ونظرا، وهل ذلك إلا من جنس الشبه التي أوردوها في التشكيك في الحسيات والبديهيات، فإنها وإن عجز كثير من الناس عن حلها فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والاضطرار، فمن قدر على حلها وإلا لم يتوقف جزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها”

وأن حل الوسوسة لا يلزم أن يكون دائمًا نظرًا واستدلالا مضادًا لها لأنها كما شبهها بعض العلماء كالجرب كلما حككت جلدك ازدادت الحكة، وكل من له خبرة بالوساوس يعلم أنك كلما أمعنت في الغرق معها ازدادت وتغيرت من صورة لأخرى لأنها مرض، فلا يمكن علاج الداء بما هو منه أصلًا

ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

“وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الأحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ونحو ذلك.” – الرد على المنطقيين

فهو يوضح أنه لا توجد طريقة معينة لإصلاح الفطرة وإيقاظها وعلاج الموسوس بل بحسب حالة المريض والأمر مفتوح للاجتهاد والأطباء النفسيين أعلم بذلك والأمر متروك لأهل التخصص، لكن المتفق عليه أن الموسوس لا يجب أن يترسل معها ويخضع لشرطها المشابه لشرط “المنهج الداخلاني” في المعرفة!.

وهنا مزيد تفصيل في هذا الأمر:

مقال: في الضرورات العقلية وعلاقتها بالقبلية والبعدية

نظرية المعرفة: الخارجانية في مواجهة الداخلانية

مقال: نظرية المعرفة: في الداخلانية الدليلية، والخارجانية الفطرية ومذهب شيخ الإسلام.
مقال: صناعة الشك – كيف دخل الوسواس لعقول طلاب العلم

سلسلة صوتية: قضايا معرفية

الغيث الشامي (أبو عبادة)

أبو عبادة، أثري، دمشقي، شغوف بعلوم الاعتقاد، مهتم بنقد الفلسفات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى