محتويات الدراسة
تتناول هذه الدراسة مفهوم “قابلية الرصد” وتميّز بين الرصد الحسّي المباشر والرصد “المشبَّع بالتنظير” أو “الرصد النظري”، أي الحالات التي لا يُعطى فيها الكيانُ اسمه ومعناه ابتداءً من الحضور الحسّي المباشر، بل يُفترض أولًا في الذهن بوصفٍ لغويّ ونموذجٍ تفسيري، ثم يُبحث عنه في الواقع؛ فإذا شوهد ما يشبه بعض أوصافه الحسية أُنزلت عليه حمولةٌ نظريةٌ زائدة على ما يُدرك بالحسّ لحظة المشاهدة. وتُبنى الحجّة عبر أمثلة: التفاحة بوصفها نموذجًا للتسمية الحسّية المحضة، وشخصٍ مُوصوفٍ يُبحث عنه (زيد) بوصفه مثالًا لتعيينٍ يعتمد على ما وراء الحسّ، ثم مثال “الإلكترون” بوصفه كيانًا تُثار بشأنه قضايا التأويل والرؤية “كـ…”. كما تُناقش الدراسة مفهوم “الأثر” في رصد كيانات لا تُرى مباشرة (كالحرارة عبر تمثيل لوني)، وحدود الاستدلال من الأثر على المؤثر عند غياب الاعتياد أو الضرورة العقلية، مع إبراز إمكان تعدد النماذج التفسيرية للآثار ذاتها، وأن المقارنة بينها تتمّ بالنظر في لوازمها وقدرتها على محاكاة الواقع والتنبؤ بما فيه.
تمهيد والإشكالية محل الدراسة
يُراد بمفهوم “قابلية المشاهدة” أو “قابلية الرصد” بيانُ ما الذي يمكن إدراكه بالحسّ، وبخاصةٍ بالنسبة للبشر: ما الذي نراه؟ وما الذي نقدر أن نراه؟ وما الذي لا نقدر؟ غير أن هذا المفهوم قد يُحمَّل بتنظيرٍ زائد، فيتحول من “قابلية حسّية” إلى “قابلية رصدٍ نظرية” تتوسطها نماذج ذهنية وتفسيرات سابقة على التجربة المباشرة. ولتوضيح الفكرة تُقدَّم أمثلة تُظهر الفرق بين تسميةٍ تنشأ من الحسّ مباشرة، وبين تسميةٍ تُفرض أولًا بوصفٍ لغويّ ثم تُنزَّل لاحقًا على ما يُرى.
قابلية الحسّ: التمييز بين “قابل للحسّ” و“قابل للحسّ بالنسبة للبشر”
تُعرَّف “قابلية الرصد” ابتداءً بأن يكون الشيء قابلًا للحسّ، لا على الإطلاق فحسب، بل بما يتصل بالبشر تحديدًا؛
إذ قد توجد أشياء قابلة للحسّ لكنها ليست كذلك بالنسبة للبشر. فمثلًا: الروح والملائكة والجنّ، والله سبحانه وتعالى يراهم، والملائكة ترى بعضها بعضًا وترى الروح، أمّا البشر فلا يرونهم؛ لا لأن تلك الموجودات لا تقبل الرؤية في ذاتها، بل لقصورٍ في حواسّ البشر. وبناءً على ذلك يُذكر أن الله سبحانه وتعالى يرى كل موجود، وكل شيء قائم بنفسه موجود خارج الذهن، وأن الله سبحانه وتعالى يرى هذه الكيانات. ويُذكر كذلك أن الله سبحانه وتعالى سيُرى يوم القيامة، وهو معتقد أهل السنة والجماعة.
ومن هنا يُستنتج أن كل موجود قائم بنفسه في الخارج يقبل الرؤية ويقبل الحسّ، وأن ما لا يقبل الحسّ البتة لذاته لا لقصور أداةٍ ما، بل لأنه بحد ذاته لا يقبل الحسّ، فهو غير موجود. وبذلك يكون “مسرح الأحداث” في الواقع هو العالم الحسّي لا العالم الذهني، خلافًا لما يُنسب إلى أفلاطون والمثاليين من القول بعالم معقولاتٍ محضةٍ لا شكل لها ولا صورة ولا تقبل الحسّ البتة، وتقسيم العالم إلى عالمين: عالم الأجسام وعالم الذهنيات المجردات في الخارج. غير أن هذا التفصيل ليس صلب الموضوع هنا، لأن المقصود هو قابلية الحسّ بالنسبة للبشر تحديدًا.
الرصد الحسّي المحض: التسمية بازاء الصفات الحسية (مثال التفاحة)

يُقدَّم مثال التفاحة: التفاحة هي التي تُعرف عادةً، يمكن أكلها والإشارة إليها، ويتعلم البشر بفطرتهم مسميات الأشياء من وظيفتها أو صفاتها الحسية. ومع تكرر رؤية أفراد كثيرة من التفاح، يتكوّن في الذهن مفهوم كليّ “التفاحة” ينطبق على الجميع لقدرٍ مشترك بينهم، ويبقى القدرُ المميّز (كتفاحة صفراء أو حمراء أو خضراء) داخل النوع نفسه ولا يخرجها عن مسمى التفاح. هذا البناء قائم على صفات حسية: كان الطفل يرى الشيء بصفات حسية معينة، ويشير له أهله بأنه يسمى “تفاحًا” وأنه يؤكل ويُشبع وله خصائص ووظائف وصفات حسية؛ وبناءً على ذلك يُوضع اللفظ “تفاح” في اللغة العربية بازاء هذا الشيء بعينه.
وعليه يمكن تحليل اللفظ إلى صفات حسية محضة أو وظائف يمكن تجربتها مباشرة بالحواس، ولا يلزم أن تكون لدى المتكلم “تصورات نظرية” عن تفاح لم يسبق له أن رآه بعينه.

الرصد المحمّل نظريًا: التعيين بما وراء الحسّ (مثال زيد والتوأم)
يُقابل المثال السابق مثالٌ يوضح كيف قد لا يكفي الحسّ وحده للتعيين، لأن الاسم لا ينزل على الصفات الحسية وحدها، بل على “حمولة” تتجاوز ما يظهر في لحظة المشاهدة.
يُفترض أن شخصًا وصف لك إنسانًا يسكن في مكان ما: مدينة معينة، حي معين، شقة معينة، عمارة معينة، وطلب منك الذهاب لأخذ شيء منه (مال مثلًا). ثم أضاف صفات حسية تقريبية: طويل، أشقر، أبيض، يلبس لباسًا بطريقة معينة (مثل بلوزة حمراء). أنت لم يسبق لك أن رأيت هذا الشخص، إنما تعتمد على الوصف اللغوي. تذهب وتبحث عنه، فتطرق الباب ويفتح لك شخص بالمواصفات المذكورة. عندئذٍ تقول: هذا هو “زيد” الذي ذُكر.
لكن قد يتبين الخطأ حين يقول: “لست زيدًا، أنا أخوه التوأم”. هنا يظهر وجه الخطأ: لقد توافرت الصفات الحسية التي وُصفت، ومع ذلك لم يكن هو “زيدًا”. والسبب أن مفهوم “زيد” الذي جئت تبحث عنه أوسع من مجرد هذه الصفات الحسية التي رتبت لك تقريبًا لتسهيل التعرف؛ فهناك أمورٌ لا تُرى بالعين لحظة فتح الباب: كونه الشخص المتفق مع آخر ليعطيك المال، وأنه مطلوب منه أن يسلك سلوكًا معينًا “لأنه زيد”. هذه حمولة نظرية تُنزَّل بمجرد تعيين الهوية، وليست صفة حسية تُرى مباشرة.
وبذلك يتضح الفرق بين “التفاحة” حيث ينزل الاسم على الصفات الحسية المحضة التي تُرى، وبين “زيد” حيث لا ينزل الاسم على تلك الصفات وحدها؛ إذ قد يوجد من يشاركها (كتوأمه) دون أن يطابق الاسم المقصود.
تطبيق التمييز على العلم التجريبي: مثال الإلكترون وحدود “رؤيته”
ينتقل التحليل إلى مثال من العلم التجريبي: قبل اختراع المجهر الإلكتروني وما شابهه كان الحديث عن الذرة والإلكترون قائمًا. ولو فُرض أننا رأينا الإلكترون، فإن ما يُرى لن يقول “أنا إلكترون”، ولن يكون مكتوبًا عليه أنه إلكترون. إنما سيرى الباحث شيئًا بصفات تشبه ما كان يصف به ذلك الكيان في تصوره الذهني، ثم يقول: “يبدو أن هذا هو الإلكترون”.
ويُؤكد هنا أن الواقع أكثر تفصيلًا من التصور السابق الذي يحتوي تبسيطات وتجريدات؛ كما في مثال الوصف اللغوي: حين قيل “بلوزة حمراء” فقد تكون عليها كتابة، وحين قيل “طويل” فلا يُعرف طولُه بالضبط، وإنما يكفي إجمالُ الوصف لتفهّم مراد المخاطِب. وفي الواقع لا يوجد “طول مجمل” بل طول معين محدد، لكن الذهن يكتفي بالإجمال.
وبالمثل، لدينا تصورات عن الإلكترون، ولسنا نعرف كل شيء عنه. ولو رأيناه مباشرة لاكتشفنا له صفات إضافية. ومع ذلك تبقى المسألة: عندما نكبّر مادة ونصل إلى كيان معين، سنقول “يبدو أنه الإلكترون” على نحوٍ يشبه قولنا “يبدو أن هذا هو زيد”؛ بخلاف التفاحة التي رُؤيت أولًا ثم وُضع لها الاسم بناءً على ما يُرى مباشرة.
لذلك تُقرر الدراسة أن “رؤية الإلكترون” ليست كرؤية التفاحة؛ لأن التفاحة وُضع اللفظ بازاء صفاتها الحسية المحضة، أما في الإلكترون فالاسم لم يُبنَ على صفات حسية فقط، بل على ما يزيد عما سيُرى لو شوهد الكيان. ومن ثم تصبح قابلية الرصد هنا “نظرية”: إذا صحّ التصور ورُئي شيء يشبهه قيل إنه هو، مع إمكان الخطأ. أما في التفاحة فيُقال إن تحقق الصفات التي عليها وُضع الاسم يجعل التسمية لازمة وفق شروط التعريف الحسي ذاته.
فرض كيانات جديدة: بين ما يُرصد مباشرة وما يُرصد أثره فقط
يتوسع التحليل إلى حالة “فرض كيان جديد” لم يسبق رؤيته: يُتخيل كيان جديد يفسر ظواهر معينة، ثم يُبحث عنه. وهذا أشبه بمسألة زيد من حيث إن البداية تكون من الفكرة ثم النزول إلى الواقع، مع فارق أن زيدًا من جنس البشر المعلومين بصفات عامة، بينما قد يكون الكيان المفروض “نوعًا جديدًا من الموجودات” له كيفية نوعية خاصة، مع اشتراك معنوي مع غيره.
ثم يُذكر أن بعض النماذج تفرض كيانات لا تقبل الرؤية المباشرة، وإنما يمكن رصد آثارها فقط: مثل التيار الكهربائي، أو الزمكان عند من يقول إنه شيء قائم بنفسه في الخارج، أو “الأثير” سابقًا، أو مواد كثيرة لا تُرصد مباشرة بل تُعرف عبر آثار تعيّن موضعها وكيفية قياس شدتها.
يُضرب مثال الحرارة: نحن لا نرى الحرارة، لكن نرى أداة تُلوّن المكان الحار بألوان معينة، فنستدل من الألوان على وجود الحرارة. فتكون الحرارة قابلة للرؤية بشكل نظري عبر تمثيل ينوب عنها (الأخضر والأحمر…).
تنازع النماذج التفسيرية و“الرؤية كـ…”: من الرؤية المباشرة إلى الرؤية المؤوَّلة

يُنبَّه إلى أن هذا لا يستقيم في كل الكيانات؛ لأن بعض الكيانات متنازع عليها بين عدة نماذج تفسيرية. فمثلًا قد يوجد نموذج يقول: إن “الإلكترون” يقبل الرؤية، وإذا رُئي كان بالشكل الفلاني، فإذا رُئي شيء بتلك الصفات أُنزلت عليه باقي صفات الإلكترون (وظيفته، تفاعلاته في أوضاع معينة…)، كما أُنزلت على الشخص الذي فُتح الباب عليه حمولة “زيد”.
ويقابل ذلك نموذج آخر يقول: لا، الإلكترون لا يقبل الرصد مباشرة وإنما تُرصد آثاره. وهنا يُستدعى مفهوم منسوب إلى فيتغنشتاين: هناك “رؤية مباشرة” (أراها تفاحة)، وهناك “رؤية كـ…” (أراها كتفاحة/كإلكترون). في الحالة الثانية يفسر المرء ما يراه بأنه الإلكترون لأنه عرفه لفظيًا أولًا ثم بحث عنه حسّيًا، فصار يقول: “أراه كإلكترون”. أما التفاحة فقد عُلّمت حسّيًا أولًا ثم تكوّنت الفكرة عنها، فلا يقال عادة “يبدو أنها تفاح” على النحو نفسه.
ويُقرر أن التفصيل مهم في فلسفة العلم: فبعض الناس يقولون “هذا الكيان مشاهد” أي رأينا الإلكترون ونحو ذلك. وليس المقصود أن كل مشاهدة مؤوَّلة باطلة أو غير يقينية؛ بل المقصود أن طريقة الاستدلال ومنطقها مختلف. قد يكون الاستدلال صحيحًا في كون المرجّح أن ما يُرى هو الإلكترون، لكن لا يصح القول إنه شوهد “كالتفاحة” مباشرة، لأن الفرق الفلسفي قائم.
أهمية التمييز في ضبط الدعاوى: مثال تفسير المرئي بأنه جنّ أو ملائكة
تُبرز الدراسة الأثر العملي للتمييز السابق في مواجهة دعاوى من قبيل: “رأيت كيانًا، إذًا هو جنّ” أو “رأيت ملائكة”. هنا يُقال إن كون الشخص فسر ما رآه بأنه ملائكة لا يعني أنها هي الملائكة؛ لأن الملائكة لا تُرى للبشر بعمومهم إلا لمن اصطفاه الله سبحانه وتعالى من الرسل ونحو ذلك، ولا يصح أن تصبح كيانًا معتادًا يراه أي أحد متى شاء.
وعندئذٍ يُعاد التأكيد على الفرق بين:
- شيء رُئي أولًا ثم وُضع له اسم بناء على ما رُئي تحديدًا
- وشيء تُخيّل أولًا ثم أُنزل اسمه على ما رُئي لاحقًا مع القول “يبدو أنه هو” أو “أراه كذا”، مع إمكان أن يقول غيره “أراه كشيء آخر” بحسب ما في ذهنه من تخيل مختلف.
معايير علمية فرض الكيانات: الرصد، الأثر، والجدوى التفسيرية
في فرض كيان جديد يُقال: إن فُرض أنه قابل للرؤية بالنسبة لنا، فالمطلوب البحث عنه في الواقع في المكان الذي فُرض وجوده فيه، وبالصفات التي فُرضت له، فإذا عُثر على شيء يشبه بعض الصفات الحسية قيل: “يبدو أنه نفس الكيان الذي كنت أتخيله”.
أما إذا فُرض أصلًا أنه لا يقبل الحس، فيُسأل: هل يمكن رصد أثره؟
إذا قيل: لا يمكن رصد أثره، قيل: ما الفائدة من تخيله؟ لا يمكن أن يكون تخيلًا علميًا؛ إذ لا يمكن الاستفادة منه ولا قياسه ولا رصد آثاره. فيصبح كيانًا خياليًا محضًا: تخيلٌ لإمكان الوجود ثم دعوى الوجود الفعلي مع نفي كل سبيل إلى الرؤية والرصد.
أما إذا قيل: يمكن رصد أثره، فيُطلب بيان الأثر. فإذا أُشير إلى آثار قيل: لا تُقل “هذه آثارُه” على وجه الجزم، بل: “أنا أفهمها كآثارٍ له”، لأنك لم تتأكد سابقًا من وجوده وأنه هو الذي يترك تلك الآثار. ثم يُقرر أن الأثر الواحد قد ينتج من أسباب متعددة: فالنور قد ينتجه القمر وقد تنتجه الشمس وقد ينتجه نجم آخر. وبناء عليه لا يكفي وجود الأثر وحده للجزم بالمؤثر إذا كان الرابط غير ثابت بالاعتياد أو الضرورة.
الاستدلال من الأثر على المؤثر: بين الضرورة العقلية والضرورة العادية
تُميز الدراسة بين نوعين من دلالة الأثر على المؤثر:
- دلالة بالضرورة العقلية، مثل: “المحدَث لابد له من محدِث”.
- دلالة بالضرورة العادية (الاعتياد)، مثل: “المطر لابد له من سحاب”.
أما في مثال جديد من قبيل: “إشعاعٌ فلاني لابد له من جسيم فلاني”، فيُسأل: هل سبق أن شوهد ذلك الجسيم يترك ذلك الإشعاع؟ إن لم يسبق، فالقول يصبح قائمًا على فرض وجود جسيم لم يثبت وجوده بعد، ثم القول: لو وُجد لترك هذا النوع من الأشعة. فإذا وُجد الإشعاع قيل: ربما دلّ عليه، لكن يبقى بإمكان شخص آخر أن يفرض شيئًا آخر لو وُجد لترك الإشعاع نفسه. وهنا يبدأ التنافس بين النماذج: يُقارن “خيال” كل نموذج ولوازمه، ويُنظر أيها يفسر الواقع على نحو أوفق وفق لوازمه، وأيها يتنبأ بما في الخارج.
حدود اللغة والتصور: بساطة الخيال وتفصيل الواقع
تختم الدراسة بتقرير أن الواقع دائمًا أكثر تفصيلًا من الخيال: مهما فُصِّل لغويًا سيبقى “من سمع ليس كمن رأى”. فاللغة تفرض بساطة وإجمالًا: حين يقال “طويل” فهذا يكفي للتواصل، مع أن الواقع طولٌ محدد. وكذلك من لم ير اللون الأحمر، فمهما وُصف له اللون الأحمر، ليس كمن رآه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




