فصل في بيان الفضيلة
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾ [التوبة ٤٠]
وجاء في الصحيح من حديث ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا».
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وهذه الآية إعلامٌ من الله لأصحاب النبي ﷺ أن الله هو المتكفّل بنصر رسوله وإظهار دينه على أعدائه، سواء نصره الناس أو لم ينصروه. وفيها أيضًا تذكيرٌ لهم بنصر الله له في وقت الشدة: حين كان المؤمنون قليلين والعدو كثيرًا، فإذا كان الله قد نصره في تلك الحال، فكيف لا ينصره بعد كثرة الأنصار وقلة العدو؟ ثم يفسر المعنى بقوله: إن لم تنفروا مع الرسول إذا استنفركم، فإن الله ناصره ومغنيه عنكم، كما نصره من قبل.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم كفار قريش، أخرجوا النبي ﷺ من وطنه وداره. والمقصود التذكير بحال الهجرة وما سبقها من تآمر المشركين عليه حتى اضطر إلى الخروج.
قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ معناها أحد اثنين، أي واحد من اثنين. والعرب تقول: “ثاني اثنين” و“ثالث ثلاثة” و“رابع أربعة” بمعنى: أحد هؤلاء المعدودين. والمقصود رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه بإجماع الأمة، ككون المراد من “العبد” في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا لم يجد أكابر المخالفين في هذا المقام سبيلًا إلى جحد ذلك، بل أذعنوا لما انعقد عليه النقل، وأقرّوا بأن المذكور في الآية هو أبو بكر.
قال الشيخ المفيد (ت 413هـ) في الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين، ص185: «أما خروج أبي بكر مع النبي صلىاللهعليهوآله فغير مدفوع، وكونه في الغار معه غير مجحود، واستحقاق اسم الصحبة معروف…».
ولم تختلف كلمة كبار مفسريهم في ذلك، فنص عليه: الطوسي (ت 460هـ) والطبرسي (ت 548هـ) و الطباطبائي (ت 1402هـ) جميعا في تفاسيرهم. حتى قال الطباطبائي (ت 1402هـ) في الميزان في تفسير القرآن (ج9 ص279): «والمراد بصاحبه هو أبو بكر للنقل القطعي».
﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ والغار في اللغة: هو النقب العظيم في الجبل. وورد في الأخبار الصحيحة أنه غار يقال له ثور، مكثوا فيه ثلاث ليال.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ والصاحب ههنا هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه كما تقدم، وفي هذه اللفظة من التنويه بقدره، والإشادة بذكره، والتنبيه على جلالة محله، ما لا يخفى على ذي فطنة؛ إذ لم يضفه الحق سبحانه إلى نبيّه ﷺ في هذا المقام العظيم إلا إشعارًا بخصوص مزيةٍ له، واختصاص رتبةٍ لم يشركه فيها غيره.
وبيان ذلك: أن رسول الله ﷺ لمّا عزم على الهجرة، وقد أحدق به البلاء، وتظاهرت عليه قريش، وائتمروا به ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، وصار الأمر إلى حالٍ لا يصلح لها إلا كاتمٌ للسر، ضابطٌ للأمر، مأمونُ الباطن، مجرَّبُ الوداد، صحيحُ الإيمان، لم يستصحب في تلك الحال الحرجة، والخطّة المعضلة، والفتنة المفظعة، إلا أبا بكر رضي الله عنه. وليس ذلك من أمور الاتفاق التي تقع جزافًا، ولا من الأحوال التي يداخلها التخيير على غير روية، بل هو اختيارُ من لا ينطق عن الهوى، ولا يضع موضع القرب والاختصاص إلا من علم استحقاقه له ظاهرًا وباطنًا.
ولو جاز في أبي بكر أن يكون منطويًا على دخيلة نفاق، أو مستسرًّا بضد ما يظهر من المحبة، لما جاز في مقتضى العقل، ولا في موجب الحكمة، أن يفضي إليه النبي ﷺ بسرّه في تلك الساعة، ولا أن يجعله صاحبَه في تلك المواطن التي يكفي فيها أدنى إخلالٍ بالكتمان، أو أقلّ ميلٍ إلى العدو، في إحباط التدبير، وإفساد الحيلة، وتمكين الطالب من المطلوب. فإن من خرج هاربًا من سيوفٍ قد سُلّت، وعيونٍ قد أُرسلت، وقلوبٍ قد امتلأت حنقًا وطلبًا لدمه، لا يصحب إلا من سكنت نفسه إلى نصحه، واطمأن قلبه إلى صدقه، وأمن غائلته سرًّا وجهرًا.
ثم إن هذا المعنى يزداد قوةً إذا نُظر إلى أن النبي ﷺ كان له من المؤمنين خلّصٌ أصفياء، ومن ذوي رحمه وأهل بيته أقربون أدنون، فلو كان المقصود مجردَ الصحبة في الطريق، أو المعونة في السفر، لم يتعين أبو بكر دون غيره. فلما خصّه بهذه الرتبة دون سائر الناس، عُلم أن له عند النبي ﷺ منزلةً ليست لغيره، وأنه قد اجتمع فيه من خصال الثقة، وكمال المحبة، وصحّة الإيمان، ورباطة الجأش، وحسن المعونة، ما أهّله لهذا الاختصاص الشريف.
وأيضًا، فإن طريق الهجرة لم تكن نزهةَ راكب، ولا مسيرَ آمن، وإنما كانت انتقالًا محفوفًا بالأخطار، مشحونًا بالمكاره، قد أحدقت به الطلبة من كل جانب، وتعلقت به الأبصار والظنون، فلا يصلح لهذا الشأن إلا رجلٌ قد باع نفسه لله، ووطّن قلبه على البذل، واستهان في مرضاة الله ورسوله بكل محبوب، ورأى فداءَ النبي ﷺ بنفسه وأهله وماله أهونَ الأشياء عليه. وهذه الخلال إنما عُرفت في أبي بكر رضي الله عنه معرفةَ مشاهدةٍ واختبار، لا دعوى مجرّدة ولا ظنًّا مبتورًا، فلذلك اختصه النبي ﷺ بهذه الصحبة العظمى.
فصحّ بذلك أن استصحاب النبي ﷺ لأبي بكر في الهجرة برهانٌ بيّن، ودليلٌ متين، على كمال ثقته به، وتمام سكونه إليه، وعلمه بصدق طويته، وصحة سريرته، وموافقته في باطنه لظاهره. وهذه فضيلةٌ لا مدفع لها، ومنقبةٌ لا مطعن فيها؛ إذ لو لم يكن الصدّيق رضي الله عنه في الذروة العليا من الإيمان، والغاية القصوى من الصدق والإخلاص، لما اختصه رسول الله ﷺ بنفسه في ذلك المقام الذي تزلّ فيه الأقدام، وتبلغ القلوب فيه الحناجر.
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وهذا من أصرح ما في الآية دلالةً على فضل الصدّيق رضي الله عنه، وعلوّ منزلته، وصحّة ولايته، وصفاء سريرته؛ فإن النبي ﷺ لم يقتصر على مجرّد تسليته، بل علّل نهيه عن الحزن بإثبات المعية الإلهية لهما، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فجعل هذه المعية سبب الأمن، وأصل الطمأنينة، ومناط زوال الخوف. وهذا من البيان الذي لا يدع لمتأمّلٍ مساغًا إلى الارتياب، ولا لمتعسّفٍ سبيلًا إلى التمحّل إلا بتكلّفٍ ظاهر، وتعسّفٍ بارد.
وقد تكلّفت طائفةٌ من الإمامية في صرف هذه الدلالة عن وجهها، فقالوا: ليست هذه المعية مما يقتضي فضيلةً للصديق؛ إذ هي إمّا المعية العامة، أعني معية العلم والإحاطة والاطّلاع، وهي شاملةٌ للمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، فلا اختصاص فيها لأحد؛ وإمّا معيةٌ خاصةٌ بالنبي ﷺ وحده، غير أن العبارة وردت بلفظ الجمع على جهة التعظيم، أو على جهة تطييب قلب أبي بكر، وإزالة وحشته من غير أن يكون داخلًا في حقيقة هذه المعية.
وهذا كلامٌ متهافت، تنبو عنه أساليب التنزيل، ويدفعه سياق الخطاب، وتأباه قوانين اللسان، ويبطله صريح المعقول.
أما بطلان حملها على المعية العامة، فلأن النبي ﷺ قال أولًا: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، ثم أتبعه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فجعل المعية علّةً للنهي عن الحزن، وسببًا لاندفاع الخوف. ومعلومٌ أن المعية العامة، التي معناها العلم والاطلاع والإحاطة، لا اختصاص فيها بوليّ دون عدوّ، ولا بمطيع دون فاجر؛ بل الكافر الذي كان قائمًا على باب الغار داخلٌ فيها كما أن المؤمن داخلٌ فيها. فإذا كان معنى الكلام على هذا التأويل: لا تحزن، فإن الله مطّلعٌ علينا، كما هو مطّلعٌ على أعدائنا الذين يطلبون دمنا ويقفون فوق رؤوسنا، كان هذا من أبرد الكلام، وأضعف التعليل، وأبعده من مقتضى المقام. إذ أيُّ سلوةٍ في إعلام الخائف المكروب بأن الله عالمٌ به وبمن يطلبه سواء؟ وأيُّ طمأنينةٍ في معيةٍ يشترك فيها الوليّ وعدوّه، والمستضعَف ومطارده؟ بل هذا ـ لو سُلّم ـ لم يكن مزيلًا للحزن، ولا دافعًا للخوف، بل لا يزيد الحال إلا تذكيرًا بشدّة البلوى، وعِظم المحنة، ومشاركة العدوّ له في هذا الوصف العام.
فثبت بذلك أن المعية المذكورة ليست هي المعية المطلقة العامة، بل هي معيةٌ خاصة، هي معية النصر، والتأييد، والحفظ، والكلاءة، والعصمة، وهذه هي المعية التي يذكرها الله في مقامات التثبيت، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وكقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فهذه معية تشريفٍ واختصاص، لا معيةُ إحاطةٍ وعموم، ومن أُدخل فيها فقد شهد له النصّ بحظٍّ وافرٍ من الولاية، ونصيبٍ بيّنٍ من الإيمان والإحسان. فإذا قال النبي ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فقد أدخل الصدّيق معه في هذا الكنف الرباني، وجعله شريكًا له في هذا الوصف الشريف، وهذه تزكيةٌ لا تُدافَع، ومنقبةٌ لا سبيل إلى إنكارها.
وأما قولهم: إن المعية خاصةٌ بالنبي ﷺ وحده، وإنما جاء بلفظ الجمع على طريق التعظيم، أو لجبر خاطر أبي بكر، فذلك أبطل وأفسد؛ لأن هذا خروجٌ بالكلام عن سنن العرب، وعدولٌ به عن ظاهره من غير موجب، بل مع قيام الموجب إلى خلافه. وذلك أن صيغ الجمع التي تقع للتعظيم إنما تُستعمل إذا تكلّم الواحد عن نفسه في مقام الإخبار المجرد، كقول الملك: “أمرنا” و“رأينا” و“فعلنا”، على معنى التفخيم لشأنه، واتساع سلطانه. فأما إذا كان الخطاب بين اثنين حاضرين، أحدهما متكلم والآخر مخاطب، فلا يُعرف في لسان العرب، ولا يجري في طرائق الفصحاء، أن يقول المتكلم لمخاطَبه: “إن الأمر لنا” وهو يريد نفسه وحده دون مخاطبه، ثم يجعل هذا اللفظ سببًا لتسكين روع صاحبه، وهو في الحقيقة خارجٌ عن مدلوله. فهذا تكلّفٌ لا تحتمله اللغة، ولا يقتضيه المقام، ولا يدلّ عليه اللفظ بوجه.
ولو كانت المعية مقصورةً على النبي ﷺ، لكان مقتضى البيان أن يقول: إن الله معي، كما قال موسى عليه السلام في مثل هذا المقام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فأفرد الضمير، لأن المعية التي أخبر بها كانت مخصوصةً به في ذلك المقام، وهو المبلِّغ عن ربه، المتحمّل لعبء الرسالة، والقائد لقومه. فلما عدل نبينا ﷺ عن هذا الأسلوب، وترك الإفراد إلى الجمع، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، عُلِم أن للعدول فائدةً، وأن هذه الفائدة هي إدخال الصدّيق في حكم هذه المعية، وتشريكه مع النبي ﷺ في موجبها من الحفظ والتأييد والكلاءة. إذ لو لم يكن لذلك فائدة، لكان العدول عن الإفراد إلى الجمع عبثًا من القول، وحاشا كلام أفصح الخلق ﷺ من ذلك.
ثم يقال أيضًا: إن النبي ﷺ لم يذكر هذه المعية إخبارًا مجرّدًا، بل ذكرها تعليلًا لنهيه أبا بكر عن الحزن، فقال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. والعلة لا بد أن تكون مناسبةً للمعلول، صالحةً لإفادة المقصود. فلو كانت المعية له ﷺ وحده، وكان أبو بكر خارجًا عنها، لم يكن في ذلك ما يوجب زوال حزنه، ولا ما يقتضي سكون قلبه؛ إذ كيف يقال لخائفٍ جزعٍ: لا تحزن، لأن الله مع غيرك؟ وكيف يكون اختصاص غيره بالمعية موجبًا لأمنه هو، وذهاب فزعه، واندفاع كربه؟ هذا مما تأباه البدائه، وتنكره الطباع، ولا يستقيم في قوانين الخطاب. بل لا يندفع حزن المحزون، ولا يسكن قلب المروع، إلا إذا علم أن سبب الأمن شاملٌ له، وأن مورد البشارة متناولٌ إياه. فلما علّق النبي ﷺ نهيه عن الحزن بهذه المعية، ثبت ضرورةً أن المخاطَب داخلٌ فيها، مشمولٌ بحكمها، محوطٌ بعنايتها.
ويزداد هذا المعنى ظهورًا إذا قيل: إن أبا بكر رضي الله عنه لمّا سمع هذا الخطاب سكن جأشه، واطمأن قلبه، وثبتت نفسه، ولو كان فهم من الكلام أن المعية للنبي ﷺ وحده، وأنه هو غير داخلٍ فيها، لما كان في ذلك ما يقتضي سكون نفسه، بل لكان الحزن عليه أملك، والخوف به أعلق؛ إذ غاية ما يفهم حينئذٍ أن النبيَّ محفوظٌ وهو غير محفوظ، ومؤيَّدٌ وهو غير مؤيَّد، وهذا خلاف مقتضى التسلية، وضدّ معنى التثبيت. فدلّ نفسُ أثر الكلام وموقعُه من المخاطب على أنه فُهم منه الاشتراك في هذه المعية، لا الانفراد بها.
فثبت من جميع ذلك أن قوله ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ نصٌّ في تشريك أبي بكر رضي الله عنه مع النبي ﷺ في معيةٍ خاصةٍ تقتضي الحفظ والنصر والرعاية، وأن هذا التشريك شهادةٌ ظاهرةٌ له بصحّة الإيمان، وكمال الصحبة، وعظيم المنزلة، وأن من حاول صرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى معيةٍ عامة، أو إلى تعظيمٍ موهوم، فقد أبعد النجعة، وخالف موجب العربية، وعارض صريح السياق، وركب متن التعسّف من غير برهان.
فأيُّ فضيلةٍ بعد هذه الفضيلة؟ وأيُّ منقبةٍ أظهر من أن يجعله النبي ﷺ شريكًا له في هذا المقام، ثم يثبت الله ذلك في كتابه المعجز، فيُتلى على مرّ الدهور، وتتناقله الألسنة في سائر الأعصار، شاهدًا للصدّيق بعلوّ المحل، وصحّة الولاية، وخصوصية الصحبة، وصدق الإدخال في معية الله الخاصة التي لا ينالها إلا أهل الإيمان واليقين؟
فصل في لادفع الاعتراضات
[الاعتراض الأول] النهي عن الحزن!
إن مما شغب به المفيد ومن حذا حذوه قولهم: أن حزنَ أبي بكرٍ رضي الله عنه في الغار لا يخلو: إمّا أن يكون طاعةً، أو معصيةً؛ فإن كان طاعةً لم يجز أن يقال له: ﴿لا تَحْزَنْ﴾، وإن كان معصيةً فقد دلّت الآية على وقوعه فيها.
وهذا الكلام فاسد مبناه على حصرٍ باطل، إذ ليس كل ما يَعْرِضُ للعبد من الأحوال والانفعالات دائرًا بين الطاعة والمعصية فقط، بل منها ما هو جبليٌّ فطريٌّ لا يُمدح من حيث هو ولا يُذم، وإنما يقع بحسب مقتضى البشرية من خوفٍ أو حزنٍ أو فزعٍ أو سرور. فالحزنُ من حيث هو ليس معصيةً لازمة، كما أن الوجع والجوع والعطش ليس شيءٌ منها معصيةً؛ وإنما النظر في سببه، ومتعلَّقه، وما قارنه من اعتراضٍ أو تسخُّطٍ أو سوء ظنٍّ بالله. فإذا خلا من ذلك، كان انفعالًا بشريًّا لا موجب فيه للذم.
وعلى هذا، فالنهي في قوله: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ ليس نهيَ تحريمٍ وتأثيم، بل نهيُ تسليةٍ وتثبيت، كقول الرجل لمن أهمّه أمرٌ: لا تجزع، ولا تهتم، ولا تُلقِ بيدك إلى الحزن؛ فإن الأمر إلى فرج. وهذا بابٌ معروفٌ في لسان العرب، وفي خطاب الشرع، لا يخفى إلا على من قلّت ممارسته لكلامهم. فليس كل نهيٍ يقتضي الذنب، بل قد يكون النهيُ للإرشاد، أو للتقوية، أو للتأنيس، أو لرفع الوهم، أو لتسكين القلب عند هجوم المكروه.
ولو اطّرد أصلهم الفاسد، للزمهم من اللوازم ما لا يقول به مسلم؛ فإن الله تعالى قد نهى أنبياءه ورسله عن الخوف والحزن في مواضع، وليس ذلك لوقوعهم في معصية. قال تعالى في شأن لوط عليه السلام: ﴿لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾، وقال لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾، وقال لنبيّه ﷺ: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾. فإن جعلوا مجرد النهي دليلًا على المعصية، لزمهم أن يجعلوا هذه المواضع كلَّها من باب التأثيم، وهذا باطلٌ بإجماع الأمة، بل هو قدحٌ في مقامات الأنبياء.
فإن قيل: تلك قرائنُها تدل على أن النهي فيها ليس للتأثيم. قيل: وكذلك ههنا؛ بل القرينة في آية الغار أظهر وأقوى؛ لأنه عقّب النهي بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فدلّ على أن المقصود إزالةُ موجب الحزن، لا التوبيخ على ذنب. فصار معنى الكلام: لا تحزن؛ فإن سبب الأمن حاصل، والحفظَ الإلهيَّ قد تَنزَّل، والمعيةَ الخاصةَ قد ثبتت. وهذا نهيُ تبشيرٍ وتسكين، لا نهيُ تعنيفٍ وتهجين. ومن أبينِ الخطأ أن يُجعل الكلامُ الذي سِيقَ مساقَ التثبيت والتسرية دليلًا على الذم والملامة.
ثم إن قولهم: إن حزن أبي بكر يدل على الجبن أو ضعف اليقين، مردودٌ من جهة اللغة ومن جهة الحال. أما اللغة، فإن الحزن غير الخوف؛ لأن الخوف توقّعُ مكروهٍ يُخشى وقوعُه، والحزن تألُّمُ القلب واغتمامُه لما نزل أو لما يُخشى نزولُه بمن يُحبّ. وأما الحال، فإن أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يكن حزنه على نفسه؛ إذ لو كان كذلك لما عرّض نفسه لهذا الموطن أصلًا، ولما خرج مع النبي ﷺ في أخطر ساعة، تاركًا داره وأهله، متحمّلًا تبعة الطلب والقتل. وإنما كان حزنُه إشفاقًا على رسول الله ﷺ، وخوفًا أن ينالَه المشركون بأذًى، فتكون المصيبةُ في الدين لا في شخصه. وهذا من كمال المحبة، لا من نقص الإيمان.
بل الأمر أظهر من ذلك؛ لأن من يدّعون فيه النفاق لا يستقيم منهم هذا التأويل أصلًا؛ إذ المنافق يسرّه أن تنزل الشدة برسول الله ﷺ، ويحزنه نجاتُه وظفرُه. فلو كان أبو بكر ـ والعياذ بالله ـ على ما زعموا من دخيلة سوء، لكان اقتراب الطلب من باب الغار موجبًا لسروره لا لحزنه؛ لأنه يرى بغيته قد قربت. فلما ثبت أنه اغتمَّ لذلك، واضطرب قلبه من أجله، علم أن الحامل له على هذا إنما هو صفاء المحبة، وصحة الموالاة، وصدق النصيحة.
ويؤكد ذلك أن النبي ﷺ لم ينكر أصل ما وجده أبو بكر في قلبه، ولم يوبخه عليه، وإنما نقله من مقام الحزن إلى مقام الطمأنينة، ومن موجب النظر إلى السبب الظاهر إلى موجب الثقة بحفظ الله. فلو كان ما وقع منه معصيةً، لكان موضعه الزجر والإنكار، لا مقام التأنيس والإخبار بالمعية الخاصة.
ثم يُقال لهم إلزامًا: إن عدَدْتم الحزن على النبي ﷺ نقصًا يُذمّ به صاحبُه، لزمكم من ذلك ما لا تلتزمونه في غير هذا الموضع؛ فإن الحزن على فقد الأحبة، وعلى نزول المصائب بأهل الدين، أمرٌ تعرفه الطباع السليمة، ولا يقدح في الإيمان، بل قد يكون دليل رقّة القلب، وكمال المودة، وصدق التعلّق بالمحبوب. وإنما المذموم ما اقترن بالتسخّط، أو سوء الأدب مع القدر، أو الاعتراض على حكم الله. فأين هذا من حزنٍ سببه تعظيمُ النبي ﷺ، والشفقةُ عليه، والغيرةُ على الدين؟
[الاعتراض الثاني] إفراد الضمائر!
فإن قيل: قد وردت الضمائر في الآية مفردةً في نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ﴾، وذلك دليلٌ على أن جميع ما في الآية من النصر والسكينة والتأييد مختصٌّ برسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر؛ إذ لو كان للصديق في ذلك نصيبٌ لجاء اللفظ بالتثنية، فقيل: أخرجوهما، وأنزل سكينته عليهما. ثم إن ردَّ ضمير ﴿عليه﴾ إلى أبي بكر يفضي إلى تفكيك الضمائر؛ لأن الضمير في ﴿وأيّده﴾ لا ريب أنه للنبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا من أوهى التعلّقات، وأفسد الشُّبَه، وأبعدها عن موجب اللسان، وصريح البرهان، إذ ليس في الآية ما يقتضي هذا اللزوم المدَّعى، ولا في نظمها ما يدل على هذا المفهوم المتكلَّف، بل غاية ما فيها اختلافُ نظرٍ في عود الضمير، ثم لا محذور على واحدٍ من التقديرين:
وذلك أن أهل العلم قد اختلفوا في عود الضمير في قوله: ﴿عَلَيۡهِ﴾ على قولين مشهورين:
أحدهما: أن الضمير راجعٌ إلى أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وهو مرويٌّ عن جماعةٍ من السلف، ووجهه ظاهرٌ من سياق الآية؛ لأن السكينة إنما تنزل عند اضطراب النفس، وحدوث الروع، وقيام موجب الحزن، والذي تقدّم ذكرُه في الآية من جهة الحزن إنما هو الصدّيق، لقوله ﷺ له: ﴿لَا تَحۡزَنۡ﴾، فكان حملُ السكينة على من توجّه إليه نهيُ الحزن أوفقَ بمساق الكلام، وأقربَ إلى مقتضى الحال.
إذ النبي ﷺ في ذلك المقام هو المثبِّت لصاحبه، والمسكِّن لروعه، والمخبر له عن معية الله الخاصة، فلا جرم كان ظاهرُ الحال أنه ساكنُ القلب، ثابتُ الجأش، مطمئنٌّ إلى وعد ربّه، وأما صاحبه فداخلته الشفقةُ والحزنُ على رسول الله ﷺ، فناسب أن تكون السكينة نازلةً عليه، إزالةً لما خامره من الهمّ، وتثبيتًا لفؤاده في ذلك الموطن العظيم.
ولا يرد على هذا لزوم اختلال النظم، وأنه كيف يعود الضمير في ﴿عليه﴾ إلى أبي بكر، ثم يعود الضمير في ﴿وأيّده﴾ إلى النبي ﷺ؛ فإن تفريق الضمائر مع قيام القرينة أمرٌ مطّردٌ في لسان العرب، جارٍ في أفصح الكلام، وواقعٌ في التنزيل العزيز في غير موضع. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لِتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾، فالتعزير والتوقير للرسول ﷺ، والتسبيح لله جل جلاله؟
وألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ﴾ على بعض وجوه التفسير، حيث تختلف مراجع الضمائر بحسب دلالة المقام؟ فإذا دلّ السياق على أن السكينة للخائف الحزين، والتأييد بالجند للنبي المنصور المؤيَّد، لم يكن في ذلك خروجٌ عن اللسان، ولا عدولٌ عن سنن البيان.
ثم إن هذا الوجه يزداد قوّةً إذا قيل: إن النبي ﷺ إنما قال: ﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ قبل ذكر السكينة، فدلّ ذلك على أنه كان في حال الطمأنينة والثبات قبل نزولها المذكور، إذ هو الذي يسكّن غيره، ويعلّله بالمعية، ويبشّره بالحفظ؛ ومن كانت هذه حاله لم يمتنع أن يقال: إن السكينة المذكورة نزلت على صاحبه الذي احتيج إلى تسكينه وتثبيته، لا عليه هو ﷺ. فهذا وجهٌ مستقيمٌ لا مطعن فيه.
والقول الثاني: أن الضمير راجعٌ إلى النبي ﷺ، وهو الذي اختاره جماعةٌ من المفسرين مثل ابن جرير، وحملوا قوله: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيۡهِ﴾ على الرسول ﷺ، وكذا قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾، فجرى الضميران على مرجعٍ واحد. وهذا القول أيضًا لا محذور فيه، ولا يستلزم بحالٍ ما توهّمه الخصم من نفي الفضيلة عن الصدّيق، ولا إخراجه من حيّز الإيمان، ولا سلبه ما أثبته الله له قبل ذلك في نفس الآية من الصحبة الخاصة والمعية الخاصة.
وبيان ذلك: أن إفراد المتبوع أو الأصل بالذكر لا يقتضي نفي الحكم عن التابع، ولا يلزم من تخصيص الرئيس باللفظ إخراجُ من دخل معه في المعنى تبعًا، وهذا بابٌ معروفٌ في لسان العرب، كثيرٌ في أساليب القرآن. ألا ترى أن الله تعالى قال في نفس الآية: ﴿إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾، فأفرد النبي ﷺ بالإخراج، مع أن أبا بكر قد خرج معه قطعًا، وكان مشاركًا له في مفارقة الوطن، وإنما أفرده بالذكر لأنه هو المقصودُ أولًا، والأصيلُ في هذا الأمر، وصاحبه تابعٌ له في ذلك. فكذلك إذا قيل: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيۡهِ﴾، لم يمتنع أن يخصّ الأصلَ بالذكر، ويكون التابعُ داخلًا تبعًا، أو يكون انتفاعُه بذلك لازمًا من لازماته.
ونظير هذا في التنزيل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتࣲ فَتَابَ عَلَيۡهِ﴾، مع أن حواء شاركته في أصل القصة، غير أن آدم هو الأصلُ في الذكر والمقصودُ بالخطاب، فاستُغني به عن ذكر التابع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ﴾، فأفرد الضمير مع تقدّم الاسمين، لما كان رضا الرسول تابعًا لرضا الله، أو لأن المقصود الجامع يكتفى فيه بالإفراد. فظهر أن الإفراد لا يدل بمجرده على الحصر والاستبعاد، كما توهمه المخالفون.
فلو قُدّر أن السكينة المذكورة نزلت على النبي ﷺ وحده، فإن ذلك لا يوجب أن يكون أبو بكر مجرّدًا من أثرها، ولا محرومًا من ثمرتها؛ لأن السكينة إذا نزلت على الأصل، سرى حكمُها إلى التبع، ولا سيما إذا كان سببُ حزن التابع متعلّقًا بسلامة الأصل. وذلك أن حزن أبي بكر لم يكن ـ كما تقدّم ـ خوفًا على نفسه، بل كان إشفاقًا على رسول الله ﷺ أن تمتدّ إليه أيدي المشركين، أو يُنَال بسوء.
فإذا أنزل الله سكينته على نبيّه، وأعلمه بحفظه، وأيّده بجنوده، فقد حصل بذلك عينُ ما يزيل حزن أبي بكر، وينقلب به همُّه أمنًا، وروعُه طمأنينة؛ لأن سبب حزنه قد ارتفع، وموردَ شفقته قد حُفظ. فكانت السكينة النازلة على النبي ﷺ راجعةَ الأثر إلى الصدّيق ضرورةً، وإن لم يكن هو المذكورَ أولًا في الضمير.
فالحاصل أن الخلاف في عود الضمير سواء قيل: هو راجعٌ إلى أبي بكر، استقام المعنى غايةَ الاستقامة؛ لأن السكينة نزلت على من توجّه إليه الحزن، وزالت بها وحشته.
وإن قيل: هو راجعٌ إلى النبي ﷺ، لم يلزم من ذلك قدحٍ في الصدّيق؛ لأنه باقٍ على صحبته الخاصة، ومعيته الخاصة، ومنتفعٌ بأثر السكينة لا محالة، ولا يلزم من إفراد النبي ﷺ بالذكر نفيُ الحكم عن تابعه.
فعلى التقديرين جميعًا لا مدخل للخصم إلى مقصوده، ولا سبيل له إلى ما رام من إسقاط الفضيلة أو نفي الإيمان.
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.




