الإلحاد

إِفْحَامُ المُجِيزِينَ لِتَسَلْسُلِ العِلَلِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إن قيل: تسلسل العلل الممكنة جائز، ولا دليل على امتناعه. أجيب: بل هو ممتنع بالبداهة، ويلزم منه نقض السببية، واجتماع النقيضين؛ وبيانه:

لزوم اجتماع النقيضين

الوجه الأول: الممكنَ ليس له وجود من نفسه، أي هو فاقدٌ للوجودِ بذاته، فافتراضُ تسلسلِ عللٍ من الممكنات، كلٌّ منها يُوجِبُ الآخرَ ويمُدُّه بالوجود، حاصله: أنَّ الفاقدين للوجود (أي الممكنات) ليسوا فاقدين له، وأن اجتماع ما ليس لهم وجود من نفسهم جعل لهم وجودا من نفسهم؛ وهذا تناقضٌ جليٌّ، يجعل اجتماع العدمي مع العدميات ينتج الوجودي.

ويمكن أن يضرب عليهم مثل تسلسل إقراض المال من المفلسين: أن جماعة من المفلسين (ليس لهم مال من نفسهم): اقترض كل فرد مفلس المال من المفلس الذي قبله، والذي قبله من الذي قبله، فلو لم يكن للسلسلة أول، وكانت حاصلة = لزم أن المفلسين غير مفلسين وهو تناقض.

الوجه الثاني: حاصل قول المخالفين أن مجموع الممكنات واجب (إذ تفسيره من نفسه من غير موجود آخر خارج السلسلة)، وهذا تناقض؛ فالممكنات ليس لها من نفسها إلا العدم، فلا توجد بنفسها، وضم الممكن إلى غيره في سلسلة الممكنات لا يرفع هذا الحكم عنهم، فتكثر الممكنات لا يوجب استغنائها من حيث التعريف، لأنها تفتقر لشيء خارج عنها يعطيها الوجود، وليس في المجموع وجود يعطيه للأفراد = إذن مجموع الممكنات ممكن بالضرورة. فالممكن مفتقر إلى غيره من كل وجه، وبالتالي امتنع أن يحصل مع اجتماعهم وصف زائد.

والنوع لا يأخذ حكم الأفراد إنما عندما يحصل نوع تغير في الصفة بضم كل فرد إلى في الذي يليه (في الصفة التي حصل فيها التغاير بين الفرد والنوع)، مثل التغاير الحاصل بين صفة الثقل في آحاد أجزاء الجبل ومجموع الأجزاء: فالآحاد خفيفة والمجموع ثقيل؛ وهذا لأن ضم كل فرد إلى الذي يليه يغير في تلك الصفة، فالصفة تحدث للمجموع بالتركيب.

ويقال لهم: إن كان الواجب هو المجموع، والأفراد هي الممكنة؛ فهذا يعني أن المجموع هو علة وجود الأفراد؛ والمجموع هو نفس الأفراد والهيئة الاجتماعية، فقول القائل «المجموع هو علة وجود الأفراد» يتضمن أن «الأفراد علة وجود الأفراد»؛ لأن المجموع هو نفس الأفراد بالإضافة إلى الهيئة الاجتماعية، والهيئة الاجتماعية عرض، والفرض أن ليس في الوجود إلا الممكنات، فكان هذا العرض قائمًا بالممكنات وبالتالي هو ممكن كذلك، فيصبح عندنا أشياء قائمة بنفسها هي الممكنات والأعراض القائمة بها -التي منها الهيئة الاجتماعية-، فيصبح قولهم «المجموع هو علة وجود الأفراد» يعني «الأفراد وما يقوم بها من أعراض علة وجود الأفراد وما يقوم بها من أعراض» وهذا معناه أن الشيء هو علة وجود نفسه، وهذا تناقض ممتنع.

هذا وفي أنساق منطقية حديثة إبطال هذا القول، ففي المنطق الموجه الرمزي الحديث مثلا modal logic S5: أن الضرورة (الوجوب) توزع على الأفراد المعطوفة.

If □(𝑃1∧𝑃2∧…∧𝑃𝑛) is true, then each □𝑃𝑖 is true.

لزوم نقض السببية

مقتضى السببية principle of sufficient reason: أن كل موجود، هناك تفسير لوجوده إما من نفسه وهو الواجب، وإما من غيره وهو الممكن، والفرض ها هنا: (1) أنها ممكنة فلا تفسير لها من نفسها من حيث التعريف. (2) أن لا علة خارج السلسلة: فلا تفسير من الغير = إذن لا تفسير، وهو نقض للسببية. فلا تفسير لمصدر الصفة التي يتناقلها الأفراد في السلسلة (الوجود).

بعبارة أخرى: إن الممكن (أ) لو كان يسبقه (ب)، فهو محتاج إلى (ب) في حدوثه، لكن إن كانت (ب) تفتقر إلى (ج)، فإن (أ) مفتقر إلى (ب) و(ج)، وإن كانت (ج) تفتقر إلى (د) فإن (أ) تفتقر إلى (ب) و(ج) و(د)، ويتسلسل الأمر، فيتوقف (أ) على أمور لا تتم، فلا تتم علة وجوده أصلًا. يوضحه: مثال الجندي والرصاصة.

ويمكن أن يُضرب عليها مثال الدومينو، الذي لا يتحرك من نفسه، وإنما يحتاج في حركته إلى تحريك الذي سبقه له، ومثله الذي سبقه؛ فإن كانت حركة الدومينو حاصلة عُلم بالبداهة أن لها أول.

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن الآراء السنية السلفية، وبتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى