محتويات الدراسة
نؤسس هنا مقدمات أولية في الإبستمولوجيا حول كيفية تعلّم الإنسان للمعاني اللغوية عبر الحسّ والاستعمال في السياق، ثم تبني عليها تمييزًا منهجيًا بين مرحلتين:
- مرحلة حسّية-طبيعية في تشكّل المعنى داخل اللغة الطبيعية (Natural Language)،
- ومرحلة نظرية-علمية في صياغة التعريفات ضمن الأطر التفسيرية (Theoretical Definitions within Explanatory Theories).
وبناءً على هذا التمييز، تقترح النظرية حدودًا عملية لمشكلة تعدد البارادايمات وعدم قابلية الترجمة (Incommensurability)، عبر اشتراط “لغة محايدة بارادايميًا” في الإشارة إلى الظواهر، مع توضيح سبب تعثّر هذا الحل عند الكيانات النظرية الخالصة (Pure Theoretical Entities)، وبيان الحالة التي يظهر فيها عدم القابلية للترجمة بأقصى وضوح، كما في محاولة نقل مفاهيم نظرية ميتافيزيقية إلى إطار يرفض إمكانها ابتداءً.
تمهيد: ما هي مشكلة عدم قابلية الترجمة؟ (Incommensurability / Untranslatability)
تُثار مشكلة عدم قابلية الترجمة حين لا يعود الخلاف بين إطارين علميين أو فلسفيين (Paradigms) مجرد اختلاف في الألفاظ، بل اختلافًا في بنية المعنى نفسه: أي حين تكون المصطلحات الأساسية في إطارٍ ما محمولةً على شبكة من التعريفات الأولية (Primitive Definitions) والمسلمات (Axioms/Presuppositions) والمعايير التفسيرية (Explanatory Standards)، بحيث لا يمكن نقلها إلى إطار آخر إلا بتغيير معناها أو تشويه وظيفتها.
تظهر المشكلة عادةً في صور متعددة، أهمها:
تغيّر المرجع أو نطاقه (Reference Shift): المصطلح “يبدو” نفسه، لكن ما يشير إليه أو حدوده يتبدّل بتبدّل النظرية.
حِمل نظري كثيف (Theory-ladenness): المصطلح لا يصف الظاهرة فقط، بل يضمّ ضمن معناه تفسيرًا أو آلية سببية؛ فإذا تغيّر الإطار تغيّر ما يفترضه المصطلح من تفسير ضمني.
غياب معيار محايد أعلى (No Neutral Metalanguage): لا يوجد “طرف ثالث” متفق عليه يُستعمل للحكم بأن الطرفين يتكلمان عن الشيء نفسه بنفس المعنى، لأن ما يُعدّ وصفًا “محايدًا” في إطار قد لا يكون كذلك في إطار آخر.
وعليه، فلبّ المشكلة ليس مجرد ترجمة لفظية (Lexical Translation)، بل ترجمة مفهومية-بنائية (Conceptual/Structural Translation) تتطلب أرضية مشتركة في المعنى أو في شروط الإشارة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إطار يميّز بين مستويات المعنى ويحدد متى تتوفر الأرضية المشتركة ومتى تنتفي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“والمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ المتشايهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل علي عرض، إما مسمي مصدر عقل يعقل عقلا، وإما قوة يكون بها العقل، وهي العزيزة، وهم يريدون بذلك جوهراً مجرداً قائماً بنفسه.
وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم، والتحيز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث، والقدم بل ولفظ الواجب، والممكن، بل ولفظ الوجود، والذات وغير ذلك من الألفاظ.
وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون علي ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم، كما لأهل الصناعات العلمية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم، وهذه الألفاظ هي عرفية عرفاً خاصاً، ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة، سواء كان ذلك المعني حقاً أو باطلاً.
وإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلي بيان: وذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا، ويلبسون علي الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق، ويقولون أيضاً: إنه موافق للشرع، إذا لم يظهروا مخالفة الشرع، كما يفعله الملاحدة من القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم. وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم ـ مع كونه ليس هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن ـ فقد يفضي إلي مخالفة ألفاظ القرآن في الظاهر..” – درء تعارض العقل والنقل
سؤال المعنى وحدود الترجمة بين الأطر
تنطلق هذه المقاربة من افتراض بسيط في مظهره، واسع الأثر في نتائجه: أن النزاعات حول ترجمة المفاهيم بين الأطر العلمية أو الفلسفية لا تُحسم بمجرد مطابقة ألفاظٍ بألفاظ، لأن “المعنى” نفسه يتكوّن عبر مسار تعلّم وتوظيف، ويتحوّل بتغيّر أغراض التعريف ووظائفه. لذلك تقترح النظرية ربط مشكلة عدم القابلية للترجمة (Incommensurability) بأصلٍ إبستمولوجي-لساني: كيف ينشأ معنى اللفظ ابتداءً، وكيف ينتقل من دلالته الحسّية-الاستعمالية إلى دلالته النظرية-التفسيرية.
المقدمة الإبستمولوجية: تعلّم المعاني من الحسّ والاستعمال
يتعلم الإنسان المعاني اللغوية من الحس والاستعمال في سياق، وبناء عليه يتعلم المعاني والأنواع والمواد من خلال الكيفيات الحسية والوظيفة في سياق الاستعمال أو التفاعل مع الشيء. فالمعنى الأولي ليس نتيجة تعريف نظري سابق، بل حصيلة تمييز حسّي مباشر وتكرار استعمالي ضمن ظروف معتادة.
في الأصل الحسي للمعارف والكليات والكلمات يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها، لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات، فتبقى القضية العامة ثابتة في العقل لا تحتاج إلى شواهد وأمثلة جزئية، إلا أن يكون علم تلك القضية العقلية من تركب قضايا أخر، وقوله: (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) ليس من هذا ولا من هذا” – شرح الأصبهانية
وفي السياق والاستعمال يقول:
“إذا كان اللفظ لم ينطق به إلا مقيدا ؛ فإنه يسبق إلى الذهن في كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع . وأما إذا أطلق ؛ فهو لا يستعمل في الكلام مطلقا قط فلم يبق له حال إطلاق محض.”- الإيمان الكبير (ص: 56)
مثال الماء بوصفه نموذجًا تأسيسيًا
حين يتعامل الإنسان مع الماء، يضع له مسمى مبدئيًا في اللغة الطبيعية العادية مبنيًا على الخصائص الحسية والتميّز الحسّي المباشر بمختلف أشكاله:
- الوظيفة
- الاستعمال
- التفاعل في ظروف مختلفة معتادة
وهذا المسمى يُشار إليه بلفظة “ماء” باعتباره معنى مشارًا إليه (Referent) لا بوصفه تركيبًا دقيقًا. وبعد تعلم هذا من الحس، يستطيع الإنسان صياغة تعريف لغوي للماء، أو تعريف بالإشارة، أو غير ذلك من صيغ التعريف التي تأتي لاحقًا بوصفها تقنينًا للمعنى الذي تكوّن أصلًا عبر الحس والاستعمال.
انتقال غرض التعريف: من التعريف اللغوي إلى التعريف النظري
الأغراض البحثية من التعريف تتعقد لاحقًا مع نشوء العلوم المختلفة مثل الكيمياء والفيزياء، فيبدأ الإنسان بوضع تعريفات نظرية (Theoretical Definitions) مبنية على نظرية تفسيرية (Explanatory Theory) للماء، مثل القول: الماء هو H2O. وهذا التعريف مبني على استقراء العادة في طبيعة الماء على مستوى أدق، وفي حدود التجربة التي سمحت لنا أن نعرف تكوين الماء الموجود حولنا في حيز الاستقراء زمانيّا ومكانيّا.
لكن الأهم هنا: أن مسمى “الماء” في اللغة العادية يبقى أوسع، لأنه مبني على الخصائص الحسية لا على التركيب الدقيق. ولذلك، لو أن شيئًا آخر يقدم وظائف مشابهة أو يظهر خصائص حسّية مشابهة، فلا مشكلة في اللغة الطبيعية أن يسمى “ماء” ويدخل في نوع الماء بقدر مشترك في المعنى والكيفية، فيصبح كأنه نوع آخر من الماء. ويُضاف إلى ذلك أن من الممكن عقلًا أن تؤدي عدة تراكيب ذرّية خصائص حسية متشابهة أو وظيفية متشابهة.
ومن ثمّ لا يصح—وفق هذا الإطار—حصر لفظ الماء بأنه فقط H2O واختزاله لهذه الكيفية كما يقول بعض فلاسفة اللغويات، لأن ذلك يخلط بين المرحلة النظرية في التعريف والمرحلة الطبيعية الحسية، وكلاهما له منطق مختلف ولا يتعارضان. فالتعريف النظري يخدم أغراضًا تفسيرية-علمية، أما التسمية الطبيعية فمرتكزها الحسّ والاستعمال؛ والخطأ أن تُجعل وظيفة الثانية تابعة للأولى على نحو الإلغاء أو الاختزال.




