قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“والمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ المتشايهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل علي عرض، إما مسمي مصدر عقل يعقل عقلا، وإما قوة يكون بها العقل، وهي العزيزة، وهم يريدون بذلك جوهراً مجرداً قائماً بنفسه.
وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم، والتحيز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث، والقدم بل ولفظ الواجب، والممكن، بل ولفظ الوجود، والذات وغير ذلك من الألفاظ.
وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون علي ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم، كما لأهل الصناعات العلمية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم، وهذه الألفاظ هي عرفية عرفاً خاصاً، ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة، سواء كان ذلك المعني حقاً أو باطلاً.وإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلي بيان: وذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا، ويلبسون علي الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق، ويقولون أيضاً: إنه موافق للشرع، إذا لم يظهروا مخالفة الشرع، كما يفعله الملاحدة من القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم. وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم ـ مع كونه ليس هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن ـ فقد يفضي إلي مخالفة ألفاظ القرآن في الظاهر..” – درء تعارض العقل والنقل
والبردايم أو النموذج الإرشادي هو مصطلح ظهر مع توماس كون فيلسوف العلوم وأشار فيه لقضية في غاية الأهمية وهي أن كل منظومة فكرية يكون لها مسلمات وتعريفات أولية ونظرة للعالم تخصها وتنطلق منها في التعبير عن نفسها وصياغة براهينها، وأعلاها وأكثرها تجذّرًا هي البردايمات التي يكون لها نموذج خاص في المعرفة والوجود، فهذه لها رؤية كونية شاملة تنزل آثارها على كل شيء حرفيا، الدين، اللغة، العقل، الحس، الدليل، المشاهدة، المكان، الزمان، الوجود، الشيء، العدم.
كل هذه المصطلحات سيتم تعريفها بما يتناسق مع نظريتهم في الوجود والمعرفة، فإما أن يكون هذا البردايم منطلق من اللغة الطبيعية الفطرية والتصورات الفطرية للناس عن هذه المفاهيم، أو يكون له نظرية مختلفة وضعها وفرع عنها كل هذه التعريفات، وعند الفلاسفة نفاة الفطرة يضعون معضلة هنا تسمى “عدم قابلية المقارنة – الترجمة Incommensurability” وقد أشار إليه فلاسفة كبار مثل توماس كون Thomas Kuhn وبول فيرابيند Paul Feyerabend، ويعبرون بهذا المصطلح عن امتناع التخاطب بين بردايمين كليين شاملين مختلفين بلا وجود فطرة مشتركة بين العقلاء تشكل بردايم أعلى مشترك، فإذا تم نفيه وتم نفي وجود طبيعة عقلية مشتركة بين البشر متعالية عن النشأة الاجتماعية والنظرية، فإن ألفاظ اللغة وطريقة التعبير عن المحسوس ستختلف بالكلية بين نظامين كليين، فيصبح التخاطب والاستدلال بينهم غير دقيق وفاسد، إذ كل صاحب نظرية سيفهم الكلمات ومنهجية التفكير والاستدلال بما هو تابع ومتناسق مع نظريته، حتى فهمه للكلمات التي تصف نظرية خصمه!، ويمكننا أن نقول بالعامية “حوار طرشان”، وهو شبيه بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل:
“وهو كما قال فإن الله تعالى نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والنور وبين الباطل والظلام وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها ولولا ما في القلوب من الإستعداد لمعرفة الحقائق لم يكن النظر والاستدلال ولا الخطاب والكلام”
فلولا وجود كلمات أساسية في الخطاب اللغوي وهي بسيطة بحيث انها تشير إلى المحسوس المشترك والمعنى الكلي المشترك المنتزع من الحس الذي لا يعتبر إصطلاح معنوي معقد خاص بقوم، لم يتمكن البشر من فك الإجمال ولا التعلم ولا الترجمة، بل ولم يكن هناك ضمانة أن ما تفهمه من كلامي هذا هو نفس ما أعنيه، بسبب امتناع الشرح والإعادة إلى أرضية مشتركة نابعة عن الفهم الفطري (الحس السليم) للعالم.
فعند هؤلاء الفلاسفة نفاة الفطرة أصبحت هذه المقارنة أو الترجمة ممتنعة، كل مقدمة ستأتيني بها فهي مكونة من كلمات لها مصادر تلقي مختلفة عندك عما هو عندي، ومعاني مختلفة عندك عنا هو عندي، بل تصورك عن العقل وعمله والاستدلال كله مختلف، فكيف ستحصل بيننا المحاججة أصلًا إن لم تكن هناك فطرة مشتركة؟
هذه المشكلة نفسها تعاني منها الأنظمة التي توجب على الناس استحداث فطرة جديدة كما قال فخر الدين الرازي في كتابه تأسيس التقديس نقلًا وموافقة عن آرسطوطاليس، فهي تعيد تعريف المصطلحات الأساسية في وعي كل إنسان ومع ذلك تريد منا الاحتكام لها مباشرة وتقيم محاكم تفتيش لمن يختلف معها في تعريف مصطلحاتها الأولى (اختلاف بردايمي)، فمثلًا تجد الأشعرية تحاكم السلفية لأنها “تجسم” الإله، بينما هم أعادوا تعريف الموجود – الشيء ليتوافق مع نظرية الجوهر والعرض وعلاقة التركب بينهما والزمان والمكان وغيروها من طريقة الفهم الفطرية إلى مفاهيم اصطلاحية جديدة واستنبطوا من هذه التعريفات لوازم لا تلزم إلا لمن تبنى البردايم الخاص بهم، فما يراه الأشعري “جسم” يراه السلفي “شيء” بمعنى “ليس بعدم”، لكن بينما السلفي قد يقول للأشعري “أنت تعبد عدمًا” محتكمًا للتصورات الفطرية، فالأشعري يرى أن التصور الفطري ساذج وخاطئ والتصور النظري البردايمي الخاص به لا يدرك إلا بدقيق النظر، لكنه مع ذلك يلوم السلفي على عدم توصله لهذه النتائج التي توصل لها، رغم أن المعاني الفطرة لا توصل لها، بل علمائه يقرون أن ظواهر النصوص جائت موافقة للتصورات الفطرية حتى لا يكفر الناس!!، ويقرون بأن العوام لو تركوا على فطرتهم سيركنون للمحسوس وسيثبتون إله له مكان وزمان، حيث يكون مكانه فوق كل مكان مخلوق، وهو صفة لذاته ونسبة “الفوقية” إلى كل مخلوق هو تحته، وزمان وهو أنه لم يزل في الماضي بلا بداية لمدة لا تحصى، وهو في الحاضر ومستمر في المستقبل وتمتاز في علمه لحظة عن لحظة وحدث عن حدث، ويرانا ويسمعنا الآن بالفعل، الخ..
فلا يفهمون أن كل ما يشنعونه على المسلم السني السلفي مما دلت عليه الفطرة وظواهر النصوص، لا يمكن أن يزول إلا باستحداث فطرة جديدة، وأنه قبل ذلك لا معنى لهذه الشناعة إذ ما هو جسم مفتقر لما تركب منه عندك، هو عندي غير مركب أصلًا بل هو شيء واحد له صفات، وما هو حلول حوادث عندك هو عندي محض أفعال في وقتها المناسب للحكمة بإرادة الفاعل، لم يفتقر فيها لغيره وفعلها عن علم وقدرة وحكمة، ولن تلزمني هذه الشناعات إلا إذا التزمت نظريتك، وليس اللازم بقريب لأن هذه نظرية شاملة كبيرة تعيد تعريف كل المفاهيم الذهنية التي تشكل “التصور الكوني worldview” للإنسان.
والكثير من الأشاعرة يمارس المغالطة حيث يشنع على الناس باستخدام المعنى اللغوي المباشر لكلمة “جسم” ويخفي في باطنه المعنى الكلامي الاصطلاحي الخاص، ليدفع العامي لنفيه بعد حقنه بنفي الصفات العينية، مع أنه لن يلزم أحد نفي ذلك إلا بعد تبني تصورات وأقيسة النظرية الكلامية في أن العلاقة بين العرض والجوهر علاقة تركب وافتقار شيء إلى غيره!
العامي يتعلم المعنى الكلي المشترك الإجمالي لكلمة “حياة” من نفس مصدر تعلمه لكلمة “يد” ويستخدم قياس الغائب على الشاهد هنا وهناك بلا أي فرق، أما المتكلم فهو يثبت معرفة قبلية خاصة يعرف من خلالها صفة “الحياة” كصفة ليست بعرض قائم بجوهر فلا يستخدم قياس الغائب على الشاهد، بينما في صفة اليد يتعنت، وهذا بسبب نظرية خاصة في الابستمولوجيا الكلامية، فما شأن العامي بها؟!.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الدرء:
“إن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخري ليست في القرآن، وربما جاءت في القرآن بمعني آخر، فليست تلك العبارات مما أثبته القرآن، بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفياً باطلاً، نفاه الشرع والعقل، وهم اصطلحوا بتلك العبارات علي معان غير معانيها في لغة العرب، فتبقي إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب علي باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص علي باطل، فمن خاطبهم بلغة العرب قالوا: إنه لم يفهم مرادنا، ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال ما يخالف القرآن، وكان هذا من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة.”