أبحاث شرعيةالعلم التجريبي وفلسفته

الدرر الغرائب في دفع شبهة الصلب والترائب

الرد على شبهة وقوع الغلط العلمي في قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾

مقدمة

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ الذي أنزلَ كتابَه بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، وجعلَه مُعجِزاً في نظمِه ومعناه إلى يومِ الدِّينِ، والصلاةُ والسلامُ على مَن أُوتيَ جوامعَ الكَلِمِ وبُعِثَ رحمةً للعالمينَ.

أمّا بعدُ: فإنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ۝ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ۝ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 5-7].

وقد جرى في هذا الزمانِ أن طعنَ طاعنونَ في هذه الآيةِ الكريمةِ، وتداولوا في مجالسِهم ومنتدياتِهم شُبهةً حاصلُها: أنَّ الآيةَ تزعُمُ — بحسبِ فهمِهم — أنَّ المنيَّ يخرجُ من موضعٍ بينَ العمودِ الفقريِّ والأضلاعِ، وأنَّ هذا مخالفٌ لما قرَّرَه علمُ التشريحِ الحديثِ من أنَّ المنيَّ يُصنَعُ في الخصيتَينِ المُستقرَّتَينِ في كيسِ الصَّفَنِ في الحوض، فيكونُ القرآنُ — في زعمِهم — قد جاءَ بخبرٍ يُناقضُ الواقع.

وهذه الشُّبهةُ وإن كانت واهيةَ الأساسِ عندَ مَن يُحسِنُ النظرَ، إلّا أنّها قد شاعتْ شُيوعاً عريضاً في شبكاتِ هذا العصرِ ومنابرِه، وصارَ يتناقلُها مَن لا بضاعةَ له في لسانِ العربِ ولا في أصولِ التفسيرِ، حتّى فُتِنَ بها أقوامٌ من ضِعافِ المسلمينَ، وظنّوا أنَّ العلمَ قد أبطلَ ما جاءَ به القرآنُ.

ولمّا رأيتُ هذه الشُّبهةَ قد استطارَ شرَرُها وعظُمَ خطَرُها على عوامِّ المسلمينَ، وأنَّ كثيراً ممّن ردَّ عليها لم يُوفِّها حقَّها من التحريرِ والتفصيلِ، رأيتُ أن أجمعَ في هذا البحثِ ما تفرَّقَ من كلامِ أهلِ العلمِ في معنى الآيةِ، وأن أحكيَ خلافَ المفسّرينَ فيها حكايةً منضبطةً تُبيِّنُ مأخذَ كلِّ قولٍ ودليلَه، وأن أُفرِدَ كلَّ وجهٍ من الأوجهِ التفسيريّةِ ببيانِ ما يُسوِّغُه من جهةِ اللسانِ وما يشهدُ له من جهةِ الواقعِ، حتّى يتبيَّنَ لكلِّ ذي عقلٍ أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ لا مطعن فيها بوجه، وأنَّ الطاعنَ فيها لم يُؤتَ من قِبَلِ القرآنِ بل أُتِيَ من قِبَلِ جهلِه بلسانِ العربِ وقصورِه في مدارِكِ التفسيرِ.

وقد رتَّبتُ هذا البحثَ على النحوِ الآتي: بدأتُ بحكايةِ خلافِ المفسّرينَ في الآيةِ مع بيانِ مآخذِ الخلافِ يُظهِرُ كيف تفرَّعَتِ الأقوالُ بعضُها من بعضٍ، ليقفَ القارئُ على أصل المسألة. ثمّ أفردتُ كلَّ قولٍ من الأقوالِ الكبرى ببحثٍ مستقلٍّ فيه نصرتُه وبيانُ أدلّتِه من جهةِ اللغةِ والتفسيرِ ومطابقتِه للواقعِ العلميِّ.

وأسألُ اللهَ أن يُوفِّقَنا للصوابِ وأن يجعلَ هذا البحثَ نافعاً لمن أرادَ الحقَّ ولم تأخُذْه العزّةُ بالإثمِ. وصلّى اللهُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.

حكاية خلاف المفسرين

قال اللهُ تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ۝ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ۝ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 5-7].

فإن هذه الآية من المواضع التي كثر فيها كلام المفسّرين، وتشعّبت فيها وجوه التأويل، لا من جهة أصل المعنى العام، فإنهم متّفقون على أن المقصود تذكير الإنسان بأصل خلقه، وإقامة الحجة عليه في إمكان إعادته؛ ولكن من جهة تحرير المراد بالصلب والترائب، وبيان إلى أي شيء يعود الضمير، ومن أي جهة يُفهم الخروج.

أما تفسير الصلب والترائب، فلم يقع في الصلب خلاف يعتدُّ به، جاء في لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ) في مادة (صلب): «الصُّلْبُ والصُّلُبُ: عَظْمٌ مِنْ لَدُنِ الكاهِلِ إِلى العَجْبِ، والجمع: أَصْلُبٌ وأَصْلابٌ وصِلَبَةٌ».

The Spinal Column: Anatomy and 3D Illustrations

وأما الترائب فهي جمع تريبة، قد تعدَّدتْ عباراتُ المفسّرينَ وأهلِ اللغةِ في تحديدِها، وجميع ما ذكروا يرجع إلى معنىً واحد، وهو: مُقدَّمُ الجِذعِ من أعلاه، أي ناحيةُ الصدرِ وما يتّصلُ به من الأضلاعِ والترقوتَينِ وموضعِ القِلادةِ.

وإنّما وقعَ التنوُّعُ في عباراتِهم لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم أشارَ إلى جزءٍ من تلك الناحيةِ أو وصفَها بوصفٍ يختلفُ عن وصفِ غيرِه: فمَن قال “موضعُ القِلادةِ” أشارَ إلى أعلى الصدرِ حيثُ تقعُ القِلادةُ.

ومَن قال “ما بينَ الثديَينِ” أشارَ إلى وسطِ الصدرِ. ومَن قال “أربعُ أضلاعٍ من ذا وأربعٌ من ذا” أشارَ إلى الأضلاعِ المحيطةِ بالصدرِ. ومَن قال “بينَ المنكِبَينِ والصدرِ” أشارَ إلى أعلى الجِذعِ من قُدّامٍ. ومَن قال “بينَ الترقوتَينِ والثندوتَينِ” حدَّدَ المنطقةَ بما بينَ أعلى الصدرِ وأسفلِه. ومَن قال “عظامُ الصدرِ” أجملَ ما فصَّلَه غيرُه.

فهذه كلُّها أوصافٌ لناحيةٍ واحدةٍ من البدنِ: ناحيةِ الصدرِ ومُقدَّمِ الجِذعِ. والفروقُ بينَها فروقُ تعيينٍ وتحديدٍ، لا فروقُ تضادٍّ وتناقضٍ. وهذا من عادةِ السلفِ في التفسيرِ: أن يُفسِّرَ كلُّ واحدٍ منهم اللفظَ بمثالٍ من أمثلتِه أو بجزءٍ من مسمّاه، ولا يعني ذلك أنّه يُنكرُ ما ذكرَه غيرُه، كما نبَّه على ذلك شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في مقدِّمتِه في أصولِ التفسيرِ حينَ قرَّرَ أنَّ اختلافَ السلفِ في التفسيرِ أكثرُه من بابِ اختلافِ التنوُّعِ لا اختلافِ التضادِّ.

ووأصح ما روي في تفسير الترائب، ما رواه الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣٩١٨ – قال: حدثني أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أنبأ عبد الله بن محمد البغوي، حدثني جدي أحمد بن منيع، ثنا أبو يوسف القاضي، ثنا مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله عز وجل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] قال: «﴿الصلب﴾ هو الصلب، ﴿والترائب﴾ أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، [التعليق – من تلخيص الذهبي] – صحيح.

قفص صدري - المعرفة

وأما اختلاف المفسرين، فأوّلُ موضعٍ افترقَتْ فيه الأنظارُ هو الضميرُ المستترُ في الفعلِ ﴿يَخْرُجُ﴾: على مَن يعود؟ وللمفسّرينَ في ذلك مذهبانِ:

المذهبُ الأوّلُ: عودُه إلى “ماءٍ دافقٍ”

وهو قولُ الجمهورِ، ومأخذُهم أنَّ “ماءٍ دافقٍ” هو أقربُ مذكورٍ، وأنَّ جملةَ ﴿يَخْرُجُ﴾ صفةٌ ثانيةٌ للماءِ بعد “دافقٍ”، فيكونُ المعنى: خُلِقَ من ماءٍ دافقٍ خارجٍ من بينِ الصُّلبِ والترائبِ.

المذهبُ الثاني: عودُه إلى “الإنسانِ”

وهو وجهٌ ذكرَه ابنُ عطيّةَ والقرطبي والمهدوي احتمالا، وجزم به مكي بن أبي طالب. ومأخذُه: أنَّ الإنسانَ هو المحدَّثُ عنه في صدرِ الآياتِ ومحورُ السياقِ كلِّه، وأنَّ قاعدةَ عودِ الضميرِ إلى المحدَّثِ عنه أَولى من عودِه إلى أقربِ مذكورٍ حينَ تتضافرُ القرائنُ. وعضَّدوا ذلك بأنَّ الضمائرَ بعدَه — ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ و﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ — عائدةٌ على الإنسانِ اتّفاقاً.

وعلى هذا المذهبِ يكونُ المعنى: يخرجُ الإنسانُ — أيِ المولودُ — من بينِ صُلبِ أمِّه وترائبِها، فيكونُ المرادُ خروجَه من الرحمِ عند الولادةِ. والصُّلبُ والترائبُ حينئذٍ كلاهما للمرأةِ (الأمِّ).

والإشكال مندفع على هذا التقدير، إلا أننا نبين اندفاع على الإشكال حتى على مذهب الجمهور.

المفرَقُ الثاني: أعلى الحقيقةِ أم على الكنايةِ؟

مَن ذهبَ إلى أنَّ الصُّلبَ للرجلِ والترائبَ للمرأةِ افترقَ في طريقةِ تنزيلِ ذلك على ألفاظِ الآيةِ:

الوجهُ الأوّلُ: الحملُ على الحقيقة، وهو مذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف. وحجتهم: أن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى المجاز إلا بقرينة.

الوجهُ الثاني: الحملُ على الكناية، وهو وجهٌ نقلَه الماتريديُّ عن أبي بكرٍ الأصمِّ، ومبناه أنَّ “الصُّلبَ” كنايةٌ عن الرجلِ وقوّتِه ونسلِه — كما في قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ —، وأنَّ “الترائبَ” كنايةٌ عن المرأةِ وأنوثتِها لغلبةِ استعمالِها في وصفِ محاسنِهنَّ في كلام العرب. فلا يُرادُ بالصُّلبِ العظمُ ذاتُه ولا بالترائبِ العظمُ ذاتُه، وإنّما يُرادُ الرجلُ والمرأةُ كنايةً. و”من بينِ” حينئذٍ تُفيدُ الصدورَ عن شيئَينِ بتضافرِهما، كقولِ العربِ: “يخرجُ من بينِ فلانٍ وفلانٍ خيرٌ كثيرٌ”.

واحتجوا: بأن العرب لم تكن جاهلة بأن المني يُصنع في الخصيتين، فقد كانت أمة رعوية تمارس إخصاء البهائم والعبيد وتُدرك أن قطع الخصيتين يُبطل القدرة على الإنجاب. لكنها عَدَلت عن التصريح إلى لفظ “الصلب” أدباً واحتشاماً وترفعاً في الخطاب، وهو مسلك العرب في كلامها الرفيع. والقرآن نزل على أرفع ما تعرفه العرب من البيان، فاستعمل الكناية التي يفهمها العربي ويستحسنها.

والإشكال مندفع على هذا الوجه ولكنا مستمرون حتى ندفع الإشكال على الوجهين.

المفرَقُ الثالث (لمن جعلَ الخارجَ هو الماءَ): لمَنِ الصُّلبُ والترائبُ؟

مَن ذهبَ إلى أنَّ الضميرَ في ﴿يَخْرُجُ﴾ يعودُ على الماءِ الدافقِ افترقَ عندَ سؤالٍ ثانٍ: هل الصُّلبُ والترائبُ في بدنٍ واحدٍ أم في بدنَينِ؟ وفي ذلك مذهبانِ:

المذهبُ الأوّلُ: الصُّلبُ للرجلِ والترائبُ للمرأةِ

وهو المشهور بين المفسرين، ويُروى عن طائفة من السلف ولا يصح أكثره، وأصح المروي فيه ما روى الطبري قال: حدثني ابن المثنى، قال: ثني سلم بن قتيبة، قال: ثني عبد الله بن النُّعمان الحُدَانيّ، أنه سمع عكرِمة يقول: ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) قال: صُلْب الرجل، وترائب المرأة. اهـ لا بأس به.

وحكي أن ابن أبي حاتم روى عن ابن عباس من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: “صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون الولد إلا منهما”. اهـ ولا يُدرى ما حكم إسناده فأصله مفقود، وشبيب بن بشر لين.

واختارَه الطبريُّ وابنُ كثيرٍ والقرطبي، بل هو المشهور في كتب التفسير. ومأخذُه أنَّ الصُّلبَ غلبَ استعمالُه في وصفِ الرجلِ ونسلِه — كقولِه تعالى ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ — وأنَّ الترائبَ غلبَ استعمالُها في وصفِ النساءِ في أشعارِ العربِ. فوزَّعوا اللفظَينِ على بدنَينِ، وجعلوا الماءَ الدافقَ مجموعَ ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ.

والطبريُّ صرَّحَ بأنَّ “من بينِ” معناها “منهما”، أي من الصُّلبِ ومن الترائبِ، فيكونُ الماءُ مُركَّباً من مصدرَينِ؛ الأول: ماء الرجل من صلبه، والثاني: ماء المرأة من عظام. وهذا قول مرجوح سيأتي بسط القول في إبطاله.

المذهبُ الثاني: الصُّلبُ والترائبُ كلاهما للرجلِ

وهو ثابت عن قتادة من السلف، قال الطبري: قال: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يقول: يخرج من بين صلب الرجل ونحره. اهـ صحيح

وهو قولُ ابنِ القيِّمِ وابنِ عاشورٍ وأشارَ إليه السعديُّ. ومأخذُه أنَّ الضميرَ في ﴿يَخْرُجُ﴾ عائدٌ على “ماءٍ دافقٍ” وهو واحدٌ مفردٌ لا مُثنّى، وأنَّ الدفقَ وصفٌ ظاهرٌ في ماءِ الرجلِ تحديداً لأنّه هو الذي يُحَسُّ اندفاعُه، وأنَّ الترائبَ ليست مقصورةً على المرأةِ لغةً بل هي عظامُ الصدرِ لكلِّ إنسانٍ. فيكونُ المعنى: أنَّ ماءَ الرجلِ يخرجُ من حيِّزٍ في بدنِه واقعٍ بينَ ظهرِه (الصُّلبِ) وصدرِه (الترائبِ). وهذا هو الأصح كما سيأتي.

إبطال تفسير: الصُّلبُ للرجلِ والترائبُ للمرأة

وأما القول بأن المراد صلب الرجل وترائب المرأة، فقول مرجوح المأخذ عند التأمل، بعيد عن ظاهر اللفظ، ناء عن سنن التركيب. ولو أعطيت الآية حقها من النظر وأجريت على قانون اللسان من غير تكلف، لظهر أن حملها على بدن واحد وماء واحد أقرب إلى ظاهرها وأحرى بسياقها وأقعد في العربية. وبيان ذلك وجوه:

الوجه الأول: أن الضمير المستتر في ﴿يخرج﴾ راجع — على الأصل المقرر — إلى أقرب مذكور صالح، وهو “ماء دافق”. وهذا الماء قد ذكر مفردا منكرا موصوفا بصفة واحدة، فالأصل أن يكون المرجع واحدا وأن يحمل ما بعده على هذا الواحد حتى تقوم قرينة بينة تنقل الكلام عن ظاهره.

فمن زعم أن هذا المفرد أريد به ماءان من بدنين مختلفين فقد خرج من الظاهر إلى دعوى لا يسعفها اللفظ. ونحن لا تمنع أن المفرد الجنس في مواضع، لكن ذلك إنما يصار إليه حيث تدل عليه قرينة. ولا قرينة ههنا، بل القرينة على خلافه كما سيأتي.

الوجه الثاني: الدفق في أصل كلام العرب ليس مطلق الخروج ولا كل سيلان ورشح، بل هو الدفع بشدة والانصباب بقوة والاندفاع الظاهر. فإذا قالت العرب “ماء دافق” لم ينصرف الذهن إلى كل ماء كيفما كان، بل إلى ماء له هيئة مخصوصة يظهر فيها الاندفاع والقوة. وهذا الوصف أليق بما يحس دفقه ويشاهد اندفاعه — وهو مني الرجل — لا بما كان خفي الرشح لطيف السيل لا تبدو فيه صورة الدفق.

فلما وصف الله الماء بالدافق فقد خصص ولم يعمم. فكيف يصار بعد ذلك إلى حمله على ماءين مختلفين أحدهما ظاهر الدفق والآخر لا ينهض فيه هذا الوصف؟ ولو أراد سبحانه ذكر أصل الخلق من امتزاج ماءين لكان في العربية متسع لبيانه على وجه أصرح. فأما أن يذكر ماء واحدا دافقا ثم يلزم السامع أن يرده إلى ماءين من بدنين، فذلك خلاف سنن البيان.

الوجه الثالث: اضطر أصحاب هذا القول إلى صرف “من بين الصلب والترائب” عن معنى التوسط، فجعلوا حاصله: من الصلب ومن الترائب، أي من كل واحد منهما. وقد صرح الطبري بذلك حين قال: “يخرج من بين ذلك، ومعنى الكلام: منهما”.

وهذا صرف للفظ عن ظاهره، فإن “بين” ظرف موضوع للحيز المتوسط الفاصل بين شيئين، لا لمجرد الجمع بين المذكورين. فإذا قيل: “جلست بين زيد وعمرو” فهم أنك في الحيز الفاصل بينهما، لا أنك جلست في زيد وفي عمرو. فإسقاط معنى التوسط يجعل “بين” حشوا لا طائل تحته.

فأما إذا جعل الصلب والترائب في بدن واحد استقام معنى الظرف غاية الاستقامة، لأن بين الظهر والصدر حيزا محصورا معقولا.

ويقطع هذا بالنظير القرآني: قوله تعالى ﴿من بين فرث ودم لبنا خالصا﴾. فاللبن ليس بعضه من الفرث وبعضه من الدم على جهة التوزيع، بل يستخلص من الحيز الذي يتوسطهما. فمن أجرى “من بين” في آية اللبن على التوسط ثم خالفه في آية الطارق فقد فرق بين المتماثلين بغير برهان.

الوجه الرابع: بنى كثير من أصحاب هذا القول مذهبهم على أن الترائب مختصة بالمرأة. وهذا غير مسلم. فأهل اللغة يذكرون في تفسيرها: عظام الصدر، أو موضع القلادة، أو ما قارب الترقوتين والثندوتين. وهذه معان جسمية لا تختص بجنس دون جنس.

نعم، قد يكثر ورود الترائب في الشعر عند وصف النساء لأن ذلك من مواضع الزينة والحسن في باب الغزل، لكن كثرة الاستعمال في باب لا توجب الاختصاص في أصل الوضع. وإلا لزم من كثرة ذكر الخدود والقدود في وصف النساء أن تكون هذه الأسماء مختصة بهن، وهذا لا يقوله من له أدنى مسكة من نظر.

فإذا بطلت دعوى الاختصاص بطل ما بني عليها من حمل الترائب على المرأة لزوما، وعاد اللفظ إلى سعته الأولى صالحا لأن يكون جزءا من حدود البدن الواحد الذي يذكر معه الصلب.

دفع الإشكال على التقدير الثاني

تقدم أن لفظ الترائب قد فسره أهل اللغة بـ: مُقدَّمُ الجِذعِ من أعلاه، أي من أعلى الصدر إلى طرف آخر أضلاع الصدر (Tips of 12th rib) كما ذكر ابن عباس؛ والذي يشمل باللغة التشريحية من: (T1–L2).

The association between lumbar rib and lumbosacral ...

وقد ثبت في الطب الحديث: أنّ قذف السائل المنوي من الرجل ناتج عن انقباضاتٌ سريعةٌ مُتواليةٌ تأخذ العضل أخذاً، فتعصره عصراً، فيندفع الماء اندفاعاً.

وأن القذف ليس حركة واحدة، بل مرحلتان متتاليتان:

  • الإمناء (Emission): نقل المنيّ ومكوّناته إلى الإحليل الخلفي/البروستاتي.
  • الطرد (Expulsion): دفع هذا المني بعد ذلك إلى الخارج بانقباضات عضلية سريعة.

والإمناء Emission هو المرحلة الأولى من القذف. ومعناه: تجميع مكوّنات المنيّ داخل المجرى البولي التناسلي ودفعها إلى الإحليل الخلفي، قبل أن تندفع إلى خارج الجسم.

والإمناء، الذي هو مبدأ القذف ينشأ اتفاقا من T10–L2، أي بين الصلب والترائب!

ولهذا جاء في دراسة كراسيوكوف، أندريه، وستايسي إليوت. التحكم العصبي ووظائف الأعضاء الجنسية: تأثير إصابة الحبل الشوكي:

القذفُ — وحقيقتُه دفعُ المنيِّ إلى خارجِ البدنِ — فعلٌ مَرَدُّه في الأصلِ إلى الجهازِ العصبيِّ الوُدِّيِّ عند مُستوى الفَقَراتِ الصدريّةِ العاشرةِ إلى القَطَنيّةِ الثانيةِ (T10–L2). وهو حدَثٌ عضليٌّ عصبيٌّ بالغُ الانتظامِ، يقعُ في مرحلتَينِ متعاقبتَينِ:

– فالمرحلةُ الأولى — وتُسمّى الإفرازَ (Seminal Emission) — أن يُدفَعَ المنيُّ عبرَ قناةِ القذفِ (Ejaculatory Duct) الكائنةِ في البُروسْتاتا حتّى يُصَبَّ في الإحليلِ البُروسْتاتيِّ (Prostatic Urethra).

– والمرحلةُ الثانيةُ — وتُسمّى الطردَ (Propulsatile Ejaculation) — أن تنقبضَ عضلاتُ قاعِ الحوضِ المحيطةُ بالإحليلِ انقباضاتٍ إيقاعيّةً متتابعةً، فتقذفَ ذلك المنيَّ عبرَ مَجرى الإحليلِ حتّى يبرُزَ من الصِّماخِ الظاهرِ (External Meatus) إلى خارجِ البدنِ.

Neural Control and Physiology of Sexual Function: Effect of Spinal Cord Injury – PMC

وليس مقصودي ههنا أن أُلزم الخلقَ أن هذا الوجه هو الوجه الوحيد الذي لا يجوز غيره، ولكن حسبي في دفع الإشكال أن أُبيّن أن هذا الذي ذهبنا إليه وجهٌ عربيٌّ صحيحُ المأخذ، قويُّ المَدخل، غيرُ خارجٍ عن قانون اللسان، ولا نافِرٍ عن سنن البيان. ومن ادّعى بطلانه من جهة اللغة فقد ادّعى ما لا برهان له به.

فإذا استقرَّ هذا في نفسِ الناظرِ، فإنّا نقولُ: إنَّ قولَه جلَّ وعلا ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ لا يمتنعُ في لسانِ العربِ أن يكونَ معناه: أنَّ مبدأ الماء الدافق ومنشأ أمره كائنٌ من تلك المنطقة الواقعة بين الصُّلب والترائب. وبيان ذلك:

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠ هـ) في كتاب العين (٥/‏١٢): دَفَقَ الماء دُفوقًا ودَفقًا إذا انصب بمرة، والماء الدافق. فقوله “بمرّة” — أي دفعةً واحدة — يدلّ على أنّ الدفق في اللغة انصبابٌ دُفْعيٌّ لا تدريجيّ.

ولفظ “دافق” اسم فاعلٍ على وزن “فاعِل”، وسواء كان اسم فاعلٍ على بابه من الفعل اللازم “دَفَقَ” أو على النسب، أي “ذي دَفْقٍ” فهو دال على معنى الاندفاع، فلا يكون من قبيل محض السليان.

وجملة “يخرج” تحتمل وجهين: الوجه الأوّل: أن تكون الجملة نعتًا ثانيًا لـ”ماء”، فعلى هذا الوجه تكون جملة “يخرج” وصفًا مستقلًّا للماء بمعزل عن وصفه بالدفق، كأنّك أخبرت عن الماء بخبرين منفصلين: أنّه دافقٌ، وأنّه خارجٌ من بين الصلب والترائب.

الوجه الثاني: أن تكون الجملة حالًا من الضمير المستكنّ في “دافق”، تقديره: “خُلِقَ من ماءٍ دافقٍ حالَ كونه خارجًا من بين الصلب والترائب”، وعلى هذا الوجه تكون جملة “يخرج” مرتبطةً بوصف الدفق نفسه ارتباطًا حاليًّا، أي أنّها تصف هيئة الماء وقتَ تلبّسه بالدفق. فالجملة لا تُخبر عن الماء خبرًا مستقلًّا، بل تبيّن الحال التي يكون عليها أثناء فعل الدفق: أنّه يخرج — أي يُقذف — من بين الصلب والترائب.

فتكون “مِنْ بين” تحديدًا لموضع وقوع فعل الدفق والقذف. و”مِنْ” على هذا تكون لابتداء غاية الفعل. فجملة “يخرج” مربوطة بالضمير العائد في “دافق”، أي بالماء من حيث هو دافق. فالخروج ليس وصفًا مستقلًّا بل هو بيانٌ لحال الماء وقت الدفق. وحينئذٍ يصير الخروج والدفق فعلًا واحدًا متلازمًا، ويصير “مِنْ بين الصلب والترائب” تحديدًا لموضع هذا الفعل المتلازم (= القذف).

وقد قال أهل النحو: إنّ من مسوغات مجيء الحال من النكرة أن تكون النكرة مخصوصةً بالوصف. فإذا قيل: جاءني رجلٌ راكبًا، لم يستقم عند الأكثر إلا بمسوّغ؛ لأنّ “رجلًا” نكرة محضة. فإذا قيل: جاءني رجلٌ كريمٌ راكبًا، حسن ذلك؛ لأنّ الوصف قد خصّص الرجل وقرّبه من التعيين. وكذلك إذا قيل: مررتُ بفلكٍ ماخرٍ مشحونًا، فإنّ “فلك” وإن كان نكرةً، فقد خرج بوصفه إلى ضربٍ من الاختصاص، فجاءت الحال منه على قانون العربية ومهيع كلامها.

فإذا تقرّر هذا الأصل، نظرتَ في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ۝ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، فرأيتَ أنّ “ماء” وإن كان في أصل وضعه نكرةً، فقد تعلّق به الوصف بقوله: “دافق”، فصار ماءً مخصوصًا لا ماءً مطلقًا. وإذا صار كذلك، صحّ أن تكون جملة “يخرج من بين الصلب والترائب” في موضع الحال منه، على تقدير: خُلِق من ماءٍ دافقٍ حالَ كونه يخرج من بين الصلب والترائب.

وإنّما كان لهذا الوجه مزيدُ قوّةٍ من جهة المعنى، لأنّ الحال لا تفيد مجرّد الوصف الثابت، بل تفيد الهيئة المقارنة، وتُري السامع الشيءَ في طورٍ من أطواره، وحالٍ من أحواله. فإذا قيل: لقيتُه ضاحكًا، لم يكن المعنى أنّ الضحك وصفٌ لازم له في كل حال، ولكنّ المراد أنّي لقيته في تلك الهيئة بعينها. فكذلك إذا قيل في الآية: “ماءٍ دافقٍ يخرج” على الحالية، كان المقصود تصوير هذا الماء في حال اندفاعه وابتداء خروجه، لا مجرّد ذكر صفةٍ لازمة من صفاته.

لأن الحال عند النحاة مسوقة لبيان هيئة صاحبها، أي كيفية وقوع الفعل منه أو عليه في زمن الحدث، قال جمال الدين الفاكهي في كتاب الحدود في النحو ص224: «حد {الحال} – تأنيثها أفصح من تذكيرها -: {وصف} – ولو مؤولا – {فضلة} – أى الواقع بعد تمام الجملة وإن توقفت الفائدة عليه – {مسوق} في الكلام: {لبيان هيئة صاحبه} – أي كيفية وقوع الفعل منه أو عليه».

فليست الآية جوابا على سؤال: من أين تدفق الماء؟ حتى يلزم أن معنى الجواب: هو موضع تكون الماء. بل الآية جواب على سؤال -لما تقدم تحريره من كونها حالا-: كيف يتدفق الماء؟ فكان الجواب: يخرج من بين الصلب والترائب، أي يصدر تدفق الماء -القذف- من بين الصلب والترائب، بمعنى أن في جهة الصلب والترائب مبدأ لتدفق واندفاع الماء.

فـ«يخرج من» ههنا بمعنى: يصدر من، وينبعث عن، ويبتدئ من. وليس هذا ببدعٍ في لسان العرب، إذ قد جاء في التنزيل ما يدلّ على أنّ الإخراج قد يُراد به الإنشاءُ والإبرازُ من الأصل والمنشإ، لا مجردُ الانتقال من حيّزٍ إلى حيّز؛ قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، وليس المعنى أنّ الحيّ كان كامنًا في الميت ثم برز منه بروزَ الشيء من الوعاء، ولكن المعنى أنّه سبحانه يُنشِئ هذا من ذاك، ويُبرِزه صادرًا عنه ومنبعثًا منه. فإذا ثبت هذا في الاستعمال القرآني، صحّ أن يُحمَل قوله ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾.

ومن مناسبة هذا المعنى للسياق: أنّ الآية جاءت في سياق الاحتجاج على قدرة الله تعالى وبديع صنعه بأمرٍ يدلّ على عظيم التدبير. والإشارة إلى مركز التحكّم الذي يُصدر الأمر بالقذف أدلّ على بديع الصنع وعظيم التدبير من مجرّد وصف المسار الذي تعبره المادّة. فإنّ بيان أنّ في جسم الإنسان موضعًا يتحكّم في هذا الفعل ويُطلقه — من حيث لا يملك الإنسان أمره ولا يدري بتفاصيله — أبلغُ في الامتنان وأدعى إلى التدبّر من مجرّد بيان أنّ المادّة تمرّ من مكان كذا. وسياق السورة يعضد هذا، فإنّ الآيات جاءت بعد القسم بالطارق في مقام إظهار عجائب الخلق وخفاياه.

فالتحليل اللغويّ أوصلنا إلى أنّ الآية تُشير إلى موضع ابتداء فعل القذف في المنطقة الواقعة بين الصلب والترائب. والمعطى العلميّ يُخبرنا أنّ مركز التحكّم في فعل القذف يقع فعلًا في تلك المنطقة؛ فالتوافق بين الدلالتين ظاهر.

فإن قيلَ: يلزمُ من هذا التفسيرِ تجهيلُ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم بمعنى الآيةِ، إذ لم يكونوا يعرفونَ مُوَلِّدَ القذفِ ولا الضفائرَ العصبيّةَ، ومعلومٌ أنَّ القرآنَ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ ليُفهَمَ، فلا يجوزُ أن يكونَ المعنى المرادُ خافياً على مَن نزلَ فيهم وبلُغتِهم.

أجيب: وهذا ممنوع، فإنّ هذا التخريج لا يُلغي أقوال المفسّرين من أصلها بل يُهذّبها ويُدقّقها. فإنّ المفسّرين حين قالوا “من صلب الرجل وترائبه” أو “صلب الرجل وترائب المرأة” لم يكونوا يقصدون أنّ المنيّ يتكوّن في عظام الظهر أو في عظام الصدر، وإنّما أرادوا أنّ خروجه منسوبٌ إلى تلك المنطقة. وتخريجنا يُوضّح وجه هذه النسبة: وهو أنّ مركز التحكّم في فعل القذف واقعٌ في تلك المنطقة. فليس بين القولين تعارضٌ من كلّ وجه، بل تخريجنا تدقيقٌ لما أجملوه.

والفرقُ بينَ الفهمِ الإجماليِّ والفهمِ التفصيليِّ بين، فالعربيُّ الأوّلُ يفهمُ أنَّ بينَ الصُّلبِ والترائبِ سبباً يُنشِئُ الدَّفقَ، وهذا هو الإجمالُ. والطبيبُ المعاصرُ يكشفُ أنَّ ذلك السببَ هو مُوَلِّدُ القذفِ الشوكيُّ، وهذا هو التفصيلُ. والتفصيلُ لا يُناقضُ الإجمالَ بل يندرجُ تحتَه ويُوضِّحُه.

خاتمةُ البحثِ

فهذا آخرُ ما تيسَّرَ جمعُه وتحريرُه في هذه المسألةِ،  هذا وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. وصلّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمّدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن المواقف السنية، وتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole