المسلمات الوجودية هي تلك الاعتقادات الكلية بشأن الواقع الخارجي التي بناء عليها يستجيز الباحث التجريبي طرح تلك الأسئلة التي يطرحها ابتداء، واستعمال ما يُستعمل من الأدوات لتحصيل الجواب عنها انتهاء. على سبيل المثال، إنه لولا الاعتقاد الفطري البدهي المغروس في نفوس العقلاء الأسوياء كافة بأن الحواس البشرية تكسب الإنسان صورة صحيحة مطابقة للواقع لهذا العالم المحسوس وبأنه موجود في الخارج حقيقة لا وهما، ما استجزنا استعمال تلك الحواس في استكشافه وفي تمكين أنفسنا مما سخره الله لنا في الأرض من أنواع الأسباب. من حيث الواقع الأكاديمي، فعامة الباحثين التجريبيين الغربيين يستصحبون المسلمات الوجودية الأنطولوجية التالية:
• أولا: أن للعالم الخارجي وجودا حقيقيا منفصلا عن أذهاننا، وأن له حقيقة واقعية موضوعية عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
• ثانيا: في العالم نظاميات سببية Causal Regularities تكسبه قابلية التنبؤ Predictability على أساس أن حصول الأسباب إذا حصلت يقتضي حصول المسببات Causes Imply Effects
• ثالثا: أن ماضي العالم مناظر لحاضره مطلقا، وكذلك المستقبل.
• رابعا: أن ما يغيب عنا أمر العالم مناظر مطلقا لما من هو شاهد تحت الحس منه.
• خامسا: أن منطق اللغة البشرية صحيح لا غبار عليه.
• سادسا: أن الأصل في حواسنا أنها لا تخدعنا، وأنها إن خدعت بعضنا، لم يعجز البعض الآخر عن معرفة ذلك، بل و لم نعجز نحن أنفسنا غالبا عن الحكم بأنها تخدعنا.
بناء على هذه المسلمات الوجودية الست قامت لديهم مسلمة معرفية أو ذهنية (إبستمولوجية) مفادها أن العالم قابل للتنبؤ Predictable وأنه ليس فيه موجود إلا يقبل الإدخال تحت معرفتنا البشرية إما بالحس المباشر أو بأنواع القياس على ما يقع تحت الحس.
دعنا نتناول تلك المسلمات بالنقد والتحليل
• أولا، المسلمة الأولى: وجود العالم الخارجي. فنقول إن هذه المسلمة من ثوابت الفطرة والعقل الصريح، ولا مدخل لنفيها أو إبطالها، ولا يجوز لعاقل فضلا عن مسلم أن يعتقد خلافها. ومع ذلك فمن أهل الملل الباطلة والمذاهب الفلسفية الوضعية الفاسدة من أنكرها وسفسط عليها كدعاوى الصوفية الغلاة القائلين بوحدة الوجود، الذين لا يثبتون موجودا بحق إلا الله تعالى، ولا يرون العالم المحسوس إلا ستارا من الأوهام يحجب عموم البشر عن حقيقة الوجود في زعمهم. ومن طوائف الفلاسفة كالمثاليين Idealists واللاواقعيين Anti-Realists وما بعد الحداثيين Post-Modernists والطبيعيين القائلين بتأويل كوبنهاغن لميكانيكا الكم وغيرهم من يرى للعالم حقيقة مخالفة ومغايرة تمام المغايرة لما ترصده حواسنا وأن المادة كما نعرفها ليست إلا نتاجا للوعي نفسه. وكل هؤلاء لا ينتبهون إلى ما يقتضيه ذلك الاعتقاد في حقهم من إبطال لكل دعوى معرفية يثبتها أحدهم من طريق البحث التجريبي أو من طريق الحواس نفسها بإطلاق أيا ما كان موضوعها!
• ثانيا: المسلمة الثانية: وجود النظاميات السببية، ونقصد بالنظاميات السببية Causal Regularities العلاقات السببية المطردة بين أنواع الحوادث كما يعرفها الناس باستقراء العادة. وهذه الحقيقة أيضا مما يعرفه العقلاء الأسوياء معرفة فطرية بدهية، ترتبط ارتباطا وثيقا بإثباتهم الباري جل شأنه بالغيب. فوجود الطبائع يقتضي وجود من طبع الأشياء بها وركبها فيها، وجعل بعضها يؤثر في بعض بأمره وخلقه وتدبيره. فمن نفى وجوده فعلى أي شيء يقيم مبدأ السببية واطراد العلاقة السببية بين الأشياء في العالم، وإذن فعلى أي شيء يقيم ثقته في المنطق الاستقرائي نفسه الذي عليه قوام فكرة التجريب نفسها؟ فلأني أعلم أن للعالم ربا حكيما جعل كل شيء فيه بقدر، أحسن صنعه وأتقنه، وسخر فيه من أسباب السماوات والأرض وما فيهما لبني آدم ما اقتضته حكمته، فإنني أتوقع أن تشرق الشمس غدا من مشرقها -بإذن الله تعالى- كما عهدتهما في كل يوم من أيام حياتي. ولا أتوقع حصولا لخلاف ذلك إلا في شرط من أشراط الساعة الكبرى يتبدل به نظام العالم وتغلق معه أبواب التوبة! وكذلك وللسبب نفسه، فإني أتوقع في كل مرة أترك شيئا معلقا في الهواء أن يسقط إلى الأرض بإذن الله تعالى، إلا أن يشاء رب العالمين أن تنتفي بعض الشروط السببية وتتحقق بعض الموانع فيظل عالقا في الهواء أو ينجذب إلى شيء يجذبه من أعلى أو نحو ذلك! ولأن ديفيد هيوم، الفيلسوف الاسكتلندي المعروف، كان ملحدا دهريا جلدا، متفننا في السفسطة لنصرة إلحاده، فقد استجاز النهوض بادعاء أن منطق الاستقراء البشري نفسه ليس له أساس منطقي ضروري في عقول البشر، بمعنى أن عقله يخلو من سبب لاعتقاد اطراد ما عهدناه من ارتباط شرطي بين ما نعده سببا وما نعده مسببا في المستقبل! وهذه سفسطة وكذب ولا شك، ولكنها مع ذلك صارت كبرى المشكلات في فلسفة العلم، حتى إنه لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب التقديم في فلسفة العلم Introduction to philosophy of Science فيما يقال له مشكلة الاستقراء Problem of Induction! فما الذي صير الاستقراء “مشكلة”؟ إنها دهرية هيوم! والقصد أن قابلية التنبؤ بالظن الراجح هي من ثمرات المنطق الاستقرائي التي لا تكون أسباب العالم مسخرة للبشر على الحقيقة إلا بها، فلا يزال الناس يأخذون بأسباب ما يريدون مما تنقضي به حوائجهم في هذا العالم، لعلمهم من استقراء العادة بارتباط ما يعدونه سببا فيه بما يعدونه مسببا، ينشأ على أثره! غير أنهم لا يجوز لهم أن يعتقدوا وجوب ذلك الارتباط أو شرطيته المطلقة، أو بعبارة أخرى، التعلل التام للمسبب بالسبب. وهو ما يشعر به قولهم Causes Imply Effects، فالاقتضاء Implication في المنطق هو ارتباط ضروري عقلا، بحيث إن قدرنا تخلفه لزم التناقض فمع أننا نقول إن ما صح في علم الله كونه سببا، فقد وجب أن يترتب المسبب عليه وعلى غيره من الأسباب التي يتم بها التعليل، بداية من إرادة الله ومشيئته سبحانه. إلا أنه لا يصح أن يقال إن ما نعده نحن من جهتنا (في إطار خبرتنا البشرية المحدودة وعادتنا الحسية) سببا، فلابد أن يأتي بما نعده مسببا له في كل مرة وجوبا فنحن إنما نرى قطرة في بحر الأسباب الذي لا يحيط بعلمه إلا رب الأسباب سبحانه. وكذلك لا يصح أن يقال إن قوانين الطبيعة، ما نعرفه منها وما لا نعرفه عاملة في المستقبل لا محالة على نحو ما تعمل الآن لا على غيره بما يقتضي وقوع جميع حوادث المستقبل وجوبا لا غيرها فإن هذا الفرض يختزل جميع الأسباب والعلل وجوديا في نوع الأسباب الطبيعية وما يسمى بالقانون الطبيعي، يجعلها هي نهاية التعليل، وينفي الغائية من ورائها، وهو صورة من صور ما يعرف باسم الانغلاق السيبي الطبيعي Closed Natural Causation أو Causal Closure تلك الصورة التي يقال لها الحتمية الفيزيائية Scientific Determinism أو حتمية لابلاس. فقد اشتهر عن بيير سيمون لابلاس قوله إننا لو قدرنا وجود كائن ذكي يحيط علمه بمواضع وسرعات واتجاهات حركة جميع جسيمات العالم في لحظة من اللحظات، فلابد أن يكون قادرا على استنتاج جميع حوادث المستقبل استنتاجا مطابقا للواقع مطابقة تامة، بناء على علمه بقوانين نيوتن! وهذا ما بات يسمى في الأدبيات الفلسفية بعفريت لابلاس Laplace’s demon. ولا شك أن مجرد افتراض وجود كائن كهذا في العالم شرك محض. والقول بأن هذا هو علم الباري، أو ما يسميه الفلاسفة بالعلم الكامل Omniscience هو كذلك من شرك الطبيعيين، لأنه يقتضي اختزال علم الصانع في العلم بالجسيمات التي زعموا أن جميع موجودات العالم تتركب منها، واختزال المعلوم نفسه (أسباب الحوادث کلها) في حركات تلك الجسيمات، وإذن فليس في الغيب شيء يؤثر في العالم من خارجه، بل ليس ثمة غيب أصلا، وإنما هي ماكينة كبيرة قد ركبت يوم ركبت على صفة معينة، ثم أطلقت لتجري جميع أجزائها على ما تقتضيه قوانين نيوتن وحدها! وإذن فليس الصانع الذي يثبته من يجعل هذا العلم هو علمه، صانعا غيبيا إذ ليس فيما وراء العالم أسباب ولا موجودات! فلا يزيد ذلك الصانع على أن يكون هو صانع الربوبيين الذين يثبتونه سببا عدميا أول، أحدث العالم وابتدأه في الماضي وركب فيه قوانينه وسننه الكونية، ثم تركه ليجري كيفما اتفق لتلك القوانين أن تجريه، دون أن يكون له فعل أو تأثير فيه من خارجه على الإطلاق، بل دون أن يكون لذاته وجود خارجه على الإطلاق. وعلى أحسن الأحوال يجعلونه نظام الطبيعة نفسها، وهو قول القائلين بوحدة الوجود Naturalistic Pantheism، كما يأتي في محاضرات لاحقة بإذن الله تعالى بسط الكلام على تلك النظم الاعتقادية الشركية. والقصد أننا معاشر المسلمين من أهل السنة والجماعة نثبت السببية والطبائع وأثرها السيبي، ونؤمن بأن ما جعله الله سببا على الحقيقة فمسببه واقع على أثره وجوبا، وكلاهما وما سبقهما من أسباب وما ترتب عليهما من متولدات، مكتوب كله سلفا، مقدر في علم الله تعالى حتما. ولكننا مع ذلك ننفي حتمية لابلاس والسببية الطبيعية المغلقة التي تختزل أسباب الحوادث المحسوسة في جنس الحوادث المحسوسة، وتخضع جميع الموجودات لتلك النظاميات السببية السطحية التي ما عرفناها إلا باستقراء العادة الناقصة مهما كملت، في ذلك الشطر الضئيل من العالم مهما عظم.
• ثالثا: المسلمة الثالثة: فرض الاطراد الزماني المطلق لنظام الطبيعة. وهذا الفرض يعترف أكثر الفلاسفة الطبيعيين بأنه مجرد فرض Assumption. فإنه ليس في العقل ما يوجب أن يكون النظام الطبيعي مطردا في الماضي السحيق الذي لم يشهده أحد منا ولا ممن بلغتنا شهادتهم بلوغا موثقا، على ما هو عليه الآن إجمالا، وكذلك ليس ثمة ما يوجب أن يظل مطردا في المستقبل على ما هو عليه الآن إجمالا. نعم تقدم أن قررنا أن إيماننا بوجود الباري وبأن له نظاما وسننا كونية في هذا العالم هو أساس تسليمنا بالقيمة المعرفية للمنطق الاستقرائي في المحسوسات، وبإفادته العلم ولو على سبيل الظن، ولكن هذا لا يفتح الباب لطرد النظام الطبيعي الحالي في الماضي طردا مطلقا بلا قيد ولا حد، ولا في المستقبل. فقد ذهب بعض الفلاسفة إلى استعمال المنطق الاستقرائي نفسه كمستند لذلك الطرد المطلق، وهو مردود قطعا! فإنما هو من مسلمات الدين الطبيعي الذي يؤمن أصحابه بأنه لا موجود في الزمان إلا الطبيعة، من الأزل وإلى الأبد (وهو ما منه خرجت مسلمة الاطراد الزماني المطلق للنظام الطبيعي Absolute Uniformity) ولا موجود في المكان إلا الطبيعة (وهو ما منه خرجت مسلمة الاطراد المكاني المطلق التي يأتي التعليق عليها في الجزئية الثانية)، ولا سبب إلا السبب الطبيعي (وهو ما منه خرجت مسلمة السببية المغلقة التي تناولناها آنفا)! ونحن للمسلمين نقول بل ليس نظام العالم مطردا في الماضي بلا قيد، لأن العقل والنقل جميعا يقطعان بحدوث هذا العالم بعد عدمه، وهي قضية نعدها نحن أهل السنة من بدهيات العقل والفطرة التي لا تلجئ العقلاء الأسوياء للاستدلال والنظر ولاختراع البراهين العقلية لإثباقها كما سلكه اللاهوتيون والمتكلمون ومن شاكلهم. ونقول كذلك إنه ليس مطردا في المستقبل بلا قيد، بل يجب أن تأتي نقطة في المستقبل قربت أو بعدت، ينتهي عندها نظام هذا العالم ويأتي يوم الحشر والحساب، كما هو مركب كذلك في فطرتنا وبداهة عقولنا ولا يحتاج إلى إثبات من تلك الجهة، وكما جاء النقل بمصداقه. وأما ما بين هذين الحدين، بداية نظام العالم (التي تبدأ بالاستواء على العرش بعد أيام الخلق الستة لا قبل ذلك) ونهايته (التي تبدأ بطلوع الشمس من مغربها)، فالله أعلم بما كان فيه من تغيرات بأمره ومشيئته سبحانه لنظام السنن السببية، إن كان. فإنما نملك معاشر البشر أن نستدل بالاستقراء على اطراد نظام العالم الحالي في الماضي، في إطار ما شهدناه بأنفسنا من حال العالم في الماضي، وما شهده منه من بلغتنا شهادهم من أهل القرون السالفة، وذلك بظن احتمالي لا يزال يمضي إلى التضاؤل والوهن كلما أغرقنا في الماضي. وأما المستقبل فنقول إن استقراءنا قد يصلح مستندا لترجيح اطراد النظام الحالي في المستقبل القريب، وأما البعيد فلا تزال دلالة ذلك الاستقراء تتهاوى حتى تسقط بالكلية قبل تلك النقطة المجهولة بالنسبة لنا، التي تجزم بأن العالم عندها ستنقلب الأرض فيه غير الأرض والسماء غير السماء، إذا جاء أجله وقامت ساعته! وهذا منحنى لصلاحية المبدأ الاستمراري الطبيعي.
• رابعا: المسلمة الرابعة، فهي قولهم إن جميع ما يغيب عنا من أمر العالم، مناظر لما هو شاهد تحت الحس منه. وهو مبدأ “الطبيعية المكانية”، أي أن كل ما يخضع للوصف معاي الجهة أو الامتداد أو المكان من الموجودات (وهو كل ما يثبت له وجود في الأعيان على الحقيقة) فهو طبيعي نوعا بالضرورة! وبعبارة أخرى يقال: أينما ذهبنا، في أيما جهة من الجهات الست، فلن نجد إلا الموجودات الطبيعية والأسباب الطبيعية والقوانين الطبيعية، أي لن بحد إلا ما هو محسوس (في حدود الحس البشري الحالي لبي آدم في الحياة الدنيا) أو قابل للإخضاع تحت الحس نوعا وللقياس
على المحسوسات! فسواء كان العالم لا نهاية لامتداده في المكان، أو كان متناهيا مكانيا، فلا موجود في أي جهة منه أو فيما وراءه إلا الموجود الطبيعي. هذه المسلمة تعرف عند الطبيعيين في أدبياكم بالتناسق أو التساوي المكاني Homogeneity / lsotropy Principle، وتعني أن جميع أجزاء العالم تتساوى في جريان نفس القوانين عليها، وأنه ليس منها جزء مفضل على غيره. وهذه المسلمة في الحقيقة (كمسلمة التساوي الزماني الي بسطنا الكلام عليها آنفا) مما أسسه فلاسفة اليونان في منشأ الأكاديمية الطبيعية الغربية Western Academy of Natural Philosophy، تاريخيا!
فقد كان طاليس الملطي Thales of Miletus في عصر ما قبل سقراط، هو أول من وسع دائرة قياس الغائب على الشاهد تلك التوسعة الكونية الفاحشة، حن ينتهي منها إلى ادعاء صفة العالم بكليته بالتحكم بالقياس من طريقه، ثم يجعل ذلك مستندا لإبطال ما توارثه أهل الملل المعروفة في عصره من عقائد بشأن العالم وما ورائه!
والقوم بعد أن أدركوا أنم لو سلموا لأتباع النبيين والمرسلين أو لمن يتعلقون ملة موروثة يعلموها للناس ويأمروهم باتباع أثمتها فيما يزعمون أنه خبر جاءهم من الخالق نفسه، لو سلموا لهم بأن للعالم غيبا مطلقا لا مصدر لتلقي المعرفة به إلا ذلك السماع الذي يعلمونه لأتباعهم، لاضطروا اضطرارا لإخضاع أنفسهم لأولتك الدعاة والأئمة ولجعل السلطان المعرفي لهم، ولكن لأهم قوم مستكبرون مغرقون في الكبر والاستعلاء بعقولهم، فقد أبوا إلا أن يكونوا هم المتبوعين لا أن يكونوا أتباعا لغيرهم، فكان لزاما أن يجدوا طريقة في نظريتهم المعرفية ليسحبوا البساط من تحت أرجل أهل الملل الأخرى، ويلزموهم هم باتباعهم على ما عندهم! وإذن لزم أن يبدعوا طريقة يستعمل فيها نوع من أنواع القياس العقلى المقبول عندهم مبدئيا، من أجل أن يتمكن أحدهم من التوصل إلى إطلاق الدعاوى المعرفية العظيمة بشأن العالم بكليته من أوله إلى آخره، ثم يصبح من خالف تلك الدعاوى باعتقاداته ولو بالاقتضاء أو التضمن، هو الجاهل وهو المخالف للمنطق العلمي والعقلي، وهو المطالب مفارقة دينه واتباع أولئك الفلاسفة وليس العكس!
فأنت عندما تجيز لنفسك أن تفترض أنواع الموجودات وأحواها وأنواع الحوادث إنباتا ونفيا في جميع جهات العالم بناء على ما في عادتك وتحت حسك منه، مبتدئا في الافتراض بالتسليم الكلي بأن ما تشهده هنا على الأرض من سنن سببية تجري تحت عادتك، فلابد أنه جار كذلك على جميع ما لا تطاله عادتك ولا يبلغه الحس البشري الصريح من أنحاء العالم، عندما يكون هذا هو مبدؤك المعرفي، فلا شك أنك ستأي في نظرياتك بخرف عظيم! وحينئذ، فعندما يأتيك من يقول لك إنه قد جاءه من السمع الصحيح من رسول ثابتة رسالته، أن السماء المشاهدة هذه، ذلك المتسع الأسود الفسيح من فوق رؤوسنا، إنما يوجد من ورائه سقف صلب محفوظ مرفوع، صفته كما جاء النص هي كذا وكذا، من ورائه ستة أسقف ثابتة بعضها فوق بعض كالقبب، وبين إحداها والأخرى مسافة ثابتة مقدارها كذا وكذا، فستسفهه على ما يقول وهزأ باعتقاده وعقله وتنسبه إلى أساطير الأولين، مع أنك أنت إدن الأحق بالتسفيه والرمي بالخرف وبأساطير الآخرين!
وحتى يتبين حجم فساد ما قام به الطبيعانيون من طرد مطلق، نضرب على ذلك مثالا:
هب أنك مخلوق غريب عن هذا العالم ولست من أهله ولا تدري شيئا عن نظام المجتمع البشري، وأنك نزلت قرية لم يسبق لك أن زرتها من قبل، ولم تسمع عن أهلها ولا عن نظام بيوتهم شيئا على الإطلاق. فلما دخلت أول بيت فيها في أول طريق نزلت فيه منها، وجدتهم يتبعون نظاما صارما في استقبال الضيوف، فلا يسمحون لهم بدخول البيت بنعالهم، ولا يسمحون لهم بالتنقل في البيت إلا بإذنهم، ولا يجلسوهم إلا في موضع معين من البيت على نحو مخصوص. فهل يجوز لك وقد وجدت ذلك من هؤلاء، أن تفترض أن يكون هذا هو نظام جميع تلك البيوت في تلك القرية؟ الجواب لا لماذا؟ لأنك إنما وقفت على حالة واحدة فردية، وليس لديك عادة ولا تكرار تستند إليه كاستقراء يسوغ لك أن تتنبأ أو تتوقع ما تكون عليه صفة البيت التالي الذي تدخله من بيوت تلك القرية. فإن قدرنا أنك أخذت على نفسك أن تدخل أكثر بيوت تلك المجاورة الصغيرة التي نزلت فيها من تلك القرية، فوجدهم كلهم على نفس هذا النظام، فهل لك إذن أن تستعمل المنطق الاستقرائي وتقول إنه يغلب على ظنك أنك لو نزلت بيتا على نظير ما هم عليه؟ الجواب نعم. يجوز ولكن في حدود. فلك بأرجحية احتمالية قوية أن تفترض أن يكون البيت التالي في نفس المجاورة داخل القرية جاريا على نفس النظام، وبأرجحية احتمالية أضعف أن تتوقع أن يكون البيت التالي الذي تدخله في بمجاورة أخرى في نفس القرية جاريا على نفس النظام، ولكن ما بالك إن ذهبت إلى قرية أخرى أو مدينة أخرى بالكلية؟
لابد حتى يجوز لنا أن نستعمل منطق الاستقراء وما يتعلق به من ترجيحات إحصائية واحتمالية وتفسيرية، أن يكون لدينا سبب مقبول عقلا للحكم بتشابه جميع أفراد النوع المبحوث في علة الاستقراء. فإذا كانوا كلهم بشرا، وكانت جميع بيوهم يجمعها مجتمع واحد في جوار واحد، كان من المنطقي ومن المستساغ لنا أن نفترض بناء على هذه الشريحة الي شهدنا أفرادها بأنفسنا، أن تكون جميع بيوت تلك القرية جارية على نفس ذلك النظام، ولو بظن راجح احتماليا. وكلما ازدادت الحالات الي نمر ها، ازدادت قوة الرجحان الاحتمالي لدينا.
ولكن ما الشأن لو كنا نتكلم عن مدينة أخرى بعيدة، لم يسبق لنا أن زرناها أو سمعنا من أحد قد زارها عن أهلها وبيوتهم شيئا! هل يجوز لنا إذن أن نقول إن القاعدة في جميع البيوت في جميع المدن، هي نفس القاعدة التي ظهر لنا اطرادها في القرية التي زرناها؟ الجواب كلا، بل الواجب معرفيا التوقف لحين ظهور السبب الكافي للقول بذلك. فإن مشكلتنا مع القوم إن سلمنا عدم معارضة النظرية للشرع مشكل إبستمي محض، يتمثل في وصول القوم إلى تصور آلية وكيفية ذلك الحدث الفردي العظيم من خلال القياس على أنماط الحوادث الجارية في نظام السموات والأرض على ما هو عليه الآن. المشكل الفلسفي يتمثل في ادعاء صحة تطبيق المنطق الاستقرائي reasoning inductive في هذه القضية، وطرد مبدأ الاستمرارية الكونية ليغطي ذلك الحدث الفريد – الذي هو فريد بموجب شهادتنا بأنه حدث خلق وتكوين، للنظام الكوني نفسه – وما كان قبله مباشرة وما كان مادة ومسرخا لوقوعه، فيفيدنا ذلك بتصور كيفيته قياسا على عمليات تجري الآن داخل ذلك النظام نفسه، فتصل بنا إلى الزعم بأنه كان من جنس ما نسميه بالانفجار!
لم يسبق لنا -معاشر البشر- أن رأينا كونا يخلق من قبل! لم يسبق لنا في إطار دائرة الحس والمشاهدة (التي لا ينبغي أن يتخطى سلطان البحث الإمبريقي حدودها أصلا) أن رأينا نشأة نظام كنظامنا الكوني الحالي وما فيه من قوانين وسنن! فبأي عقل يسوغ لنا أن نتخذ من المنطق الاستقرائي الإمبريقي طريقا لتصور ذلك الحدث الذي نعلم أنه لا قياس له – بالضرورة – على شيء مما يدخل في إطار تجربتنا البشرية؟ هذا خلل عقلي في تطبيق المنطق الاستقرائي نفسه في الحقيقة!
• خامسا: وأما المسلمة الخامسة، فهي القول بأن منطق اللغة البشرية Human Logic صحيح لا غبار عليه. فما كان في العقل تناقضا، فهو تناقض وهو باطل ضرورة، وما كان اقتضاء أو لزوما فهو لازم ضرورة، وإذا بطل الأصل بطلت فروعه ضرورة، وإذ صح المعين صح مرادفه ولازمه وجوبا، وبطل ضده ونقيضه لزاما، وهكذا. فلو لم تكن لدينا ثقة في منطقنا العقلي نفسه، فعلى أي أساس نحري الاستقراء والاستنباط والتفسير وغيرها من صور القياس العقلي الذي لا قيام للعلم التجريبي طبيعيا كان أو إنسانيا إلا عليه؟؟ لا أساس على الإطلاق. ومع ذلك فقد مر بنا، ويأتي ضرب الأمثلة عليه بإذن الله تعالى، من الطبيعيين من زعم أن نظرياته قد توصلت به إلى ما يرجع على المسلمات المنطقية البدهية بالنقض والإبطال! كالقول بأن الشيء الواحد المنفصل لا يوجد في مكانين منفصلين في نفس الوقت، أو بأن الواحد لا يساوي الاثنين، أو بأن العشواء المحضة لا تنتج نظاما مهما امتد الزمان، أو بأن الشيء لا يكون سببا في وجود نفسه بعد عدمه، أو بأن الشيء الواحد لا يكون موجودا ومعدوما في نفس الوقت، إلى غير ذلك من أمور بدهية أصبح كثير من الطبيعيين المعاصرين يفاخرون بأن نظريات ميكانيكا الكم، مثلا، قد أوصلتهم أخيرا إلى التشكيك فيه!
• سادسا: وأما المسلمة السادسة، فهي القول بأن الأصل في حواسنا أنها لا تخدعنا. وإن وقعت حالة تخالف ذلك الأصل، لم يتعذر علينا اكتشاف ذلك غالبا. وهذه مسلمة بدهية لا قبول لشيء من دعاوى الاستدلال بالمحسوس والمشاهد إلا تأسيسا عليها، أيا ما كان موضوع الاستدلال. ولولا أن كنا نعلم أن حواسنا لا تخدعنا، ما صنفنا بابا من أبواب بالبحث في حالات التوهم الإدراكي أو التوهم البصري Optical البحث في علم النفس والإدراك يسمى lllusion ولما شعرنا أصلا بأن حواسنا تخدعنا! فلينتبه هذا.
وخلاصة الموقف من هذه المسلمات:
فأما المسلمة الأولى، وجود العالم الخارجي، فمقبولة بلا تحفظ، فهي من البديهيات وضروريات العقل الصريح.
وأما المسلمة الثانية، وجود النظاميات السببية وقابلية العا لم للتنبؤ ففيها تفصيل ضروري، إذ نثبت السببية ولكننا ننفي حتمية لابلاس أو مبدأ السببية الطبيعية المغلقة.
وأما المسلمة الثالثة، وهي التساوي والاطراد الزماني المطلق، فلا يجوز قبوها دون تقييد بحدود العادة البشرية وما تحصل لنا من خبرها التاريخي لا تما يجاوز ذلك.
وأما المسلمة الرابعة، وهى التساوي والاطراد المكاني المطلق، فكسابقتها.
وأما المسلمة الخامسة، وهى سلامة المنطق العقلي البشري، فمقبولة بلا تحفظ لأنها من البدهيات وضروريات العقل الصريح، وكذلك المسلمة السادسة، وهي سلامة الحس ودلالته على المحسوس.
فإذا كان ذلك كذلك، فما صياغتنا نحن المسلمين للمسلمات الوجودية الضرورية للمنهج التجريبي لدينا، في نفس الأمر؟
نقول بعون الله وتوفيقه:
أولا: أن الله تعالى خلق السماوات والأرض فركب فيهما طبائع في الأشياء وسننا كونية مطردة وسخر أسباهما لبني آدم تسخيرا. وأنه سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، ولا مكره له من فوقه ولا يجب عليه إلا ما أوجبه على نفسه.
ثانيا: أنه ليست تلك الأسباب المحسوسة المستقرأة إلا شطرا ضئيلا من جملة الأسباب التي يتعلل بها كل حادث، الي تبدأ بمشيئة الله تعالى وأمره وقضائه النازل سبحانه. وما يغيب عنا منها (ما بين التغييب النسبي والتغييب المطلق) لا يحصيه ولا يحيط بعلمه إلا الرب سبحانه.
ثالثا: أن حوادث نشأة العالم ونشأة الأنواع الحية فيه في الأيام الستة، وحوادث فنائه (قيامته) في آخر الزمان، هذه لا نظير لها في عادتنا ضرورة، و لم تخضع لتلك السنن السببية التي لا يزال الله يقضيها بأمره يدبر بها أمر هذا العالم بعد استوائه على العرش سبحانه.
رابعا: أننا إنما نعيش فيما دون سماء واحدة من سبع سماوات مبنية بعضها فوق بعض كالقبة فوق القبة، الله وحده يعلم كيف هي وما الذي قضاه فيها من السنن السببية، قال سبحانه: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين واوحى في كل سماء امرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [فصلت : ١٢]. وأننا نعيش فوق أرض واحدة من سبع أرضين كلها أجرام كروية بعضها في بطن بعض، فنقطع بأنها لا تناظر أرضنا هذه وأننا لم نر لها نظيرا، كما هو الشأن في السماوات الست من فوق سمائنا. فنثبت في جميع ذلك ما جاء به النص ولا نزيد عليه لأنه كله غيب مطلق.
وأما فيما يتعلق بالمسلمات المعرفية فمنها:
– أن جميع ما في الفطرة والبداهة من المعارف صحيح ضرورة، مطابق للواقع في نفس الأمر ضرورة، ولا عبرة ولا التفات لرأي أو نظر يخالفه.
– وأنه لا يزال استقراء العادة يفيدنا باستكشاف العلاقات السببية بين الطبائع وأنواع الحوادث المحسوسة، استكشافا ظنيا في حدود ما بلغه ذلك الاستقراء وتراكمت به الخبرة البشرية في امتداد الزمان والمكان، فيعين على تفسير ما في الماضي القريب دون السحيق، والتنبؤ عما يجري في المستقبل القريب دون البعيد. ويفيد بظن احتمالي تتضاءل قوته كلما بعد موضوع البحث في الماضي أو المستقبل أو في جهات المكان، حيت يبلغ حد التغييب المطلق الزماني والمكان فلا يتجاوزه لعدم العادة البشرية فيما وراء ذلك الحد.
– وأنه لا يغني التفسير بالمحسوس من طريق الحس والعادة عن التفسير بالمغيب عن طريق السمع والنص، فإن هذا مجاله المعرفي ولذاك مجاله، وكلاهما علم نافع، وإن كان العلم السمعي أنفع لتعلقه بأمر الآخرة الذي هو أعظم من أمر الدنيا مهما عظم.
– وأنه لا تقديم لشيء من استقراءات العادة (سواء قوانين التجريبيين أو نظرياتهم أو ما شاكل ذلك) على ما جاء السمع بإثباته ولو بأثر في أدنى درجات الصحة، فضلا عما ثبت ثبوتا قطعيا، لأن استقراء بني آدم ناقص مهما كمل، والأمر كما قال عليه السلام: “صدق الله وكذبت بطن أخيك”. فإذا انعقد سبب صحيح لتصديق الراوي فيما يروي، فلا التفات لما يخالفه البتة ولا نرفع به رأسا.
– وأنه لا يخاض في شيء من مطالب البحث التجريبي إلا بعد تمريره على مصفاة الكتاب والسنة وفهم السلف رضي الله عنهم، فما كان مخالفا للعقيدة السلفية الصحيحة، أو كان ضربا من اللغو أو العبث أو التكلف أو التنطع والتعمق الذي لا نفع فيه موازين الشريعة المطهرة، فهو ممنوع غير مقبول في مبدأ الطرح والسؤال. فكل علم لا ينبني عليه عمل عند المسلم فهو علم لا ينفع، ولا يجوز بذل العمر في طلبه.
جمعه ورتبه: آدم بن محمد المالكي