مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الخالق البارئ المصور، الذي خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}،لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو على كل شيء قدير.
والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين، محمد بن عبد الله، الذي بعثه الله بالتوحيد الخالص، فدعا الناس إلى إفراد الرب بالعبادة والربوبية والخلق، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد ظهر في هذه الأعصار نفرٌ من المنتسبين إلى السنة ممن انتسب إلى السنة ظاهرًا، وتلبّس بالسلفية زورًا، لكنه تشرّب من علم الكلام حتى صار ديدنه، وتضلّع من الفلسفة حتى غدت مشربه، فجمع بين دعوى السلفية التي يتستر بها، وبين التفلسف الذي هو حقيقة أمره، فخرج علينا ببدعة شنعاء ما سبقه إليها أحد من أهل الإسلام، ولا قال بها إمام من أئمة الهدى الأعلام.
وحاصل بدعتهم المنكرة: أنهم زعموا أن الخلق لا يكون إلا من مادة سابقة، وأن الله تعالى لا يقدر على خلق شيء من غير مادة سابقة، بل لا بد من وجود مادة لم تزل معه يحوّلها ويشكّلها، فجعلوا الله – تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا – محتاجًا إلى المادة في خلقه كحاجة النجّار إلى الخشب، وسلبوا عنه حقيقة الخلق والإبداع الذي اختص به دون سائر المخلوقات.
ولقد أرادوا – زعموا – أن ينتصروا بهذه المقالة الشنيعة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فزعموا أن هذا مذهبه وأنهم يتبعون كلامه، وما أبعدهم عن مراده! بل حرّفوا كلامه عن مواضعه، وفهموا منه ما لم يُرده قط، وحملوا عباراته على غير ما أراد، ثم نسبوا إليه من الباطل ما هو برئ منه براءة الذئب من دم يوسف.
وهذا المقال الذي بين يديك – أيها القارئ الكريم – ليس موضوعه الرد على تحريفهم لكلام شيخ الإسلام، فذاك قد فُرغ منه في موضعه، وإنما المقصود هنا إقامة البراهين العقلية القاطعة على بطلان مذهبهم في نفسه، بغض النظر عن نسبته إلى ابن تيمية أو غيره.
فإن الباطل باطل ولو نُسب إلى أكبر الأئمة، ومقصودنا أن نُبيّن أن هذه البدعة فاسدة من أصلها، هادمة لأصول الدين، مناقضة للعقل قبل أن تكون مناقضة للنقل، مستلزمة للكفر من غير وجه، فلا يسوغ لمسلم أن يعتقدها أو يقول بها أو يقف فيها.
وما قصدت بهذه الورقات إلا أن أزجر جاهلهم، وأوقظ غافلهم، فإن كثيرًا من الناس قد يقرر القول ولا يتنبه إلى لوازمه، ويعتقد المقالة ولا يميز ما يقتضيه موجبها، والعاقل من إذا نُبّه انتبه، وإذا ذُكر تذكر، وما بعد البيان عذر.
والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبي ونعم الوكيل.
الوجه الأول
اعلم أن البحث في إمكان ما سيقع من الحوادث والأشياء، لا يخرج عقلاً عن إحدى حيثيتين: إمّا أن يتعلّق بذات الشيء من حيث هو هو، أو يتعلّق بوجوده في الخارج بعد ثبوت إمكان ذاته. ولا ثالث بينهما في انتزاع الإمكان، إذ الشيء إمّا أن يلحظ من حيث ذاته أو من حيث وقوعه؛ فبلحاظ الذات إمكان الشي هو خلوّه في ذاته عن التناقض، وبلحاظ الوقوع في الخارج فإمكانه مرده لوجود أسبابه وشروطه الخارجية.
فإن قلتم: المصحِّح لتعلق القدرة هو إمكان الوقوع الخارجي لا الإمكان الذاتي، قيل لكم: أن إمكان الوقوع الخارجي تابع للقدرة عليه، لا متبوع لها. فإن الشيء إنما يكون ممكن الوقوع في الخارج إذا تحققت قدرة الفاعل عليه. فإن جعلتم إمكان الوقوع شرطًا للقدرة، والقدرة شرطًا لإمكان الوقوع، لزمكم الدور القبلي الممتنع: إذ يكون كل منهما متوقفًا على الآخر قبل تحققه، فلا يتحقق واحد منهما البتة.
وإن قلتم: بل المصحِّح لتعلق القدرة هو الإمكان الذاتي لا إمكان الوقوع الخارجي، قيل لكم: الإمكان الذاتي ثابت للشيء لذاته، لا لأمر خارج عنه. فالممكن إنما هو ممكن لأن نفسه لا تقتضي وجوده ولا تمنع وجوده، فهو في ذاته لا واجب ولا ممتنع، سواء قُدِّر معه شيء آخر أو لم يُقدَّر.
فإذا قيل: لا يتعلّق القدرة بالشيء إلا مع تقدير مادة، فقد جعلتم الإمكان ثابتاً لذات مركّبة من الشيء ومن مادته. والتركيب غير الذات، فصار الإمكان لغير الشيء لا له، وهذا إبطال لمعنى الإمكان، فإنّ الممكن ما لا يقتضي وجوده ولا عدمه من حيث ذاته، لا من حيث ضميمة غيره إليه. وكلّ وصفٍ ثابت للشيء من حيث ذاته، استحال أن يتوقف ثبوته على غير ذاته.
ولو قيل: إنّ الشيء لا يكون ممكناً إلا مع غيره، فقد جعلتم ممكنًا بالغير، لا لذاته؛ ونقل الشيء عن ممكنٍ لذاته إلى ممكنٍ بغيره قلبٌ للحقيقة، إذ لا يخلو لا بشرط ذلك الغير من أن يكون ممكنا أو ممتنعا، فإن كان الثاني لم يجز انقلابه بشرطه، وإن كان الأول ثبت لا بشرطه.
وإن كان الشيء ممكنا لذاته، سواء قدرت مادة أو لم تقدر، فقد ثبت: أن الإمكان الذاتي لا يفتقر عقلا إلى مادة، وقد قدمنا أن مصحح القدرة هو الإمكان الذاتي، فإن لم يكن مشروطا بالمادة، ثبتت القدرة لا بشرط المادة، وهو المطلوب إثباته؛ وهذا هو المعقول الصريح والمنقول الصحيح، والحمد لله رب العالمين.
الوجه الثاني
يقال لكم: القدرة من حيث حقيقتها ومعناها تستلزم الاستغناء التام بها عن غيرها في تحصيل المقدور، فإن حقيقة القادر هو: المستغني بذاته وصفته عن كل ما سواه في إيجاد مقدوره، لا المحتاج إلى شرط خارج عن ذاته وصفاته.
فإذا قلتم: الخلق لا يتم إلا بوجود مادة سابقة، فقد جعلتم ما به الإيجاد حصتين:
- حصة من جهة الرب: وهي القدرة على التحويل والتشكيل.
- حصة من جهة المادة: وهي كونها محلاً قابلاً للتحويل والتشكيل.
فيلزمكم: أن الرب غير مستغنٍ بقدرته وحدها في إيجاد المقدور، بل هو محتاج إلى وجود المادة حتى يتم الإيجاد. وهذا سلب لحقيقة معنى القدرة، فإنه لا معنى للقادر إلا: المستغني في إيجاد مقدوره عن كل ما سواه من الأمور الخارجة عن ذاته وصفاته.
نقول: القدرة الإلهية على إيجاد المخلوقات لا تخرج عن أحد قسمين: إمّا أن تكون مستغنيةً بذاتها عن غيرها في إيجاد مقدورها، وإمّا أن لا تكون كذلك.
فإن قيل بالأول: لزم جواز الإيجاد من غيرِ مادةٍ سابقة، وبطلت دعوى اشتراطِ المادة، وهذا هو الحقُّ الذي دلَّ عليه صريحُ المعقولِ وصحيحُ المنقول.
وإن قيل بالثاني: كقول الخصوم باشتراطِ «جنسِ المادة» في حصول «جنسِ التأثير»*، قيل لكم هذا “القدر الزائد عن القدرة” إن كان له مدخلية في التأثير، فحقيقته: قوة يحصل باجتماعها مع قدرة الرب الاستغناء بالمعلول، لأن المدخلية ها هنا لا تكون إلا قوةً تقتضي حصولَ ما لم يكن ليحصل بدونها؛ ولو لم تكن قوة لما صح أن يكون لها مدخلية وهو خلاف الفرض.
فيقال: هذا القدر الزائد عن قدرة الرب لا يخلو: إمّا أن يكون ممكناً، وإمّا أن يكون ممتنعاً.
١- فإن كان ذلك القدرُ الزائدُ “ممكناً”: لزم وصفُ الباري -سبحانه- بالعجزِ؛ فإنه لا معنى للعجز في المعقول إلا: فقدُ القوةِ الممكنةِ، وهذا محال.
٢- وإن كان ذلك القدرُ الزائدُ “ممتنعاً” لذاته: كان تعليقُ الإيجادِ به تعليقاً بالمحال، وما توقَّفَ حصولُه على الممتنعِ فهو ممتنعٌ، فيلزمُ من ذلك ألا يقعَ من الله خلقٌ ولا فعلٌ البتة؛ لأن الشرطَ (وهو الأمر الممتنع) لا يحصل، والمشروط (وهو الخلق) تبعٌ له، وهذا يفضي إلى تعطيلِ الربِّ عن الفعلِ مطلقاً، وهو كفرٌ صُراحٌ وباطلٌ بالضرورة.
فإذا بطلَ القسمان = فسدَ أصلُ دعوى الاشتراطِ من أساسه. فتعيّنَ الحقُّ في القسمِ الأول: وهو أنَّ قدرةَ اللهِ تعالى كاملةٌ، تامةُ الاقتضاءِ، غنيةٌ عن شرطِ المحلِّ والمادة، فجازَ -بل وجبَ- الإقرارُ بخلقِ الأشياءِ إبداعاً لا عن أصلٍ، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
الوجه الثالث
يقال لهم: إن دعواكم امتناع الخلق بلا مادة، إما أن يكون مستندها الشرع، أو العقل.
فإن قلتم: الشرع دل على ذلك، قيل: كذبتم، فإنه لا في الكتاب ولا في السنة ما يدل على اشتراط مادة سابقة في الخلق، وإنما غاية ما فيهما إثبات وقوع الخلق من مادة سابقة، وهذا لا يقتضي أن وجودها شرط لازم.
إذ ليس كل ما وقع وقع لامتناعه بدون شرطه، بل قد يقع الحاصل لا لوجوب شرطه، بل لمحض مشيئة الرب فيه، كما أنه سبحانه فعل الحسن لا لامتناع القبيح عليه عقلاً – على مذهب أهل السنة – بل لأنه اختار الأكمل لحكمته، مع جواز غيره.
بل السمع يدل على ضد ما زعمتم، فإن الله تعالى قال:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
وهذا نص في تعليق الإيجاد على الإرادة وحدها، من غير أن يُذكر معها شرطٌ من مادة أو محل، ولو كانت المادة شرطًا واجبًا لذُكرت في مقام البيان عن القدرة.
فدل على أن الأمر عند إرادته كافٍ في إيجاد المقدور، وأنه لا يتوقف إلا على محض إرادته وقدرته، لا على مادة خارجة عنه.
وإن قلتم: بل هذا معلوم بالعقل، قلنا: هذا العقل الذي تحتجون به، إما أن يدل عليه بالضرورة، أو بالنظر.
فإن قلتم: بالضرورة، فلا يخفى ما في ادعائها من المكابرة، فإنكم معترفون بأن تقرير مذهبكم هذا موقوف على مقدمات نظرية فلسفية، في حقيقة الإمكان، وفي الأمور العامة، ونحو ذلك مما لا يحضره الذهن ابتداءً بلا كسب ولا روية، بل لا يتصوره إلا من تمرَّس بصناعة المنطق، وطالع كتب الفلسفة، وتدرَّب بالجدل، فكيف يُدعى بعد هذا أنه معلوم بالبداهة والضرورة؟!
وإن قلتم: بل هو معلوم بالنظر والاستدلال، قيل لكم: إذا كان فهم دليل مقالتكم لا يحصل إلا بعد رياضة الذهن بصناعة المنطق الأرسطي، والتوغُّل في الفلسفة، والمران على طرق الجدل، كان تصوّر ذلك الدليل وابتداعُه أولى أن يكون موقوفاً على تلك الصنائع.
فإذا تقرر أن الصحابة الكرام وسلف الأمة لم يعرفوا من هذه الفلسفة والمنطقيات الأرسطية شيئاً، وجب خلوُّ نفوسهم من هذا الدليل الذي تزعمونه على الامتناع، مع أنهم كانوا أعلم الخلق بربهم، وأثبت الناس توحيداً، وأكملهم عقلاً وفطرة.
فإذا كان الأمر كذلك، بقي في نفوسهم أصل الإمكان المشهود بالفطرة والعقل، المعلوم بقياس الأولى من خلق الله نفساً واحدة ثم جعل منها ذرية كثيرة، ومن خلقه سبحانه الشيءَ من العدم، أن إيجاد شيء آخر من غير مادةٍ سابقةٍ ممكن لا يمتنع. فتعين أن مقالتكم في اشتراط المادة مخالفةٌ لما كان عليه سلف الأمة، وأنها دسيسة فلسفية متأخرة، لا برهان عليها من عقل صريح، ولا من نقل صحيح.
الوجه الرابع
يقال لكم: أكلُّ مخلوقٍ قابلٌ للفناء من جهة ذاته أم غير قابل؟ فإن قلتم: قابل للفناء لذاته، قيل لكم: أكلُّ ما كان ممكن الفناء، كان ممكن الإفناء؟
فإن نفيتم ذلك وقلتم: بل هو ممكن الفناء ممتنع الإفناء، قيل: هذا الامتناع إن كان ناشئًا من ذات الممكن فهو خُلف؛ وإن كان ناشئًا من غيره، لم يقدح ذلك في إمكان الإفناء نفسه. وإذا جاز الفعل في نفسه، جازت القدرة عليه، وإذا جازت القدرة على الفعل الممكن، وجبت لله تعالى.
وقد علمت أن لو قيل: ما امتنع لغيره لم تتعلق به القدرة، لزم أن الرب لا يقدر إلا على ما يقع، إذ خلاف ما سيقع ممتنع لغيره، وهذا مما يستحل لعن قائله، فعلك تنزجر عن ملزومه.
ثمّ يقال لكم: هل يقدر الرب جلّ وعلا على إفناء جميع المخلوقات حتى لا يبقى منها شيء، أم لا يقدر؟
فإن قلتم: إنه لا يقدر، فقد نسبتم إليه العجز، إذ العجزُ ليس إلا عدمَ القدرة على فعلٍ ممكن في نفسه، وأنتم قد أقررتم بأن إفناء المخلوق ممكنٌ في ذاته. فمنعُ القدرة مع الاعتراف بإمكان الفعل: عجزٌ صريح، وهو نسبةُ النقص إلى الله، تعالى الله عنه علوًّا كبيرًا.
فإن كان الفناء ممكنًا في ذاته، كان الإفناء ممكنًا بالقدرة التامة؛ وإن كان الإفناء ممتنعًا، كان الفناء ممتنعًا لا ممكنًا، فلا يستقيم أن تقولوا: الفناء ممكن والإفناء ممتنع، فهذا تناقضٌ بيّن.
فالقول بامتناع إفناء الجميع يفضي بكم إلى أحد باطلين:
– الأول: أن تجعلوا المخلوقات مستغنيةً عن الله؛ إذ لو كانت محتاجةً إليه لقدر على رفعها، فإذا لم يقدر—على زعمكم—فقد استغنت عنه، وهو كفرٌ ظاهر.
– الثاني: أن تنسبوا إلى القدرة الإلهية العجزَ عن فعلٍ هو ممكن في ذاته، إذ قد سلّمتم بأن كل مخلوق ممكن الفناء، فالقول بعدم القدرة على إفناء الممكن: محض عجز، وهو كفر.
فتبيّن: أنّ قولكم يؤدي لا محالة إلى الكفر من أحد وجهين: إمّا بتعجيز الرب، وإمّا بإغناء المحدَث عنه، وكلاهما باطلٌ بضرورة العقل وصريح النقل.
الوجه الخامس
كل حكم يثبت لذات الشيء من حيث هي، لا يتغير بوجود غيره ولا بانتفائه، فإن الأحكام الذاتية ثابتة للذوات بحسب حقائقها لا بحسب أمور خارجة عنها.
فيقال لكم: تعلق القدرة الإلهية بإفناء المخلوق هل هو حكم ثابت لذات المخلوق من حيث كونه ممكنًا قابلاً للفناء، أم هو حكم ثابت بشرط وجود مخلوقات أخرى معه؟
فإن قلتم: تعلق القدرة بإفناء المخلوق ثابت لذات المخلوق من حيث هو ممكن قابل للفناء، بحيث يكون الله قادرًا على إفنائه سواء وُجدت معه مخلوقات أخرى أم لم توجد، ثبت المطلوب، وهو أن الله قادر على إفناء جميع المخلوقات، فإن قدرته على إفناء كل واحد لا تتوقف على بقاء الآخر، فيقدر على إفناء الجميع.
وإن قلتم: بل تعلق القدرة بإفناء المخلوق يتغير بحسب وجود غيره أو انتفائه، فالله قادر على إفناء المخلوق ما دام معه غيره من المخلوقات، فإذا لم يبق إلا هو وحده صار إفناؤه ممتنعًا، قيل لكم: هذا جمع بين النقيضين من وجهين:
- الوجه الأول: أنكم أثبتم أن القدرة متعلقة بإفناء كل فرد على الانفراد، إذ كل واحد منها ممكن الفناء لذاته، ثم قلتم: القدرة غير متعلقة بإفناء الفرد الأخير حال انتفاء ما سواه. فأثبتم التعلق ونفيتموه في آن واحد بالنسبة إلى شيء واحد بعينه، وهذا تناقض صريح.
- الوجه الثاني: أن المخلوق الأخير إن كان ممكن الفناء لذاته – كما أقررتم – فالقدرة متعلقة بإفنائه، سواء كان معه غيره أم لم يكن، إذ العبرة بإمكان ذاته لا بوجود غيره. وإن كان ممتنع الفناء حال انفراده، فكيف صار ممتنعًا لذاته بعد أن كان ممكنًا؟ وما الذي غيّر حقيقته حتى انقلب من الإمكان إلى الامتناع؟ فلا بد أن تقولوا: إما أن إمكان فنائه ذاتي لا يتغير، فيُفنى ولو كان وحده، أو أنه ليس بممكن الفناء لذاته بل بشرط وجود غيره، وهذا القول الثاني يناقض إقراركم بأن كل مخلوق ممكن الفناء لذاته.
فتبيّن بهذا: أن قولكم باطل من جميع الوجوه، وأنكم واقعون في الكفر على كل تقدير: إما بتعجيز الرب، أو بإثبات استغناء المخلوق، أو بالجمع بين النقيضين. وصار الحق بيِّنًا وهو: أن الله قادر على إفناء جميع المخلوقات، وقادر على خلق مخلوق جديد بعد إفنائها من عدم محض لا من مادة، فثبت جواز الخلق من عدم وبطل قولكم بوجوب المادة، والحمد لله رب العالمين.
الوجه السادس
ويقال أيضاً: إن احتجاجكم بأنكم لم تنفوا قدرة الرب تعالى، وإنما نفيتم تعلقها بالممتنع، هو بعينه نظير مقالة القدرية: لم ننف علم الباري بأفعال العباد، وإنما نفينا ثبوت العلم الممتنع الذي يُفضي إلى مناقضة العدل الواجب له، إذ العدل واجب له، ونقيض الواجب ممتنع، والخلو عن الممتنع ليس بنقص.
فإن كان هذا الاعتذار عندكم سائغاً، فبمَ تبطلون قول المعتزلي حين يقول: عدم العلم بما يمتنع العلم به لا يسمّى جهلاً، بل الجهل إنما يكون في الممكن العلم؟
فإن أنكرتم عليه وقلتم: لا معنى لعدم العلم إلا الجهل، ثم قلتم: امتناع الجهل على الرب يدل على فساد ما ادعيتموه من لزوم نفي العلم بحجة امتناع المناقضة للعدل؛ قيل لكم بمثله سواءً بسواء: لا معنى لعدم القدرة على الممكن لذاته إلا العجز، كما لا معنى لعدم العلم إلا الجهل.
فإذا قلتم: إن القدرة لا تتعلق بالإيجاد بعد فناء سائر المواد، فقد نسبتموه إلى العجز عن الممكن، لأن الممكن لا يمتنع تعلق القدرة به، وعجز القادر عن الممكن محال في حقه سبحانه.
فكما أن امتناع الجهل على الله سبحانه شاهد على فساد تعليل المعتزلة بنفي العلم، فكذلك امتناع العجز عليه شاهد على فساد تعليلكم بنفي القدرة.
وكما أن السلف قد كفروا هؤلاء، لأن اللازم الظاهر يجري مجرى المقالة، فلم يعتبروا ما احتجوا به موجبا للاشتباه، فكذلك نقول في مقالتكم سواء بسواء.
الوجه السابع
اعلم أنّ القول بافتقار الخلق إلى مادةٍ سابقةٍ لا يستقيم على أيٍّ من التقديرين العقليّين في نسبة الإفناء إلى الخلق؛ إذ لا يخلو الأمر من أحد قسمين: إمّا أن يكون الإفناء عينَ الخلق في الخارج، أو يكون غيره.
إن كان الإفناء عينَ الخلق -وهو الحق-، فعلى هذا التقدير: يكون إفناء المادة الأولى ليس زائدا على إيجاد الثانية، فعلة فناء الورقة هي بعينها علة وجود الرماد؛ فعلى هذا يكون عدمُ المادة السابقة إنما حصل بعروض الخلق على المحل، فالإفناء حينئذٍ معلولٌ للخلق، تابعٌ له.
وعلى هذا الاعتبار: يكون الفناء ـ أعني عدم المادة السابقة ـ تابعًا للخلق، موقوفًا عليه، لأنه معلول له، والمعلول لا يُجعل شرطًا في علّته، إذ هذا من أعظم المحالات.
فإنه لو جاز أن يكون المعلول شرطًا لعلّته، لجاز أن يكون الشيء موقوفًا على ما هو موقوف عليه، وهذا دوران صريح، والدور باطل ببداهة العقول، فبطل اعتبار الفناء شرطًا في الخلق، وثبت أنه أثر من آثاره، وتابع من توابعه.
فلو قُلنا: إنَّ (أ) [الذي هو الإفناء] لازمٌ لـ (ب) [الذي هو الخَلْق] بشرطِ (ج) [الذي هو تَعَلُّقُه بمحل موجود]. فمُقتضى العقلِ يقول: إنَّ (ب) [الخَلْق] هو الأصلُ المُؤثِّر، و(أ)[الإفناء] هو الأثرُ اللازم. فمن المُحالِ أن نعودَ فنقول: إنَّ (أ) [اللازم/الأثر] هو شرطٌ في حصول (ب) [الملزوم/المؤثر]؛ فمثلا: (أ) ظهور الغبار لازم (ب) لمرور الفرس بشرط (ج) مصدر الغبار، فإن رفعنا (ج) أي مصدر الغراب جاز مرور الفرس لا بشرط ظهور الغراب. أو يقال: حركة الخاتم لازم لحركة اليد بشرط لبس الخاتم، فهل يقول عاقل أن حركة الخاتم شرط لحركة اليد؟
فثبتَ بذلك: أنَّ زوالَ المادةِ الأولى ليسَ شرطاً سابقاً يُتَوَقَّفُ عليه الفِعل، بل هو أثرٌ لاحقٌ حَصَلَ بنفادِ الفِعلِ في المحل، وبطلت شُبهةُ اشتراطِ المادة.
القسم الثاني: أن يكون الإفناء غيرَ الخلق، فعلى هذا التقدير: لا يخلو ترتّبهما من أحد أمرين: إمّا أن يقارنه الخلق في الزمان. وهذا محالٌ عند بدائه العقول؛ لأنه يفضي إلى اجتماع الوجود والعدم في محلّ واحدٍ وزمانٍ واحد، إذ تكون المادة – في الآن نفسه – معدومةً من جهة تعلّق الإفناء، موجودةً من جهة تعلّق الخلق، وهو جمعٌ بين النقيضين.
وإمّا أن يتأخّر الخلق عن الإفناء: وحينئذٍ يمتنع أن تكون المادة شرطًا له، فإنّ المشروط يستحيل تحقّقه بعد فوات شرطه؛ والشرط إذا عدم لم يصح اشتراطه. فإذا كانت المادة قد بُطلت حقيقتها بالإفناء، ثم جاء الخلق بعدها، لم يعقل أن يكون قد وقع بها، ولا عنها، وقد تبيّن أنها معدومة. فبطل اشتراط المادة بهذا الوجه أيضًا.
فثبت من مجموع الأمرين، وبالطريق الحاصر القاطع، أنّ دعوى اشتراط المادة في كل إحداثٍ باطلةٌ على كل تقدير؛ سواء قيل إن الإفناء عينُ الخلق أو قيل إنهما غيران.
وصحَّ أن الخالق سبحانه يبدع الأشياء إبداعًا، لا عن مادةٍ تسبقها، بل يكون إيجادُه محضَ تعلق قدرته، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
الوجه الثامن والأخير
يقال لكم: القدرة على الخلق إما أن تكون ثابتة للرب حال انفراده عن المادة، أو لا تثبت له إلا بوجود المادة معه، ولا ثالث.
فإن قلتم: بل القدرة ثابتة لكل واحد منهما حال انفراده، فلا يخلو: إما أن تنفرد المادة بالقدرة دون الرب، وهذا ظاهر البطلان بالضرورة. أو ينفرد الرب بالقدرة دون المادة، فلا يحتاج في خلقه إلى مادة سابقة، وهذا هو المطلوب.
وإن قلتم: بل القدرة لا تثبت للرب حال انفراده عن المادة، وإنما تثبت له بوجود المادة معه؛ قيل لكم: هذه القدرة الحاصلة حال الاجتماع إما أن تحصل منهما، أو من غيرهما.
أما حصولها من غيرهما فباطل، إذ لو احتاج حصول القدرة إلى ثالث، لعاد السؤال: هل هذا الثالث قادر بذاته أم يحتاج إلى رابع؟ فيتسلسل إلى غير نهاية، وهو محال بالضرورة.
وأما حصول القدرة منهما معًا فأشد بطلانًا، إذ يلزم منه أن يجعل كل منهما الآخر قادرًا، فيكون الرب محتاجًا إلى المادة لتجعله قادرًا، والمادة محتاجة إلى الرب ليجعلها قادرة. وهذا دور قبلي ممتنع، فإن كلاً منهما يتوقف على الآخر قبل حصول القدرة له، فلا يحصل لواحد منهما قدرة البتة.
ثم يقال لكم على وجه آخر: اجتماع عاجزين لا يُنتج قادرًا البتة، كما أن اجتماع أعميين لا يُنتج بصيرًا، واجتماع جاهلين لا يُنتج عالمًا. فإن القدرة أمر وجودي إيجابي، لا يحصل من مجرد انضمام معدومين لها، إذ العدم لا يُنتج وجودًا. فإذا كان الرب – على زعمكم الباطل – غير قادر حال انفراده، والمادة غير قادرة حال انفرادها، فاجتماعهما لا يُنتج قدرة، إذ هو اجتماع عاجزين، واجتماع العاجزين لا يرفع العجز.
والحاصل: أن القدرة على الخلق إن كانت ثابتة للرب بذاته، فلا حاجة إلى المادة، ويثبت جواز الخلق من عدم. وإن لم تكن ثابتة له بذاته، بل تتوقف على المادة، لزم أن تكون صفة القدرة الإلهية ناقصة محتاجة إلى غير الله، وهذا محال وكفر. وإن قلتم: لا هذا ولا ذاك، بل القدرة حاصلة من اجتماعهما، فقد بيّنا استحالة ذلك.
فتعين بهذا: أن القدرة ثابتة للرب بذاته، غير متوقفة على وجود المادة، فيجوز الخلق من غير مادة، ويبطل قولكم بوجوب الخلق من مادة سابقة على جميع التقادير، ولله الحمد والمنة.
خاتمة
فهذه وجوه من الاعتراضات العقلية المحكمة، والإلزامات المنطقية القاطعة، أوردناها على من زعم أن الخلق لا يكون إلا من مادة سابقة، وأن الله لا يقدر على الإيجاد من العدم المحض، وقد تبيّن من مجموع هذه الوجوه بطلان مذهبهم من جميع الجهات، واستحالة قولهم على كل التقديرات، ووضح أنهم واقعون في محاذير عظيمة، وملزومون بلوازم فاسدة، لا ينفكّون عنها ولا يتخلصون منها مهما تلوّوا واحتالوا.
هذا وأنبهكم أن هذه الحجج جميعاً جارية على أصول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويعرف نظائرها في كتبه من عُني بمعرفة مذاهبه.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يُرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجنّبنا الزيغ والضلال، وأن يثبتنا على العقيدة الصحيحة والمنهج القويم، وأن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يُحيينا على السنة وأن يُميتنا عليها، وأن يحشرنا في زمرة نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تم بحمد الله وتوفيقه
كتبه آدم بن محمد المالكي في 3 جمادى الأولى 1447 هـ
راجيًا من الله القبول والسداد
_______________________________________
حاشية
* اعلم أن لفظ “الشرط” مشترك يقع على معنيين متباينين، ومن عدم التمييز بينهما دخل الغلط على الخصم، والفرق بينهما يتجلى في مقامين:
– المقام الأول: شرط “الفاعلية” (وهو محل النزاع والإنكار): وهو ما يتوقف عليه تمكن الفاعل من الفعل؛ بحيث لو فقد هذا الشرط لكان الفاعل عاجزا عن التأثير أصلا. مثاله: كاشتراط القلم للكاتب، أو الآلة للصانع. وقول المشائين: واجب الوجود عام الفيض يتوقف حدوث الأثر عنه على استعدادات القوابل.
– المقام الثاني: شرط يتوقف عليه وجود الأثر في نفسه لا قدرة الفاعل، بناء على ترتيب المسببات على الأسباب ومقتضى الحكمة. وحقيقته: أن تكون ماهية “المعلول” تقتضي الترتيب، كاشتراط “الحياة” لوجود “العلم”، أو اشتراط “التحيز” لوجود “البياض”.
وجه الغنى فيه: أن الفاعل الحق (سبحانه) هو الذي خلق الشرط وخلق المشروط.
فالفيصل الحاسم بين “الشرط الذي يعجز الفاعل” وبين “الشرط الجائز” (الذي هو محض نظام)، هو النظر في “مبدأ التأثير” من أين ينبعث؟ وهل يتوقف حصول أصله على وجود “الغير” أم لا؟ والضابط في ذلك ينحل إلى صورتين:
– الصورة الأولى: توقف “جنس التأثير” على غير الله (وهو العجز والافتقار)، وهو مذهب القائلين بوجوب المادة. وحقيقته: أن الفاعل (الله) لو خلي ونفسه، من غير وجود ذلك “الغير” (المادة)، لما صح منه التأثير أصلا.
فيكون “جنس فاعليته” معطلا، و”صلاحيته للإيجاد” موقوفة؛ حتى يحضر ذلك الغير فيعطيه إمكانية الفعل.
– الصورة الثانية: توقف “آحاد الآثار” بعضها على بعض (وهو الحكمة ونظام الأسباب)، وهو مذهب الحق. وحقيقته: أن “جنس التأثير” و”كمال الفاعلية” ثابت لله بذاته المقدسة، مستغن عن كل ما سواه. فهو قادر على الإيجاد ابتداء وانتهاء.
لكن مشيئته اقتضت أن يخلق مخلوقا (أ) ويجعله شرطا لمخلوق (ب).
وجه الصحة: هنا لم يتوقف “تأثير الله” على “غير الله”؛ لأن الشرط (أ) هو محض فعله وخلقه، لا شيء أجنبي عنه.
فتوقف (ب) على (أ) هو توقف أثر لله على أثر لله، والكل راجع إليه.
فلا يكون في الوجود “غير” استمد منه الله العون، بل هو الموجد للسبب والمسبب معا.




