المعرفة

مدخل الى الاتجاهات الابستيمولوجية الحديثة – الجزء الثاني

باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم بك استعنّا فأعنّا :

أما بعد (فنتمم ما توقفنا عنده في الجزء الأول)

بسط الكلام في شرط الصدق:

مطلب في ما الصدق truth ؟

لو إطلعنا على ما ألفه النظار في هذا المطلب لحققنا اختلافات عظيمة في نظريات الصدق، فقد نجد نظرية تعطي المعنى وأخرى تشرح المعيار. على سبيل المثال، قد تجد شيلر (Schiller) يقول إن الشيء الصادق مصطلح يعني أنه “خير”، ومعياره المنفعة (utility). ويرى برادلي (Bradley) بأن معنى الصدق يتطلب التناظر (correspondence)، فيقرر قولنا بأن فكرة ما صادقة يعني أن ثمة نوعًا ما من التناظر. ويرى أن الاتساق (consistency) معيار له، ويسير بعض القائلين بالاتساق في مسار البراغماتيين (pragmatists). ويرى بعضهم أن التعريف والمعيار يسيران في مسار واحد، والسبب في ذلك أنهم يرون الصدق هو الاتساق وفي نفس الوقت هو معيار له.

وحتى نحكم بالصدق ونلحظ معناه، لا بد أن نحدد أولًا نوع العبارة التي نرغب في الحكم عليها، وهنا يتدخل مفهوم مهم ألا وهو حوامل الصدق (truth-bearers).

فصل في حوامل الصدق:

تباينت آراء الفلاسفة وتعددت مذاهبهم في “حوامل الصدق”، وظهرت في هذا السياق نظريات متعددة، لكل منها تصورها الخاص لطبيعة حامل الصدق، ويمكن تلخيص أبرز هذه الرؤى فيما يلي:

1. الاعتقادات (Beliefs):

يرى بعض الفلاسفة أن الاعتقادات التي يحملها الأفراد هي حوامل الصدق، فإذا طابقت هذه الاعتقادات الواقع، وُصفت بالصدق.

2. الجمل (Sentences):

وفق هذا الرأي، فإن الجمل اللغوية – بصرف النظر عن السياق أو القائل – هي التي تُحمل الصدق أو الكذب. وقد تبنى هذا الموقف كل من تارسكي (Tarski) ودفيدسون (Davidson).

3. القضايا (Propositions):

يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن “القضية” بوصفها مضمونًا فكريًا مجردًا ومستقلاً عن اللغة أو الذهن، هي التي تُعد حاملة للصدق. يمثل هذا الرأي فريجه (Frege).

4. الجمل الدائمة (Eternal Sentences):

يرى كواين (Quine) أن الجمل التي تُعبر عن حقائق أزلية أو ثابتة، هي الجديرة بحمل الصدق، إذ إن صدقها لا يتأثر بتغير الزمان أو المكان أو السياق.

5. الأحكام (Judgments):

أما بلانشارد (Blanchard)، فقد اعتبر أن الأحكام العقلية – أي ما يُصدره العقل من تقويمات أو تصديقات – هي الحوامل الحقيقية للصدق.

6. العبارات (Statements).

7. نفي وجود حامل للصدق أصلاً: عبر عن هذا الموقف رامزي (Ramsey) وستراوسن (Strawson).

بعد أن عرضنا آراء الفلاسفة واختلافاتهم في حوامل الصدق، فإن الأرجح في هذه الآراء، وهو ما يقرره أيضا المناطقة والفلاسفة المسلمون، هو أن القضايا، وهي الجمل الإخبارية (declarative sentences)، هي التي يجوز الحكم عليها بالصدق أو الكذب.

فإذا تقرر ما تقدم، فالحكم بالصدق أو الكذب هو خاص بالجمل الإخبارية، فتكون هي القضايا، لكن هذه القضية تواجه مشكلة من ناحية الوضع الأنطولوجي (ontological status) للجمل الإخبارية، فهي جمل وأصوات منطوقة بينما القضايا هي كائنات عقلية (mental entities). لذلك ميز فريجه بين ثلاث مسائل: الجملة والفكرة والقضية، فجعل الجملة لها وجود فيزيائي، والفكرة وجود عقلي، بينما القضية وضعها في خانة عالم ثالث سماه عالم المعاني (third realm of meanings)، الذي قد يذكرنا بعالم المثل لأفلاطون.

وقد نجد بعض التجريبيين (empiricists) ممن لا يقبلون القضايا كحوامل صدق لأنها ليست موضوعات تقع في خبرتنا المباشرة.

الاعتراضات:

الاعتراض الثاني يرد بشكل خاص على تقسيم فريجه، وهو أن نصل أوكام (Occam’s razor) يبطل تقسيمه (وأنا لا أرى صحة نصل أوكام هذا)، لأن العالم المؤلف من قسمين أكثر قبولًا من المكون من ثلاثة أقسام، بالإضافة إلى أن القسم الثالث يقرر أن كل قضية صادقة يجب أن ندخل معها عددًا لا نهائيًا من القضايا الكاذبة أيضًا، وهذا يتخالف مع نصل أوكام كما سبق.

الاعتراض الثالث هو صعوبة تحديد القضية لأنها تفتقر إلى معايير واضحة للهوية، لذلك انتقد ذلك كواين ورأى أن البديل عن القضايا هو الجمل الدائمة (eternal sentences) التي تكون مخصوصة بزمن معين وشخص معين فلا تتغير قيمة الصدق فيها.

إذا تممت وأدركت كل ما تقدم أخي القارئ، فإليك بسط الكلام في نظريات الصدق

بسط الكلام في نظريات الصدق truth theories:

تتعدد النظريات في هذا المبحث وتجنبا للاطناب في ما لا ينفع سأخذ أهم وأشهر هذه النظريات ونبسط فيها الكلام بما يكون كافيا كمدخل لك يا طالب العلم.

النظريات اجمالا

مدخل الى الاتجاهات الابستيمولوجية الحديثة - الجزء الثاني

نظرية التناظر (Correspondence Theory):

تُعدّ من أشهر نظريات الصدق (truth theories)، لأنها أقرب إلى إدراك الإنسان العادي. ويُعبر عنها على النحو التالي: إذا كانت القضية (proposition) تُناظر واقعة معينة (fact أو state of affairs)، فإنها صادقة، وتكون كاذبة إذا لم تُناظر أية واقعة. أما ما تُناظر معه حوامل الصدق (truth-bearers) فيُسمى بالوقائع (facts)، أو المواقف (situations)، أو الموضوعات، أو الأشياء (objects)، أو الحوادث (events)، أو سير الأحوال (states of affairs).

أنواع التناظر:

التناظر بوصفه تطابقًا (correspondence as congruence):

وهو أن يكون ثمة تماثل بنيوي بين حوامل الصدق والوقائع، فيرى القائلون به أن التناظر حاصل بين الطرفين تماثلًا وتركيبًا.

التناظر بوصفه ارتباطًا (correspondence as correlation):

وفيه لا يكون حامل الصدق مماثلًا للواقعة، بل يرتبط بها ارتباطًا دلاليًا أو مواضعتيًا، بحيث يُحكم على القضية بالصدق إذا أقرّ العرف اللغوي أو المواضعة (convention) بصحتها في ضوء ما يجري في الواقع.

نظرية التناظر بوصفه تطابقًا هي الأشهر، وقد وردت عند فلاسفة كُثر، مثل مور (Moore)، ورسل (Russell)، وفِتجنشتين (Wittgenstein).

وقد صاغ مور ورسل النظرية بصيغتين، خلاصتهما أن التناظر حاصل بين حوامل الصدق (truth-bearers) والوقائع (facts)، والعلاقة بينهما هي علاقة تطابق أو تمثيل (representation).

ويرى رَسل أن التناظر يقوم بين أربعة عناصر:

الأول: الذات (subject)،

والثاني والثالث: حدّا الموضوع (predicate)،

والرابع: العلاقة (relation) التي تربط بينهما، وغالبًا ما تكون هي الفعل (verb).

ويُضيف رَسل إلى الاعتقادات المركبة (complex beliefs) عنصرًا آخر أسماه الاتجاه (direction)، وهو موطن الدلالة ومنبع المعنى (meaning). وعلى هذا، فإن الاعتقاد يكون صادقًا إذا ناظر تركيبًا واقعيًا منسجمًا، ويكون كاذبًا إذا لم يفعل.

الاعتراضات على النظرية:

1. ما يتعلّق بحوامل الصدق (truth-bearers) وقد عُرض سابقًا.

2. ما يتعلّق بجزء الواقع المناظر لحامل الصدق (corresponding part of reality).

3. ما يتعلّق بعلاقة التناظر ذاتها (the correspondence relation).

أما الأول فقد سبقت الإشارة إليه، ونفصل الآن القول في الثاني والثالث:

الاعتراض الأول:

خلاصته أن ثمة قضايا يصعب أو يستحيل التحقق من صدقها عبر معيار التناظر، كقضايا الأخلاق (ethics) والجمال (aesthetics) والمنطق (logic) والميتافيزيقا (metaphysics)، مما يجعل التناظر معيارًا قاصرًا عن استيعاب كل صنوف المعارف (epistemological limitation).

الرد عليه من وجهين:

الوجه الأول: هو مذهب العلميين التجريبيين (empiricists) وأتباع الوضعية المنطقية (logical positivists)، ومفاده أن هذه القضايا غير معرفية من الأساس، بل لا تعدو كونها انفعالات أو أوامر تعبّر عن اضطرابات نفسية لدى المتكلم، ولا يُمكن التحقق من صدقها أو كذبها. وهذا الرأي مردود، إذ يضيق دائرة المعرفة ويقصرها على ما يُدرك بالحس والتجربة فحسب.

الوجه الثاني: أقوى من سابقه، وهو ما يُعرف بالنزعة الرديّة (reductionism)، حيث يُردّ مضمون هذه القضايا إلى مجالات أخرى. فالأخلاق تُحمل على السلوك الاجتماعي ، والمنطق والرياضيات تُرد إلى بنيات لغوية (linguistic structures) أو مواضعات عقلية (conventions). ويمكن تلمّس هذا الرأي لدى السلوكيين السيكولوجيين وأتباع الوضعية المنطقية على السواء.

الاعتراض الثاني:

يُعد من أهم الاعتراضات، وقد أزعج رَسل نفسه في أبحاثه الذرّية المنطقية (logical atomism)، إذ يثير إشكالات أنطولوجية دقيقة حول طبيعة التناظر.

فمثلًا، قولنا: “أحمد ليس في البيت”، يصعب التحقق من صدقه لأنه يستلزم تحديد جميع المواقع الممكنة التي قد يكون فيها أحمد: الملعب، أو مكان العمل، أو الغابة، أو غير ذلك من الأماكن التي لا حصر لها. ومن ثم، يتعذر إثبات نفيه إلا باستقصاء غير ممكن.

ويتفرع عن هذا الاعتراض نقاط أربع:

1. أن حوامل الصدق (truth-bearers) لا تُشبه شيئًا في العالم الخارجي، مما يصعب معه إيجاد واقعة مناظرة (corresponding fact).

2. أن قضايا المستقبل (future contingents) لا يمكن التحقق من تناظرها بالواقع، لأنها لم تقع بعد.

3. أن العبارات الميتافيزيقية (metaphysical statements) أو الدينية (religious statements) تعترض معيار التناظر، إذ كثير منها يتصل بما وراء الواقع المحسوس (beyond empirical reality).

4. أن العبارات المعيارية (normative statements) أو الافتراضية (hypothetical statements) تمثل عقبة في وجه هذا المعيار، لأنها تُعبّر عن ما ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن بالفعل.

نظرية الاتساق (Coherence Theory of Truth):

تقوم هذه النظرية على أن القضية تكون صادقة (True) إذا اتسقت مع فئة محددة من القضايا، وتكون كاذبة (False) إذا لم تتسق معها. وتُعد هذه النظرية من بين الأشهر، إذ نجدها بوضوح في فلسفة إيمانويل كانط (Immanuel Kant)، حيث يرى أن الحدس البشري (Human Intuition) عاجز عن إدراك الواقع كما هو في ذاته (noumenal reality)، أي الوقائع والموضوعات في ذاتها (Things-in-themselves / Noumena).

لذا ميّز كانط بين عالمين:

عالم الظواهر (Phenomena / Appearances): وهو العالم المحسوس، الممكن إدراكه.

عالم الأشياء في ذاتها (Noumena): وهو العالم الممتنع عن الإدراك الحسي المباشر.

والمعرفة عند كانط تتكوّن من الانطباعات الحسية (Sensory Impressions) والمقولات العقلية (Categories of Understanding)، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما.

وقد تبنّى هذه النظرية مفكرو المدرسة المثالية (Idealism)، ودار بينهم جدل طويل حول تفاصيلها سيتم التفصيل فيه لاحقًا.

ينبغي بعد هذا أن نُميز بين معنيين لمفهوم الاتساق (Coherence):

1. الاتساق بوصفه تماسكًا (Consistency).

2. الاتساق بوصفه لزومًا منطقيًا (Logical Necessity).

كانت الصيغ المبكرة من النظرية ترى أن الاتساق يعني التماسك ، وهو معنى عام قد يشمل الحق والباطل معًا؛ إذ يمكن لقضيتين متعارضتين أن تتماسكا مع مجموعة من القضايا، رغم تناقضهما، مما يؤدي إلى تناقض منطقي ومحال (Impossibility)، إذ يلزم منه صدق النقيضين (Truth of Contradictories).

لذلك ظهر النوع الثاني كحلٍّ أكثر دقة: الاتساق بوصفه لزومًا منطقيًا (Logical Entailment)؛ أي أن القضية تتسق مع نسق من القضايا الأخرى إذا كانت تلزم عنها منطقيًا، أو كانت تُستلزم من فئة فرعية ضمن هذا النسق. فلا يمكن لقضية أن تكون صادقة في ذاتها (In Itself)، بل ضمن السياق الذي تنتمي إليه.

ويمثّل المدافعون عن هذه النظرية ذلك بـ الأنساق الرياضية (Mathematical Systems) وغيرها من النظم الصورية المغلقة.

الحجج المؤيدة لنظرية الاتساق سلكت طريقين رئيسيين:

 الطريق الميتافيزيقي (Metaphysical Route):

ويمثله دعاة الفلسفة المثالية بقوة، فهم يرون أن الواقع القابل للمعرفة (Knowable Reality) ذو طابع عقلي ومثالي (Mental and Ideal)، إذ العقل ليس خارجًا عن الواقع بل جزء من نسيجه.

وبالتالي فإن إدراك الواقع يكون ممكنًا حتى لو لم يكن الإدراك مباشرًا أو كاملاً، وهو ما يُعرف بـ مذهب العلاقات الداخلية (Doctrine of Internal Relations).

أبرز ممثلي هذا الاتجاه هو فرانسيس برادلي (F.H. Bradley)، الذي يرى أن الواقع (Reality) هو كلٌّ موحّد متسق ، وأطلق عليه اسم “المطلق” (The Absolute).

ويرى المثاليون أن الواقع، في جوهره، ليس سوى شبكة من الاعتقادات (Web of Beliefs)، وأن صدق الاعتقاد (Truth of Belief) لا يُقاس بمطابقته لشيء خارجه (Correspondence)، بل باتساقه مع باقي الاعتقادات.

 الطريق الإبستيمولوجي (Epistemological Route):

ويظهر بوضوح في فلسفة بلانشار (Brand Blanshard)، الذي رأى أن الفصل الحاد بين الواقع الخارجي (External Reality) والاعتقادات يؤدي إلى السقوط في الشك المعرفي (Skepticism)؛ إذ تصبح المعرفة مجرد احتمال معرفي .

لذا قرر أن أفكارنا ليست منفصلة تمامًا عن العالم الخارجي، بل هي وجه آخر له ، ما يعني رفض ثنائية الذات والموضوع.

وقد انقسم الوضعانيون الجدد (Neo-Positivists) حول الموقف الأول لـ لودفيغ فيتجنشتاين (Ludwig Wittgenstein)، مما جعل بعضهم يميل إلى قبول نظرية الاتساق.

ومن مظاهر هذا القبول محاولتهم الدمج بين نظريتي الاتساق والتناظر من خلال ما يُعرف بـ جمل البروتوكول (Protocol Sentences)، وهي عبارات أولية (Basic Statements) تصف الواقع الحسي مباشرة، وتُستخدم كأساس لبناء المعرفة.

لكن أوتو نيورات (Otto Neurath) رفض هذا التوفيق، وذهب إلى أن المعيار الوحيد للصدق هو الاتساق الداخلي (Internal Coherence)، دون الحاجة إلى مرجعية خارجية حسية (Empirical Reference).

الاعتراضات على نظرية الاتساق:

1. الاعتراض الأول – إشكالية الدور (Circularity Problem):

تفترض النظرية أن القضية (ق) صادقة إذا كانت تستلزم (ك)، و(ك) يجب أن تكون صادقة. لكن هذا يؤدي إلى دور منطقي (Logical Circularity)، إذ يُفترض صدق (ك) لتقرير صدق (ق)، وصدق (ق) لتقرير صدق (ك).

وقد حاول البعض تفادي هذا الدور باستخدام قاعدة إثبات المقدم (Modus Ponens):

إذا كانت: (ق) → (ك)

و(ق) صحيحة

إذًا (ك) صحيحة

لكن هذا لا يحل الإشكال، لأن لزوم النتيجة من المقدم (Logical Consequence) هو ذاته مناط الصدق هنا، فيعود الإشكال نفسه .

2. الاعتراض الثاني – غموض النسق المرجعي (Ambiguity of the Coherence Set):

النظرية لا توضح بدقة ما هو النسق الذي يجب أن تتسق معه القضية حتى تُعد صادقة. وتُطرح في هذا السياق ثلاثة احتمالات:

(أ) نسق اعتقادات فرد بعينه (Individual Belief System): وهذا يؤدي إلى نسبية فردية (Subjective Relativism).

(ب) نسق من الاعتقادات المشتركة ثقافيًا (Cultural Belief System): مما يؤدي إلى نسبية ثقافية (Cultural Relativism).

(ج) نسق موضوعي مستقل (Objective Coherent System): وهو يصطدم بمشكلة تحديد المعيار (Problem of Criterion)؛ إذ يُفترض وجود معيار قبل تحديده، مما يُعد مصادرة على المطلوب ودورا منطقيا مصرحا كان أو مضمرا (Begging the Question).

3. الاعتراض الثالث – تعدد الأنساق المتسقة (Problem of Multiple Coherent Systems):

قد توجد أكثر من مجموعة من القضايا التي تُشكّل نسقًا متماسكًا منطقيًا داخليًا، ولكنها تختلف أو تتعارض فيما بينها، فكيف نُميز بينها؟

إذا قيل إن النسق الصادق هو المطابق للواقع ، فقد تم حينها الرجوع إلى نظرية التناظر ، مما يُعد تناقضًا داخليًا في نظرية الاتساق.

النظرية البراغماتية (Pragmatic Theory of Truth):

البراغماتية (Pragmatism) مبدأها العام أن معنى الفكرة هو النتائج المترتبة عليها، وإذا لم تترتب عنها نتائج، فهي ببساطة فكرة زائفة. وتُعد نظرية في المعنى والصدق معًا (theory of meaning and truth).

أول من صاغ مصطلح “البراغماتية” هو الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرس بيرس (Charles Sanders Peirce)، وقد أيّدها عدد من الفلاسفة، أبرزهم ويليام جيمس (William James) وجون ديوي (John Dewey).

قام جيمس بنشرها على نطاق واسع، بينما حاول ديوي أن يصوغ لها منطقًا عمليًا، وحوّلها إلى نظرية ذات طابع أداتي (instrumental theory) تُعرف أيضًا بمذهب الذرائع (Instrumentalism).

ومن الفلاسفة المعاصرين الذين دافعوا عن النظرية نجد: كواين (Quine)، هيلاري بتنام (Hilary Putnam)، ويلفرد سيلارز (Wilfrid Sellars)، كارل أبل (Karl-Otto Apel)، ونيكولاس ريشر (Nicholas Rescher)، وغيرهم كثير.

ورغم اتفاقهم على المبادئ العامة للبراغماتية، فإنهم يختلفون في التفاصيل، حتى قيل إن عدد الفلسفات البراغماتية يساوي عدد البراغماتيين أنفسهم.

يرى البراغماتيون أن الصدق (Truth) تابع للنتائج العملية (Practical Consequences).

فعلى سبيل المثال، يرى بيرس (Peirce) أن الاعتقادات (Beliefs) هي بمثابة استعدادات للفعل ، وأن الشكوك هي اضطرابات في هذه الاستعدادات.

ويُمكِّننا المنهج العلمي من اكتساب هذه الاعتقادات، وبذلك فإن الصدق عنده مشروط بالواقع، مما يجعل نظريته تحتوي على عناصر من نظرية التناظر (Correspondence Theory).

أما الصورة النظرية الكاملة للنظرية فنجدها عند ويليام جيمس (James)، وتختلف إلى حد ما عمّا قرّره بيرس.

إذ يرى جيمس أن الصدق مرتبط بالمنفعة (Utility)؛ فالفكرة تكون صادقة إذا كانت لها نتائج فعلية نافعة .

ويعبّر عن ذلك بالسؤال: “إذا سلّمنا بصدق فكرة ما، فما الفرق الملموس الذي سيترتب على ذلك في حياتنا العملية؟” – وهذا هو جوهر نظريته.

لكن ما قرره جيمس لم يسلم من انتقادات شديدة من فلاسفة مثل برتراند راسل (Bertrand Russell) وجورج مور (G.E. Moore).

وكان لبّ اعتراضهم هو: كيف يمكن الحكم على القضايا الأخلاقية والميتافيزيقية (Ethical and Metaphysical Propositions) من خلال منفعتها؟

لكن المدافعين عن جيمس ردّوا بأن غايته لم تكن تسوية القضايا الميتافيزيقية، بل إثبات أن القضايا الصادقة تظل بمنأى عن التكذيب (Immunity from Falsification)، أي أنها تبقى فاعلة ونافعة.

وقد أدرك جيمس أن هذا الموقف قد يُشكّل تهديدًا للقضايا الغيبية مثل وجود الله والحقائق الدينية، لذلك سلك مسلكًا خاصًا فميّز بين نوعين من الأشخاص:

أصحاب العقول الصلبة (Tough-minded): وهم الذين لا يؤمنون إلا بالنتائج المباشرة القابلة للتحقق التجريبي.

أصحاب العقول اللينة (Tender-minded): وهم الذين يؤمنون بالنتائج غير المباشرة، بما في ذلك الغيبيات.

وكان جيمس يعدّ نفسه من الفئة الثانية، إذ يفسح المجال للاعتقاد بالقضايا الدينية والميتافيزيقية، لا من جهة التحقق التجريبي، بل من جهة أثرها في الحياة.

والاعتراض الذي يمكن أن يُوجَّه إلى هذه الرؤية هو: هل هذه القضايا الغيبية – كوجود الله – حقيقية في ذاتها سواء كانت نافعة أم لا؟

ولنفترض أن شخصًا ما اخترع فكرة وادعى أنها نافعة له ومرضية، فهل يكفي ذلك للحكم بصدقها؟ هذا يؤدي إلى إشكال ذاتيّة الصدق (Subjectivism).

ثم جاء جون ديوي (Dewey) وأضاف جوانب إبستمولوجية للنظرية لم تكن مألوفة من قبل.

وأبرز ما قدّمه هو أن الصدق خاصية تتعلق بالأفكار التي نملك مسوّغًا كافيًا لتوكيدها (Justified Assertion).

ورأى أيضًا أن الأفكار ما هي إلا خطط عمل (Plans of Action)، وربط بين الصدق وطريقة البحث .

فإذا أدركنا أن فكرةً ما تؤدي إلى النجاح وتحل مشكلات واقعية، فإن ذلك يُعد تسويغًا كافيًا للاعتقاد بصدقها.

هنا وبالله التوفيق يكون تمام الجزء الثاني نلتقي أخي القارئ في الجزء الثالث بإذن الله تعالى .

يحيى بن المبارك

طالب علم آثري مهتم بالشرق و الغرب في مختلف المباحث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole