المعرفةقضايا فلسفية

مدخل إلى الإتجاهات الإبستمولوجية الحديثة (التسويغ المعرفي) – الجزء الثالث

اسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين و الصلاة و السلام على خير من أرسل رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

نستطرد بإذن الله وتوفيقه في الجزء الثالث و الأخير من سلسلتنا ” مدخل إلى نظرية المعرفة الحديثة ” -وَاعْلَمْ أَخِي الْفَاضِل قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَحْثِ أَنَّ المُرادَ هُوَ الْإِجْمَالُ وَالْإِفْهَامُ عَلَى طَرِيقِ الْاخْتِصَارِ، فَالْمَقَالُ وَإِنْ قَلَّ لَفْظُهُ، فَإِنَّهُ عَظِيمُ الْقَدْرِ بِمَا حَوَاهُ مِنَ الْمَعَانِي الدَّقِيقَة الَّتِي يَضِيقُ عَنْهَا الْبَسْطُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَإِنْ أَحْبَبْتَ الْاِسْتِزَادَة فَلَعَلَّك تَخْتَارُ عُنْوَانًا بِذَاتِهِ وَتَبْحَثُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيل- ، أما بعد فاإليك توطئة في ما التسويغ:

توطئة

إعلم يرحمك الله أن هذا الشرط هو موطن الداء و المعضلة في هذه المباحث، إذ هو الأصل الذي تدور عليه رحى الإشكال، والمِفصل الذي يتشعب عنده طريق الصواب عن سبيل الزَّيْغ والاضطراب. فإنّ التسويغ — أعني به ما يُقيم به الناظر حجّةَ تصديقه أو تكذيبه — هو مناطُ المعرفة وميزانُ صدقها، وبدونه لا يُفرّق بين علمٍ مُحكمٍ وظنٍّ متداعٍ; ومنه فإن بيان هذا الشرط ضمن التعريف المعياري إِنْ قَصَدْتَ إيجاز العبارة قلت :

إذا كان الشخص (فلان) يعرف قضية معينة ولتكن ( قضية1) ، فإن (فلان) يكون مسوغا تسويغا كاملا في الاعتقاد ب ( قضية1);

يواجه هذا الشرط إشكالات وجب لكل منظر فيه أن يجيب عليها منها أن كل نظرية في التسويغ المعرفي لابد وأن تبين متى يكون الاعتقاد المعرفي مبررا ؟

فالكلام في الأسس المبررة للاعتقاد وماهو المعيار أو المعايير التي لابد منها حتى يكون هذا الأساس مبررا ؟

وكما جرت عادة الفلاسفة فإن لهم اختلافا في تقرير نظريات هذا الشرط ولا يخفى مدى الاضطراب بينهم في النَّزْعَاتْ فمنهم المثالي ومنهم التجريبي ومنهم الميتافيزيقي ولو حققنا فإننا نُحَصِّلُ بينهم النزاع في داخل النزعة الواحدة منهم المتشدد ومنهم المعتدل وما بين ذلك وهذا التحقيق في اختلافاتهم موجب لمزيد تفصيل و إطالة فيما لا مصلحة فيه فوجب تقديم الراجح على المرجوح والراجح أن تضمين هذه الإختلافات ضمن نظريات كبرى أليق بالبحث فهو المعتمد ولنا إذا بيان الأقسام وهي ثلاثة أساسية :

~ نظرية الأسس

~ نظرية الاتساق

~ النظرية الخارجية

نبحثها على نحوين إجمالي من جهة وتفصيلي من جهة وهذا تمام التوطئة.

أما وقد تمت توطئة البحث، فنبدأ في الفصل الأول:

الفصل الأول/ نظرية الأسس(Foundationalism):

تُعدّ هذه النظرية من أهم ما جرى تنظيره ضمن نظريات المعرفة، إذ تقرر أن جملة المعارف والتسويغ المعرفي تنتهي إلى أسس أولية هي المستند في تسويغ غيرها.

وترجع أصولها الأولى إلى أرسطو، غير أن ظهورها الحديث كان بيّنًا وواضحًا في كتابات فرانز برنتانو، وبرتراند رسل، وبعض فلاسفة الوضعية المنطقية ، لكن إن أردنا التماس عرضٍ متكاملٍ ودفاعٍ صريحٍ عن نظرية الأسس، فإن كتابات رودريك تشِزم (Roderick Chisholm) وكلارنس إرفينغ لويس (C. I. Lewis) هي الأجدر بالذكر، إذ طوّر لويس فكرة المُعطى الحسّي (the given)، ودافع عن النزعة التأسيسية القوية (Strong Foundationalism).

وقوام هذه النظرية يقوم على أصلين اثنين أو دعوتين رئيسيتين:

1. دعوى التسويغ الذاتي (Self-Justification):

والمقصود بها أنّ ثمة عبارات أو معتقدات تمتلك تسويغًا مستقلًا ذاتيًا، أي لا تستمد تبريرها من غيرها.

2. دعوى الاعتماد المعرفي (Epistemic Dependence):

ومعناها أن بعض المعتقدات التجريبية في نهاية المطاف تستمد جانبًا من تسويغها من عباراتٍ أو معتقداتٍ تكون مُسوَّغة ذاتيًا، أي تلك التي تتحقق فيها الدعوى الأولى

ومن هنا يتبيّن أن أصحاب هذا الاتجاه يقسمون المعتقدات إلى قسمين:

قسمٌ أول: ما يتوقف تسويغه على اعتقاداتٍ أخرى.

وقسمٌ ثانٍ: ما لا يتوقف تسويغه على غيره، بل هو ذاتيّ التسويغ.

وهذه الأخيرة هي الأسس المعرفية الأولى ، وهي — في اصطلاحهم — معتقدات معصومة لا يرقى إليها الشك، محرّكة لذاتها في البنية المعرفية، على حدّ تعبير رودريك تشِزم.

بعد هذا العرض، ننتقل إلى حجّة من أهم حجج القوم في الدفاع عن مذهبهم، وهي:

3. حُجّة التراجع المعرفي (The Regress Argument)

وتقريرها على النحو الآتي:

لو افترضنا أن لدينا اعتقادًا (أ)، وتسويغه قائم على اعتقادٍ آخر (ب)، وهذا بدوره على اعتقادٍ ثالث (ت)، وهكذا دواليك…

فها هنا أربعة احتمالات ممكنة:

1. أن يتوقف التسويغ عند اعتقادٍ معيّن توقفًا اعتباطيًا لا لميزةٍ راجحةٍ فيه — وهذا ضربٌ من التسليم لا من البرهان، فيُعدّ من المسلّمات لا من الضروريات.

2. أن يمتدّ التسويغ إلى غير نهاية، بحيث لا يبلغ سلسلةً منتهية من المعتقدات، أي تسويغ لا حدّ له.

3. أن يدور التسويغ على نفسه، أي أن يعود اعتقاد لاحق لتسويغ سابقه.

4. أن يتوقف التسويغ عند معتقداتٍ أساسيةٍ تجريبيةٍ لا تقبل التبرير من غيرها، بل تكون مُسوَّغة ذاتيًا.

ومتى ما تأملت هذه الأقسام جميعا فحقيقٌ بالعاقل أن يعلم أنه لا يستقيم الجواب إلا بالقسم الرابع وهذا هو ما يقرره التأسيسيون وينافحون عنه ولك أن تتبين بطلان باقي الأقسام بهذا البيان :

أما بطلان القسم الأول: فلأن محصّله ترجيحٌ بلا مرجّح، أي اختيارٌ اعتباطيّ، يقتضي أن تقوم المعرفة الإنسانية على أسسٍ تحكّميةٍ تعسفية، وهذا باطلٌ عقلًا ومنهجًا.

وأما بطلان القسم الثاني: فلأن العلم بتسويغ اعتقادٍ ما يتوقف على العلم بتسويغ ما قبله، وما لا نهاية له لا يمكن العلم به، إذ لا يُعلم تسويغ الاعتقادات السابقة لتناهيها. وإذا كان الأمر كذلك، استحال العلم بتسويغ أي اعتقادٍ أو معرفةٍ، ولزم من ذلك السقوط في النزعة الشكية المعرفية، وهو ما لا يُسلّم به أهل البرهان.

وأما بطلان القسم الثالث: فلأنه لو دار التسويغ على نفسه، لعاد الاعتقاد الأول مبرَّرًا بنفسه وبغيره معًا، فيكون مسوَّغًا وغير مسوَّغٍ في آنٍ واحد، وهو تناقضٌ محال.

فتعيّن إذًا القسم الرابع وهو أساس مذهب التأسيسية في إلزام خصومهم.

لا تخلو هذه الحجة من اعتراضات، أبرزها اعتراضات أصحاب نظرية الاتساق (Coherentism) ، وأكثر اعتراضاتهم معقوليةً أن يُنكر المعترض على التأسيسية الافتراض المسبق القائل بأن كل تسويغ خطيّ الاتجاه يسير من اعتقادٍ إلى آخر في تسلسل سببي.حيث يرى الاتساقيون أن التسويغ المعرفي ليس خطيًا بل شبكيًّا، فكل اعتقاد يُسوَّغ بحكم اتساقه مع بقية اعتقادات الشخص، أي بانتمائه إلى منظومة مترابطة من القضايا تشهد بعضها لبعض ومع ذلك فإن هذا الاعتراض — عند التحقيق — ضعيف، إذ لا يسلم من لوازم الدور الذي أُبطل في القسم الثالث من حجة التراجع المعرفي ;

تقسيمات نظرية الأسس

بعد تقرير هذا المطلب، يمكن تقسيم هذه النظرية باعتبارين رئيسين:

1. من حيث درجة التسويغ المعرفي للمعتقدات والقضايا الأساسية.

2. من حيث نوع الأسس المعرفية نفسها.

وبالاعتبار الأول ، تنقسم النظرية إلى ثلاثة أقسام :

1. النظرية القوية (Strong Foundationalism)

2. النظرية المعتدلة (Moderate Foundationalism)

3. النظرية الضعيفة (Weak Foundationalism)

نظرية الأسس القوية

يذهب أصحاب هذا القول إلى أن الاعتقادات الأساسية، وهي الأسس، ذاتُ وضعٍ ممتازٍ معرفيًا، بالإضافة إلى أنها معصومة معرفيًا؛ أي غير قابلة للشك ويقينية. ومن هنا يجوز لنا أن نقول إن هؤلاء القوم هم أصحاب النزعة الأسسية القوية.

وذلك لأنهم يرون أن مفهوم العصمة راجع إلى الاستحالة المنطقية، فمثلًا: إذا أخذنا القضية القائلة إن العدد خمسة أكبر من العدد أربعة، فإن نقيض هذه القضية مستحيل منطقيًا، لأن العدد أربعة دائمًا وفي كل الحالات أصغر من العدد خمسة. فاستحالة الانقلاب هنا استحالة منطقية، أي إنها قضية معصومة لا تقبل الخطأ. ومتى ما تم الشك فيها، فنحن على أبواب النزعة الشكية السوفسطائية.

وهذا المعنى هو ما يبينه ويفصله لرير (Laurer)، إذ يقرر أن أصحاب النزعة الأسسية المعصومة يرون أن بعض الاعتقادات تتضمن الصدق في ذاتها، فإذا كان قبولي لشيءٍ ما يضمن صدق ما أقبله، فأنا مُسوَّغ تسويغًا كاملًا في قبوله من أجل الحصول على الحقيقة وتفادي الخطأ ، أيضا من أشهر الفلاسفة القائلين بالنزعة الأسسية القوية نجد ديكارت (René Descartes) في كتاب التأملات (Meditations)، واليوس (Alois Riehl) في العقل ونظام العالم (The Mind and the System of the World)، وتشزم (Roderick Chisholm) في مقالته صورة من النزعة الأسسية (A Version of Foundationalism).

نظرية الأسس المعتدلة

نشأت هذه النظرية على أنقاض الأسس القوية، إذ لم تسلم تلك الأخيرة من سهام النقد ولا من محكّ الاعتراض. ومن أشهر ما وُجّه إليها من اعتراض ما قرّره أرمسترونغ (D. M. Armstrong)، إذ قال — في معنى كلامه —:

هبْ أن لدينا شخصًا يعتقد أن تفاحةً ما فوق طاولةٍ معينة، فليس هذا الاعتقاد هو نفسه الاعتقادَ القائلَ: “إنني أعتقد بوجود تفاحة فوق الطاولة”، فهاتان حالتان اعتقاديتان متغايرتان لا تلتقيان إلا في ظاهر الصورة، وتفترقان في باطن المعنى.

ومنه فإن الحالة الأولى لها مستند حسيٌّ بيّن، وسنرمز إليها بـ(ح₁)، وهي التي تُسوّغ القول بوجود تفاحة فوق الطاولة، أما الثانية فتُنتج حالة أخرى (ح₂)، وهي غير الأولى وإن بدت قريبةً منها. ومع أنّ الأولى مسوغةٌ بالحس، فبأي وجهٍ تُسوَّغ الثانية؟

من هذا الباب قرّر أصحاب هذا المذهب أن الاعتقادات الأساسية موجودة لا محالة، لكنها ليست المنتهى في التسويغ ولا الغاية في اليقين،فهم يرون أن هذه الاعتقادات معقولة وواضحة بذاتها، من غير أن يزعموا أنها تضمن صدقها أو أنها معفاة من التفنيد.

نظرية الأسس الضعيفة

وكالعادة، توالت الاعتراضات والنقوض على نظرية الأسس المعتدلة، فما كان من أنصار نظرية الأسس إلا أن لجؤوا إلى تصورٍ آخر أسموه نظرية الأسس الضعيفة.

خلاصة هذه النظرية أن الاعتقادات الأساسية وحدها لا تكفي للتسويغ، ولا يُعتمد عليها اعتمادًا تامًا، فهي عندهم ليست سوى مقدماتٍ أولية في نسق المعرفة، لا تنهض وحدها بحمل البناء المعرفي.

تبنى الدفاع عن هذا الإتجاه برتراند رَسِل (Bertrand Russell) في كتابه المعرفة الإنسانية (Human Knowledge)، ثم تبعه نيلسون غودمان (Nelson Goodman) ورودريك فيرث (Roderick Firth) في مقالتهما التمـاسك واليقين والخاصية المعرفية (Coherence, Certainty, and Epistemic Property).

غير أن المتأمل في هذه الرؤية لا يخفى عليه وجه الخلل فيها؛ فإن أصحاب النزعة الضعيفة لا يسوغ لهم الاستدلال بحجة التراجع المعرفي، إذ محصّل تلك الحجة أن الأسس كافية في التسويغ، بينما هم لا يرون بكفايتها ،فبطل الدليل على أصلهم.

التقسيم باعتبار الداخلانية والخارجانية

لسنا في هذا المقام بصدد الإطناب، غير أننا نبتغي أن نجلو وجه المعنى ونرفع الحجاب عن سرّه بأوجز لفظٍ وأبين عبارة، فإليك خلاصة القول في هذين القسمين:

أولًا: الداخلانية الأسسية

يرى أصحاب النزعة الداخلانية أن حصول المرء على تسويغٍ لاعتقاده بقضيةٍ ما، يقتضي وجود شيءٍ داخلي أو على الأقل متاحٍ للاستبطان أو الدراية، يتعلّق بصدق تلك القضية أو بتسويغها، ثم يذهب بعض ذوي نزعة النفاذ الداخلاني إلى أن كل ما يُحدّد التسويغ يجب أن يكون مُتاحًا للذات إدراكًا واستبطانًا، كما يظهر في شرط الاتساق مع الصدق. غير أن هذا الموقف القوي قلّ أن يعتنقه أحد من الداخلانيين.

وتتباين نظريات التأسيس الداخلاني باختلاف نوع النفاذ المطلوب: أهو اعتقاد صادق؟ أم اعتقاد مسوَّغ؟ أم دراية أو اتصال مباشر؟ وكذلك بحسب ما يجب النفاذ إليه لأجل التسويغ. ومن هنا ظهرت درجات في النفاذ، أقواها وأضعفها، حتى غدا المشهد الإبستمولوجي بالغ التعقيد.

غير أنّه ينبغي التنبيه إلى أن أصحاب هذا المذهب واقعون في الدور المحال؛ وليس هذا موضع تفصيل ذلك، فسنفرده ببحثٍ آخر إن شاء الله.

ثانيًا: الخارجانية الأسسية

يرى أصحاب النزعة الخارجانية أنه يمكن للمرء أن يصل إلى اعتقادٍ مسوَّغٍ بقضيةٍ ما (قضية 1) استنتاجًا من قضيةٍ أخرى (قضية 2)، من غير أن يعي طبيعة العلاقة الدليلية بينهما. فوجود علاقةٍ دليليةٍ صحيحة بين (قضية 1) و(قضية 2) قد يكون أمرًا خارجًا عن عقل المرء، لا يبلغه إدراكه ولا ينفذ إليه وعيه.

كما يرفض الخارجانيون المبدأ المقابل للتسويغ غير الاستدلالي، الذي يقتضي وعيًا ذاتيًا بالعلاقة بين المدخل الحسي والاعتقاد الناتج عنه؛ فهم يقرّون بأن المرء قد يحصل على اعتقادٍ مسوَّغٍ بناءً على مدخلاتٍ حسيةٍ أو معرفيةٍ مستقلة، دون أن يعي نوع العلاقة التي تربط بينهما ، ويميل المحافظون الظاهراتيون والوثوقيون إلى الاتفاق مع الخارجانيين النموذجيين في رفض شرط الوعي بالعلاقة الدليلية بين القاعدة المعرفية والاعتقاد، وإن خالفوهم في أن الشروط الخارجية كالموثوقية ليست لازمة للتسويغ.

رغم اختلاف الخارجانيين عن التأسيسيين الكلاسيكيين في الجوهر، فإن بنية المعرفة والتسويغ التي تؤول إليها نظرياتهم تبقى – في الغالب – ذات هيكل تأسيسي ، ويتجلّى هذا في طرحٍ تبنّاه أحد أبرز الخارجانيين، وهو ألفن جولدمان (Alvin Goldman)، الذي قرّر أن الاعتقادات المسوغة هي تلك التي أُنتجت على نحوٍ موثوق.

فالاعتقادات الموثوقة هي التي تنبثق عن عمليات معرفية موثوقة، والعملية الموثوقة هي التي تنتج عادةً اعتقاداتٍ صادقة، أو تكون غالبًا صادقة إذا تكرّر إنتاجها بما يكفي. وهذه العمليات هي الأسس والمعتمد الذي تُبنى عليه سائر الاعتقادات الأخرى.

الفصل الثاني / نظرية الاتساق (Coherentism):

يؤكد أنصار نظرية الاتساق أن جميع الاعتقادات يتم تسويغها من خلال علاقتها باعتقادات أخرى، وهذه الاعتقادات الأخرى بدورها تُسوَّغ عبر علاقتها باعتقادات أخرى، وهكذا دواليك. فالتأييد متبادل بين الاعتقادات المنتمية إلى النسق نفسه. وهذا بخلاف نظرية الأسس التي تثبت العلاقات التسويغية على نحوٍ خطيٍّ ينتهي إلى أسس تكون هي المسوِّغة لما يليها من الاعتقادات.

تتضح هذه الفكرة بجلاء عند دونالد ديفيدسون حين يقول: إن ما يميز نظرية الاتساق هو ببساطة الزعم القائل إن لا شيء يُعَد سببًا للتمسك باعتقادٍ ما إلا اعتقادًا آخر. ويرى أنصار هذه النظرية أن البحث عن أساس أو مصدرٍ للتسويغ من نوعٍ آخر إنما هو بحثٌ غير معقول.

يمكن التمييز بين نظرية الأسس ونظرية الاتساق على النحو الآتي:

نظرية الأسس تقرر أن تأييد أحد الاعتقادات لغيره يكون في اتجاهٍ أحادي (Linear Justification)، بمعنى أن الاعتقاد الأساسي يسوغ ما يليه، لا العكس. أما نظرية الاتساق فتنظر إلى التسويغ بوصفه علاقةً تبادلية (Reciprocal Relation) بين الاعتقادات المنتمية إلى النسق ذاته، فيكون الاعتقاد مسوَّغًا إذا كان جزءًا من مجموعةٍ متسقةٍ من الاعتقادات (Coherent Set of Beliefs)، كما أنه يسوِّغ بعضًا منها وهي تسوغه ببعضها.

ولا شك أن لأصحاب هذا القول دوافعَ فلسفيةً قوية دفعتهم إلى تبنيه. ومن أبلغ ما قيل في هذا السياق ما عُرف في الأدبيات الفلسفية بـ مركب نيورات (Neurath’s Boat)، إذ يقول نيورات :

نحن نشبه البحّارة الذين لا بدّ لهم من أن يجددوا بنيان مركبهم في عرض البحر، ولن يكون في مقدورهم أبدًا أن ينقلوه إلى حوضٍ جافٍ لإعادة بنائه من جديد بمواد أفضل، فهم يجدّدون ويجدّدون وهم في عرض البحر.

هذه النزعة قريبة أشد القرب من فلسفة العلم (Philosophy of Science)، إذ يواجه الفيلسوف والعالم المشكلة نفسها. فقد قال كواين (W.V.O. Quine) مشيرًا إلى ذلك: لقد شبَّه نيورات العلم بالمركب الذي ينبغي أن نبدّل ألواحه واحدًا تلو الآخر ونحن ما نزال عائمين عليه؛ والعالم والفيلسوف في المركب نفسه.

ومن هذا يمكن أن نخلص إلى نتيجةٍ مفادها أن الإنسان يملك نسقًا من الاعتقادات (Cognitive System)، ومع مرور الزمن وتطوّر المعارف وتغيّر العلوم يحتاج إلى تعديل هذا النسق بإضافة اعتقادات جديدة واستبعاد ما بلي وتقادم عهده. غير أنه لا يستطيع أن يتخلى عن نسقه جملةً واحدةً ليبني نسقًا جديدًا من الصفر، إذ سيكون حينها كمَن فقد ذاكرته تمامًا (Amnesia Analogy).

إذا تمّ لك فهم ما سبق، فلابد و أن نقرر هذه النظرية على النحو الآتي:

يكون الإنسان مسوَّغًا تسويغًا كاملًا في اعتقاده بقضيةٍ ما إذا كان هذا الاعتقاد متسقًا مع سائر الاعتقادات الأخرى داخل نسقه المعرفي الشخصي (Personal Epistemic System).

يُفهم من ذلك أن نظرية الاتساق تقرر ضرورة التناسق المعرفي بين الاعتقادات ضمن نسقٍ معين. بناءً على هذا، فإن الاتساق له مفهومان عند أصحاب هذا المذهب :

1. الاتساق اللزومي (Necessitarian Coherenc): وهو ما يعني اللزوم المنطقي والارتباط الضروري بين الاعتقادات. ومن أبرز القائلين به الفيلسوف الأمريكي براند بلانشارد (Brand Blanshard)، الذي يرى أنه في نسقٍ متسقٍ تمام الاتساق لا توجد قضية تحكّمية أو تعسفية ، بل كل قضاياه تلزم عن بعضها بعضًا. فالاعتقاد بقضيةٍ ما يتماسك مع الاعتقادات الأخرى في النسق المعرفي، ويكون لدى المرء تسويغٌ معرفيٌّ إذا كانت تلك القضية تستلزم بالضرورة كل اعتقادٍ آخر في النسق أو تلزم عنه. وهذا ما يُعبَّر عنه بـ الاتساق اللزومي.

إِعْتُرِضَ على هذا النوع من الاتساق بنوع آخر هو:

2. الاتساق التفسيري (Explanatory Coherence): وهو ما قرره ويلفرد سيلارز ، وسعى غيلبرت هارمان (Gilbert Harman) إلى إيضاح أن عملية تسويغ الاعتقادات تعتمد على الطريقة التي تنسجم بها ضمن تفسيرٍ شاملٍ للواقع (Comprehensive Explanation of Reality).

وكما هو شأن معظم النظريات، فقد انقسمت نظرية الاتساق (Coherentism) إلى أنواعٍ بحسب المَقْسَم (Classification):

نظريات الاتساق القوية (Strong Coherentism)/ ونظريات الاتساق الضعيفة (Weak Coherentism):

الضعيفة تقرر أن اتساق الاعتقاد مع نسق الاعتقادات هو أحد العوامل المحددة للتسويغ، وليس العامل الوحيد. أما القوية فتحصر التسويغ في هذا الاتساق نفسه، وترى أن التسويغ لا يقوم إلا على مدى انسجام الاعتقاد مع نسقٍ من الاعتقادات الأخرى، ولا شيء غير ذلك.

هناك أيضًا تمييز آخر بين نظريات الاتساق الإيجابية (Positive Coherentism) ونظريات الاتساق السلبية (Negative Coherentism)، ذكره جون بولوك (John Pollock) في كتابه النظريات المعاصرة في المعرفة .والتزامًا منا بشرط الإيجاز، لا حاجة لتفصيل هذا التقسيم هنا.

الفصل الثالث /النظرية الخارجانية (Externalism ):

قد سبق وسقنا الكلام عن هاته النظرية أعلاه وفي ما يلي نبسط الكلام فيها بما يفي بغرض المقال فنبدأ ;

على إثر الخلاف الذي حصل بين أنصار نظرية الأسس (Foundationalism) ونظرية الاتساق (Coherentism)، ظهر نوع ثالث من النظريات يُعرف بـ النظرية الخارجية (Externalism) أو الخارجانية. وهذه النظرية تقرر أن المعرفة لا تتوقف على العلم بأسسها، ولا على إدراك العلاقة الاتساقية بين اعتقاداتنا، وإنما يكفي وجود صلة صحيحة وملائمة بين الاعتقاد والواقع لتتحقق المعرفة الصحيحة والدقيقة (justified true belief).

ومن أوائل من تناولوا هذه النظرية Alvin Goldman، الذي يعد من أبرز أنصارها وفلاسفتها، وقد شدد على أن العلاقة الصحيحة المطلوبة هي علاقة سببية (causal relation) بين الأحداث الخارجية والاعتقادات. فإن اعتقادًا ما لا يكون معرفيًا مبررًا إلا إذا كانت هناك واقعة خارجية تؤثر سببياً في تكوينه. وبهذا يظهر الفرق الجوهري بين الداخلانية والخارجانية، فالداخلانية تشترط العلم بالأسس، بينما الخارجانية تكفيها العلاقة الصحيحة بين الاعتقاد والواقع حتى ولو لم يكن صاحب الاعتقاد مدركًا لها.أيد Fred Dretske هذا التوجه في مقاله “Conclusive Reasons”، مؤكدًا أن المصادر الموثوقة لتكوين الاعتقاد (reliable sources of belief formation) هي التي تمنح الاعتقاد قوته المعرفية، لا إدراك الفرد لكيفية حصوله على ذلك الاعتقاد.

بناءً على هذا التحليل، فإن التسويغ المعرفي (epistemic justification) عند الخارجانية هو سببي بطبيعته (causal externalism). فالمعرفة تنتج عن صلة سببية بين المدخلات الحسية (sensory inputs) والعمليات العقلية (cognitive processes)، ولا تتوقف على تصورنا لكيفية ارتباطنا بالواقع، بل على كوننا مرتبطين به بالفعل. فالمعرفية تعتمد على الأداء الطبيعي للعقل والحواس (natural functioning of cognitive faculties)، سواء أدرك الفرد ذلك الأداء أم لم يدركه.

يبينه : الشخص إذا رأى شجرة أمامه، لا يحتاج إلى تحليل منطقي ولا إلى استحضار الأسباب ليثبت وجودها، بل العملية الإدراكية نفسها، إذا كانت سليمة وموثوقة، تمنحه المعرفة مباشرة.

وإعلم أخي القارئ أن من أخص خصائص النظرية الخارجية أن المعرفة قد تكون تلقائية (automatic knowledge)، تتحقق بمجرد العملية الإدراكية، دون الحاجة لاستحضار الأدلة أو البراهين. وهذا ما يربط النظرية بمذهب الفن جولدمان “مذهب الاعتمادية” (Reliabilism)، الذي يرى أن الاعتقاد مبرر معرفيًا إذا نشأ عبر عملية معرفية موثوقة (reliable cognitive process) ، وتنقسم نزعات هذا التوجه الإبستيمي بإختلاف الإعتبارات ولعلك إذا بحثت تجد الخارجانية السببية (Causal Externalism)ثم الخارجانية الاعتمادية (Reliabilism) لالفن جولدمان ، و الخارجانية التأسيسية (Foundationalist Externalism) وتجد أيضا الخارجانية السياقية (Contextualist Externalism);

وفي سياق هذا الجدل نخص بالذكر تقريرات شيخ الإسلام الموافقة لهذا المذهب المعرفي ، يقول رحمه الله تعالى:

“وكثيرا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر بها غيره فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها ومع هذا فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم، وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إذا تصوره، فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء، والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر وكثيرا ما يتفقان كما يفترقان.” ~ شرح العقيدة الأصبهانية

ويقول رحمه الله في موضع آخر : كثير من العلوم تكون ضرورة فطرية فإذا طلب المستدل ان يستدل عليها خفيت ووقع فيها شك إما لما في ذلك من تطويل المقدمات وإما لما في ذلك من خفائها وإما لما في ذلك من كلا الامرين والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك إما لعجزه عن تصوره واما لعجزه عن التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الانسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وان أمكن نظم الدليل وفهمه فقد يحصل العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات فكثير من الامور المعروفة إذا حدّت بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد ~ درء تعارض العقل والنقل ~

وَلَعَلَّكَ إِذَا تَسْتَيْقِنُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ أَنَّنَا لَا نُخَالِفُ هَذَا الْمَذْهَبَ الْأَخِيرَ وَإِنَّمَا نَسْتَفْصِلُ فِيهِ، فَهُوَ مُنْتَخَبُ الْآرَاءِ وَمُنْتَهَى الْتَّحْقِيقَاتِ وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ وَالْأَصْحَابِ بِهِ يَتِمُّ الْكَلَامُ كَمَا بَدَأَ، مُؤَتَلِف الْأَطْرَافِ، مُتَّسِق الْمَعْنَى، لَا يُمَلُّ مِنْ طُولِهِ، وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ قِصَرِهِ، فَحَسْبُ الْقَلَمِ أَنْ صَدَعَ بِالْحَقِّ، وَحَسْبُ الْمَعْنَى أَنَّهُ بَلَغَ مَأْمَنَهُ، هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَعَلَيْهِ الْاعْتِمَادُ، وَإِلَيْهِ الْمَنْتَهَى وَالْمَآبُ.

يحيى بن المبارك

طالب علم آثري مهتم بالشرق و الغرب في مختلف المباحث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole