مقدمة
الحمد لله الذي جعل من آياته أن خلق للإنسان من نفسه زوجًا ليسكن إليها، وجعل بينهما مودةً ورحمةً، والصلاة والسلام على محمدٍ القائل ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ»، وعلى آله وصحبه ومن اقتدى بهديه إلى يوم الدين. أمّا بعد:
فإنّ النظر في شؤون الأسرة، وإصلاح ذات البين بين الزوجين، مما عنيت به الملل قاطبةً، إذ هو من أعمدة العمران، وأصول النظام الإنساني. غير أنّ الغرب الحديث، لما نزع عن الدين سلطان التفسير، وردَّ كلَّ معنىٍ إلى الحسّ والتجربة، جعل البحث التجريبي – لا الوحيَ – إمامَ الإصلاح، وحوّل الميثاق الزوجيَّ من عبادةٍ إلى معادلةٍ، ومن عهدٍ إلى تفاعلٍ نفسانيٍّ، ومن ميدان تزكيةٍ إلى ميدان ضبطٍ عصبيٍّ وسلوكيٍّ.
ومن أبرز ما أنشأ الغرب في هذا السبيل ما يُسمّى اليوم بـ العلاج الزواجيّ Marital Therapy، وهو فرعٌ من فروع علم النفس التطبيقيّ، غايته معالجة المشكلات بين الزوجين، بتحليل أنماط التواصل والانفعال والسلوك. وقد تنوّعت مدارسه ومناهجه، حتى كان من أشهرها في العقود الأخيرة النموذج الغوتمانيّ، الذي وضعه الباحث الأمريكي جون مردخاي غوتمان John Mordechai Gottman.
منزلة نموذج غوتمان في الغرب
غوتمان – وهو أستاذٌ لعلم النفس في جامعة واشنطن – قد أمضى أربعة عقودٍ يراقب فيها حياة الأزواج في ما سمّاه مختبر الحبّ (The Love Lab)، حيثُ جمع أزواجًا في بيئةٍ مراقَبةٍ، وسجّل تفاعلاتهم الانفعالية واللفظية، وراقب معدّل النبض ونبرة الصوت ولغة الجسد، ثمّ استخرج من ذلك أنماطًا متكرّرةً لما يراه مؤشراتٍ على استقرار العلاقة أو انهيارها.
ثمّ بنى على تلك النتائج ما صار يُعرف بـ منهج غوتمان للعلاقات الزوجية (The Gottman Method for Couples Therapy)، القائم على ما سمّاه منظومة الصداقة الزوجية (Marital Friendship System)، وإدارة الصراع (Conflict Management)، وإصلاح التفاعل الانفعاليّ. وقد صار هذا المنهج مرجعًا رئيسًا لمعظم المراكز الاستشارية في أمريكا الشمالية وأوروبا، بل أُنشئت له معاهد متخصّصة لتدريب المعالجين، ومنه خرجت عشرات البرامج المعاصرة في «تطوير الحياة الزوجية» المنتشرة في العالم.
ولمّا كان العالم الإسلاميّ في العقود الأخيرة قد انفتح على العلوم النفسية والاجتماعية الوافدة، من غير تمحيصٍ فلسفيٍّ لأصولها، انتقلت هذه النظريات الغربية إلى بيئتنا من باب التنمية الأسرية والإرشاد الأسري، فصارت تُترجم برامجُ غوتمان إلى العربية، وتُدرَّس في دوراتٍ بعنوان «مهارات التواصل بين الزوجين»، و«العلاقة الصحية»، و«إدارة الخلاف»، ونحو ذلك.
وهكذا تلقّى كثيرٌ من المستشارين والمسؤولين عن برامج الأسرة تلك المفاهيم المولودة في رحم الثقافة الليبرالية الحديثة، دون فحصٍ لمبادئها الأولى، ولا نظرٍ في مدى توافقها مع الفطرة التي أقام الله عليها نظام الأسرة في الإسلام. بل تجاوز الأمر الترجمة إلى الدعوة، فصارت تلك الرؤى تُقدَّم للعامة على أنّها «العلم الحديث» في إصلاح البيوت، مع أنّها قائمةٌ على فلسفةٍ إنسانويةٍ.
ويُقدّم غوتمان نفسه على أنه عالمٌ تجريبيٌّ محايد، يستخلص قوانين العلاقة الزوجية من الرصد والإحصاء، غير أنّ هذا الادعاء يخفي وراءه رؤيةً فلسفيةً كاملةً للإنسان والعلاقة. فهو لا يتعامل مع الزواج كميثاقٍ دينيٍّ، ولا كأمانةٍ وجوديةٍ بين نفسين، وإنما كـ«نظامٍ للتكيّف» يهدف إلى تلبية حاجات الانتماء والأمان العاطفيّ.
فهو يبني نظريته على ما يسمّيه النموذج النفسيّ الوظيفيّ (Functional Psychological Model)، الذي يرى الإنسان جهازاً منفعلاً قابلاً للضبط إذا عُرفت معادلات توازنه الداخليّ. فـ«الصحة الزوجية» عنده هي الاستقرار العاطفيّ، لا الوفاء بالميثاق، و«النجاح» هو تنظيم الانفعال، لا التقوى. فالسلوك يُقاس بما يحقّقه من توازنٍ نفسيٍّ، لا بما يوافق من أمر الله أو ينافيه.
وهكذا، يخرج الزواج في المنظور الغوتمانيّ من دائرة التكليف إلى دائرة الوظيفة، ومن ساحة الإيمان إلى ساحة الأعصاب. وهذا أصل الانحراف في النظرية، إذ إنها تُفرّغ العلاقة الزوجية من معناها الغائيّ، وتجعلها ضربًا من الموازنة بين حاجتين، لا مقامًا لتزكيةٍ وعبوديةٍ.
ولما كان هذا المنهج – بما له من شهرةٍ وسطوةٍ علميةٍ وإعلاميةٍ – قد صار يُقدَّم للمجتمعات الإسلامية بوصفه علماً محايداً، فقد وجب على الباحث المسلم أن يميّز بين ما فيه من فائدةٍ تجريبيةٍ جزئيةٍ، وبين ما يحمله من تصورٍ فلسفيٍّ دخيلٍ، يخالف أصول النظرة القرآنية إلى الإنسان والزوجية والأخلاق.
فالواجب هو تحرير المفاهيم قبل تبنّي الأساليب، وتطهير المنهج من شوائب الرؤية العلمانية، ثمّ إقامة البديل الإسلاميّ على أسس التوحيد والتكليف والمقاصد الشرعية، ليكون علم النفس الزواجيّ علمًا يُصلح ما بين الإنسان وربّه، قبل أن يُصلح ما بينه وبين زوجه.
الأصول الفلسفية للنموذج الغوتمانيّ
إنّ كلّ علمٍ يتناول الإنسان، لا بدّ أن يكون مؤسَّسًا على رؤيةٍ في ماهيته: أهو عبدٌ لله مكلّفٌ، أم كائنٌ نفسانيٌّ تحكمه انفعالاته وحاجاته؟ فإنّ الجواب عن هذا السؤال الأول هو الذي يحدّد مسار العلم ومآله. فمن لم يُحسن تعريف الإنسان، أخطأ في تعريف السعادة، وهكذا.
وليس علم النفس الحديث – في الغرب – إلا ثمرةً من ثمار الفلسفة الإنسانوية الليبرالية التي نشأت على أنقاض اللاهوت الكنسيّ، إذ أعلنت استقلال الإنسان عن الغيب، وجعلت العقل مصدر القيمة، والتجربة مِعيار الصواب، والحرية الفردية أسمى ما يُطلب.
ومن رحم هذه الفلسفة خرجت مدارس علم النفس كلّها: من السلوكية إلى التحليلية إلى الإنسانية، وكلّها وإن اختلفت في الوسائل، فإنها متفقةٌ في أصلٍ واحدٍ، هو علمنة الفطرة، أي فصل الطبيعة الإنسانية عن معناها الغائيّ الإلهيّ.
النموذج الغوتمانيّ إنما هو امتدادٌ طبيعيٌّ لمدرسةٍ غربيةٍ تُعرف بـ«الإنسانوية الليبرالية» (Liberal Humanism)، التي ظهرت في القرن العشرين على يد ماسلو وروجرز وغيرهما، إذ جعلت «تحقيق الذات» (Self-Actualization) غايةَ الوجود.
ففي ضوء هذه الرؤية يُفهم الزواج عند غوتمان، لا بوصفه ميثاقًا إلهيا بين نفسين متعاهدتين على الوفاء، بل تجربةً لتكامل الذات وتحقيق الراحة الانفعالية.
وأمّا النزعة النسوية التي سرت في نسيج النظرية الغوتمانية، فهي أوضح من أن تُستتر؛ وإن لم يُصرّح غوتمان بانتمائه إليها، فإنّ بناءه المعرفيّ مشبعٌ بمبادئها.
فالنسوية الليبرالية – منذ سبعينيات القرن العشرين – أعادت تفسير كلّ علاقةٍ إنسانيةٍ في ضوء مفهوم السلطة (Power). فالمجتمع في نظرها شبكةٌ من علاقات الهيمنة، والذكورة فيه مركز سلطةٍ ينبغي تفكيكه. وحين تسللت هذه الرؤية إلى علم النفس الأسريّ، صار الزواج عندهم «مجالًا تفاوضيًّا» بين إرادتين متكافئتين.
وغوتمان إذ يتحدث عن shared power وgender equity، فهو يترجم في لغة النفس ما قالته الحركات النسوية في لغة السياسة: أن السلام الأسريّ لا يقوم إلا بزوال ما يسمّونه «الهيمنة الأبوية» Patriarchal Dominance. ولذلك إذا رأى الرجل يقود الحوار أو يبادر بالقرار، عدّه «تحكمًا» أو «محاولة سيطرةٍ»، وإن رأى المرأة تبدي استقلالًا في الانفعال، عدّها «صحيةً نفسيًا» و«متحررةً من الخضوع البنيويّ».
وقد قال سبحانه: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا» [النساء: 34]. فهذا توزيع إلهي للوظائف، بين طائع ومطاع، على مقتضى الفطرة والتكليف.
أما عند غوتمان، فكلّ تفاضلٍ في الدور يُعدّ خللًا في «توازن السلطة العاطفية» (Emotional Power Balance). فاختلط عليه التفاوت بالتسلّط، والقيادة بالقهر، والإيثار بالخضوع.
ومن ركائز هذا البناء الغربيّ أنّ الأخلاق ليست أوامرَ إلهيةً، بل مهاراتٌ تواصليّةٌ لضمان بقاء العلاقة. فالخير ما يُريح، لا ما يُرضي الله، والصواب ما يُحافظ على الانسجام، لا ما يُوافق الحقيقة. وهكذا تتحول الفضيلة إلى وظيفةٍ، والرحمة إلى تهدئةٍ عصبيةٍ، والمودة إلى توازنٍ كيميائيٍّ بين الأعصاب.
وهذا أصل ما يمكن أن نسميه بـ النفعية النفسية، وهي امتدادٌ للنفعية الأخلاقية عند بنتام ومِل، غير أنها نقلت ميزان النفع من اللذة الجسدية إلى الراحة النفسية. فالإنسان عندهم لا يُسأل عمّا يُرضي الله، بل عمّا يُرضي جهازه العصبيّ.
وهكذا يتبدّى أنّ المنهج الغوتمانيّ – وإن تزيّا بزيّ العلم التجريبيّ – إنما هو بناءٌ فلسفيٌّ خالصٌ، متشربٌ بروح الإنسانوية الليبرالية، محكومٌ بموازين النسوية المعاصرة، مفرغٌ من المعنى الغائيّ والدينيّ.
نقد أصول نموذج غوتمان
إنّ غوتمان – في منهجه العلاجيّ – لم يضع فلسفةً أخلاقيةً صريحةً، بل بنى تصوّره على ما يراه قوانينَ نفسيةً عامّةً مستمدةً من المشاهدة والتجريب. غير أنّ هذه القوانين لا تخلو من افتراضاتٍ مضمَرةٍ، إذ هو ينظر إلى الإنسان لا كروحٍ مكلَّفةٍ، بل كمنظومةٍ عصبيةٍ قابلةٍ للضبط. فالخير عنده انتظام الوظائف الانفعالية، والشرّ اضطرابها، والسعادة توازنٌ بين المؤثرات، لا طاعةٌ للأوامر الإلهية.
وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته بـ النموذج النفسيّ الوظيفيّ (Functional Psychological Model)، الذي يردّ الإنسان إلى مجموعة تفاعلاتٍ انفعاليةٍ متبادلةٍ بين الدماغ والجسد والسلوك.
ومن هنا، فإنّ نظرية غوتمان – وإن بدت «علميةً» – إنما تنتمي في حقيقتها إلى المدرسة السلوكية (Behaviorism) في صورتها المعدَّلة، التي جرّدت الإنسان من المعنى، وألغت الغيب، وقصرت النظر على الظاهر المشهود.
يرى غوتمان أنّ فهم العلاقة الزوجية رهينٌ بفهم توازن الجهاز العصبيّ عند الزوجين؛ فإذا اضطرب الانفعال ارتفع احتمال الانفصال، وإذا استقرّ الانفعال أمِنَت العلاقة. ومن ثمّ بنى أدواته التحليلية على مراقبة مؤشرات الجسد: سرعة النبض، وتعبير الوجه، ونبرة الصوت، وحركة الجسد.
وهذا التفسير – وإن كان مفيدًا في معرفة مظاهر الاضطراب – إلا أنه قاصرٌ عن إدراك جوهر الإنسان، إذ جعل العاطفة مجرّد استجابةٍ فيزيولوجيةٍ، كأنّ الغضب ارتفاعُ نبضٍ، والرضا انخفاضُه، والسكينة انبساطُ عضلةٍ في الوجه.
وغفل عن أنّ العاطفة الإنسانية مركبةٌ من إدراكٍ وتقييمٍ وغايةٍ، فهي فعلُ عقلٍ وإرادةٍ، لا مجرّد حركةِ عصبٍ وهرمون.
وإنّ من أبرز مواطن الخطأ في نظرية غوتمان أنّه جعل من أنماط التواصل والانفعال معيارًا أخلاقيًّا، فقسّم الأزواج إلى «ناجحين» و«فاشلين» بحسب نسبة التفاعل الإيجابيّ إلى السلبيّ، زاعمًا أنّ ارتفاع السلبية دليلُ خطرٍ على بقاء الزواج.
غير أنّ هذا التفسير يغفل أنّ الصراع بين الزوجين قد يكون نابعًا من غيرةٍ مشروعةٍ، أو حميةٍ على الحقّ، أو نصيحةٍ لله، فكيف يُجعل مِعيارُ التقوى مِعيارَ أعصاب؟
فالزوج الذي يرفع صوته في لحظة غيرةٍ صادقةٍ ليس كالمتهوّر العدوانيّ، والزوجة التي تبكي من خشية الله ليست كمن تبكي من خوف الوحدة، ولكنّ منهج غوتمان لا يفرّق بين هذا وذاك؛ لأنّ المعنى عنده غائبٌ، والقيمة معدومة، والمقصد الإلهيّ مغفولٌ عنه.
وهذا الخلط هو ثمرة إنكار بعد النيات في الفعل الإنسانيّ، إذ لا يرى إلا المظهر، ولا يزن إلا الأثر النفسيّ اللحظيّ، مع أنّ الإسلام يجعل النية أصلَ كلّ عملٍ، كما قال ﷺ: «إنّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى».
فالنية هي التي تحوّل الغضب إلى غيرةٍ لله، والبذل إلى عبادةٍ، والصبر إلى أجرٍ، والسكوت إلى حلمٍ، ومن أغفلها فقد جهل روح السلوك الإنسانيّ.
هذا والنموذج الغوتمانيّ لا يعترف بغايةٍ أخلاقيةٍ وراء العلاقة الزوجية، بل يجعل غايتها «الاستقرار» و«الرضا العاطفيّ»، كما يجعل غاية الإنسان «تحقيق الذات». وهذا المنحى هو بعينه ميراث المدرسة النفعية التي تقيس كلّ شيءٍ بالنتيجة.
فالخير عنده ما يُنتج توازنًا عاطفيًّا، لا ما يُرضي الله؛ والشرّ ما يُحدث اضطرابًا، لا ما يُسخط الربّ. ولهذا يغيب عن نموذجه معنى الابتلاء، ومعنى الثواب والعقاب، ومعنى الوفاء بالعهد، وهي الأركان التي يقوم عليها ميزان الأخلاق في الدين.
وقد قال الله تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [الملك: 2].
ويزعم غوتمان أنّه قادرٌ على التنبؤ بانهيار الزواج بنسبةٍ تفوق التسعين بالمئة خلال خمس سنوات، بناءً على تحليل جلسةٍ حواريةٍ واحدةٍ بين الزوجين. وهذا الادعاء – وإن راق للصحافة العلمية – لا يَصمد أمام النقد المنهجيّ.
فالديمومة الزوجية ليست نتيجة معادلةٍ انفعاليةٍ، بل ثمرةُ تاريخٍ مشتركٍ، ونيةٍ متجددةٍ، وعقيدةٍ جامعةٍ. كم من زوجين تضطرب بينهما المشاعر ساعةً ثم تعود الصفاءُ بعد التوبة، وكم من بيتٍ يشتدّ فيه الجدالُ ظاهراً، وهو متينُ العهدِ باطناً. فكيف يُنبّأ بمصير بيتٍ من نبرةٍ أو وجهٍ؟!
بل قد أظهرت أبحاثٌ لاحقة – حتى في الغرب – مثل ما كتبه كريستنسن وجاكوبسن (2010) أنّ الزواج المستقرّ قد يشتمل على تفاعلاتٍ سلبيةٍ متكرّرةٍ إذا كانت ثَمّ منظومةٌ قيميةٌ عميقةٌ تربط الطرفين، وأنّ الصراع ليس دومًا علامةَ تفكّكٍ، بل قد يكون وسيلةَ تجديدٍ عاطفيٍّ.
وكذلك أشار سنايدر وباوكم (2009) إلى أنّ العوامل الإدراكية – كالتأويل الأخلاقيّ للسلوك – أهمّ في دوام الزواج من العوامل الفسيولوجية التي ركّز عليها غوتمان.
ثمّ إنّ قوله بدقةٍ تتجاوز التسعين في المئة في التنبؤ بانهيار الزواج خلال خمس سنواتٍ دعوى لا يسندها منطق الإحصاء، لأنّ الارتباط لا يقتضي السببيّة، فقد يكون السلوك الانفعاليّ أثرًا لعاملٍ ثالثٍ خفيٍّ، كالإرهاق أو المرض أو اختلاف المقاصد القيمية، وهذه كلها متغيراتٌ مُهمَلة Hidden Variables لم تدخل في حسابه. فالذي رآه من تلازمٍ بين شدة الانفعال وانفصام العلاقة ليس إلا تماثلًا إحصائيًّا زائفًا Spurious Correlation، لا قانونًا سببيًّا عامًا.
فثبت بذلك أنّ النموذج الغوتمانيّ توصيفٌ لحظةٍ لا قانونُ حياة، وأنّ التنبؤ به أقرب إلى الحدس الإحصائيّ منه إلى العلم التجريبيّ الدقيق.
و
اعلم أن الإنسان في ميزان الوحي عبدٌ مكلَّفٌ، جعل الله فطرته موصولةً بالسماء كما هي مشدودةٌ إلى الأرض. فهو ليس جهازًا انفعاليًّا ولا كتلة أعصاب، بل خليفةٌ في الأرض، يحمل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال.
قال تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ» [الأحزاب: 72].
ومن ثمّ، فصلاحه لا يكون بضبط انفعاله فحسب، بل بتزكية روحه وتهذيب قلبه، قال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا» [الشمس: 9–10]. فغاية العلاج النفسي في الإسلام ليس التوازنٍ العصبيٍّ، بل التزكيةٍ الإيمانيةٍ، والثاني يستلزم الأول من غير عكس.
قال تعالى: «وَإِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا» [النساء: 35]. فالآية تجعل الإرادة الصادقة شرطًا، والتوفيق الإلهيّ جزاءً، فليس الإصلاح نتيجة حيلةٍ سلوكيةٍ، بل ثمرةُ إخلاصٍ ومراقبةٍ وتقوى.
وقال تعالى: «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» [الطلاق: 2–3].
وهذا الوعد شاملٌ، فالمخرج ليس من الضيق الماليّ وحده، بل من كلّ شدةٍ في القلوب والنفوس، ومن كلّ تعقيدٍ في العلاقة بين الزوجين.
فمتى استقامت التقوى، أصلح الله ما بين القلوب، لأنّها بيده، يقلبها كيف يشاء.
والعلاج الزواجيّ في الإسلام يقوم على ركنين عظيمين:
- إصلاح النية (الإخلاص): أن تكون العلاقة لله، فيتحول البيت إلى عبادة، والمودة إلى صدقة، والاحتمال إلى صبرٍ مأجور.
- تهذيب الخلق (الاتباع): أن يسير الزوجان على سنن النبيّ ﷺ في المعاشرة بالمعروف، والعفو عند الزلل، والصفح الجميل.
وقال تعالى: «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» [البقرة: 237]، وقال النبيّ ﷺ: (لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا، رَضِيَ منها آخَرَ).
خاتمة
فتبين بهذا العرض الموجز، مخالفة نموذج غوتمان للشريعة في كل من: النظرة للإنسان، وغاية العلاقة الزوجية، ومفهوم الخير وما ينبغي أن يكون، وحقيقة الجنسين ووظائفهم. والمنهج الغوتمانيّ وإن حوى أدواتٍ نافعةً في تحليل التواصل، إلا أنّه لا يصلح أن يُنقل إلى البيئة الإسلامية دون تصفيةٍ عقديةٍ؛ وما كان في هذا البحث من توفيقٍ وسدادٍ فمن الله وحده، وما كان فيه من خللٍ أو قصورٍ فمني ومن الشيطان.
فاللهَ أسأل أن يغفرَ لي ما زلَّ به القلم، أو ما قصر عنه الفهم، وأن يجعلَ هذا العملَ خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لمن قرأه، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبِه وسلّم تسليمًا كثيرًا.




