باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم بك استعنّا فأعنّا :
أما بعد فإنّ مما أولاه الباحثون في المعقولات (intelligibles) عناية كبيرة في العصر الحديث هو ما يُعرف بالبحث الإبستيمولوجي (epistemological inquiry)، أو ما يصطلح عليه في الفلسفة بـ “نظرية المعرفة” (Theory of Knowledge). وتُعدّ الإبستيمولوجيا أحد أهم فروع الفلسفة التي تهدف إلى دراسة طبيعة المعرفة ومصادرها وشروطها وحدودها، فضلاً عن قيمتها ومصداقيتها.
وقد تعددت الاتجاهات والنظريات المعاصرة في هذا المجال، فظهرت أطروحات متباينة، منها ما هو حق ومنها ماهو باطل ومنها ما هو مركب من حق وباطل .
وإذا نظرنا في هذه الاتجاهات نجد أن أغلبها يرتكز على أُسس فلسفية أسبق زمنًا، تتعلق بمفاهيم الوجود (ontology) والذات (subject) واللغة (language) والحقيقة (truth)، وهذا ما يجعل النظر في الأصول الفلسفية أمرًا ضروريًا لفهم الموقف الإبستيمولوجي لأي مدرسة أو مفكر.
ولستُ، في هذا المقال المختصر، إلا عارضًا ومبسطًا لأهم ملامح هذه الاتجاهات والنظريات، دون الخوض في التقييم التفصيلي أو الترجيح بين الآراء. أما التحقيق في مدى صدقها أو بطلانها، وتمييز الصحيح من السقيم فيها، نُفرد له بحثًا خاصًا بإذن الله تعالى.
مطلب في ما المعرفة:
قد يُراد بالمعرفة (knowledge) الإدراك (perception)، وقد يُراد بها مَلَكة ما ، وقد يُراد بها أيضًا الإلمام ، لكن هذه التعريفات اللفظية لا تُوفي بالغرض المطلوب في البحث الفلسفي (philosophical inquiry).
ومن أوائل من بحثوا في تعريف المعرفة أعلام اليونان، ونجد ذلك في الحوار الأفلاطوني مع سقراط وثياتيتوس فيما يُعرف بـ”حوارات ثياتيتوس”.
“المعرفة هي الإدراك الحسي” (Knowledge is sense perception).
“المعرفة هي الحكم الصادق المصحوب بالبرهان العقلي” (Knowledge is true judgment with a rational account).
وقد تطور النقاش بعد ذلك، وظهرت إشكالات متعددة أثارها المتحاورون حول كل تعريف. ولعل الغربيين قد استفادوا من هذه الجدالات المتقدمة في صياغة نوع من الجدل الخاص بهم، وهو ما نجده لاحقًا في إشكالية جيتير (Gettier problem) التي طرحت تساؤلات حول كفاية التعريفات التقليدية للمعرفة.
أدى ذلك إلى أن ينتهي البحث الإبستيمولوجي (epistemological inquiry) إلى تعريف واحد يُعرف بالتحليل المعياري (standard analysis) أو التعريف الثلاثي (tripartite definition of knowledge).
المعرفة هي الاعتقاد الصادق المسوَّغ (Justified True Belief – JTB).
ومن هنا نرى أن للمعرفة ثلاثة شروط أساسية:
1. الاعتقاد (Belief)
2. الصدق (Truth)
3. التسويغ أو التبرير (Justification)
إن أدركتَ، أخي القارئ، هذا المطلب ووعيته، فإليك المطلب الثاني في تحقيق شروط المعرفة: (الاعتقاد، والصدق، والتسويغ) .
مطلب في ما الاعتقاد (Belief):
الاعتقاد في اللغة مأخوذ من الحلّ والعقد، وفي اصطلاح الإبستيمولوجيين هو موقف عقلي (mental attitude) تجاه قضية من القضايا.
واعلم – أيّدك الله – أن الاعتقادات على ضربين:
أحدهما: ما كان مشتركًا بين الناس، قد توارثوه جيلاً بعد جيل، فهو مما يسمّى بالاعتقادات الجمعية (collective beliefs)، يشترك فيه الجمّ الغفير، من غير نظرٍ ولا برهان.
والثاني: ما استقل به العبد في نفسه، إما لتجربةٍ مرّ بها، أو لتأملٍ داخلي، أو لميلٍ فطري، فيُسمّى بالاعتقاد الشخصي (personal belief)، وهو أعظم في ميزان النفس، وأشدُّ لصوقًا بالقلب.
يرد إشكال يتمثل في النزاع حول كون الاعتقاد شرطًا كافيًا (sufficient condition) للمعرفة، لأننا نعلم أن الشخص قد يعتقد بما هو خاطئ ، بينما كل ما يُعرف يجب أن يكون صحيحًا . مثال ذلك، كما ورد، أن الشمس كانت في اعتقاد القدماء تدور حول الأرض؛ فيُستشكل حينها أن الاعتقاد ليس شرطًا كافيًا، فكيف يكون ضروريًا (necessary condition)؟
وما هذا النزاع إلا من أثر الاستعمالات اللغوية (linguistic usage)، والمغالطات الأدائية (performative fallacies)، حيث تزل الألسنة فتسمّي كل ما اعتقده المرء “علمًا”، وإن لم يكن عليه برهان.
بسط القول في أشهر نظريات الإعتقاد
النظرية العقلية (The Mental Theory):
قررها هيوم في كتابه رسالة في الطبيعة البشرية (A Treatise of Human Nature)، وتكمن هذه النظرية في أن مجرد الاعتقاد بقضية يكافئ فكرة مفعمة بالحياة عن القضية، وأن الوعي بالأفكار مماثل تمامًا للإدراك الحسي العادي (ordinary sense perception).
وترد عليها إشكالات، منها ما أدركه عالم المنطق الإنجليزي كوك ولسون (Cook Wilson)، حيث عالج الإشكال في كتابه العبارة والاستدلال (Statement and Inference).
نجد إشكالًا آخر أورده هيوم، وهو أننا نجد من أنفسنا أننا نستطيع أن ننسب أفكارًا لأنفسنا مع أننا لسنا نفكر فيها في تلك الحالة ولسنا مفعمين بها.
ومناط الإشكال هو أن هيوم يشترط حضور الفكرة في الذهن وهي مفعمة بالحياة .
تم تعديل مضمون ما قدمه هيوم إلى أن الاعتقاد هو الموافقة المعقولة (reasonable assent) على القضية التي نفكر فيها. ثم أتى كوك ولسون بمسألة أخرى وهي الثقة المعقولة (reasonable confidence)، وهي وسط بين مجرد الموافقة والموافقة المعقولة (reasonable assent) على القضية.
نظرية الاستعداد (Disposition Theory):
ترى هذه النظرية أن الاعتقاد (belief) لا يتمثل في حالة عقلية آنية أو فكرة حاضرة في الذهن، بل هو نوع من الاستعداد أو القابلية للفعل (disposition to act) بطريقة معينة إذا توافرت ظروف معينة. ووفقًا لهذه النظرية، فإن قولنا إن شخصًا ما “يعتقد بقضية ما” (proposition) يعني أمرين:
1. أنه حينما يفكر في تلك القضية
2. يكون لديه استعداد عقلي وسلوكي للتصرف كما لو كانت تلك القضية صادقة (true).
على سبيل المثال، إذا كان شخص ما يعتقد أن “الثلج بارد”، فإن لديه الاستعداد لأن يتجنب لمس الثلج لفترة طويلة، أو أن يصفه بالبرودة عند الحديث عنه.
لكن هذا الاستعداد قد لا يظهر دائمًا في صورة فعل خارجي، بل يظل كإمكانية كامنة للفعل عند توفر الشروط المناسبة.
لذلك، من الضروري أن نُفرّق بين الاستعداد (disposition) وإظهار الاستعداد (manifestation).
فالكرة مثلًا تكون قابلة للضرب (have a disposition to be hit) في جميع الأوقات، حتى لو لم تُضرب أبدًا.
وبالمثل، قد يحمل الفرد اعتقادًا دون أن يُعبّر عنه بالفعل أو القول، لكنه مع ذلك يكون مستعدًا للتصرف بناء عليه.
تواجه هذه النظرية إشكالًا يتعلق بتفسير الاعتقاد نفسه، إذ يتم اختزاله في مجموعة من الأفعال المحتملة. وهذا يقود إلى نوع من الدور أو التفسير الدائري (circularity):
إذا كان الاعتقاد يُفسّر من خلال الفعل، فكيف نفسر الفعل نفسه؟ هل نعود إلى القول بأن هذا الفعل نتيجة اعتقاد؟
إذا فعلنا ذلك، نكون قد عدنا إلى نقطة البداية دون تقديم تفسير حقيقي لطبيعة الاعتقاد نفسه، بل جعلناه مجرد اختزال لسلوك أو إمكانية سلوك.
هذا الإشكال يدفع بعض الفلاسفة إلى القول إن نظرية الاستعداد، رغم ما فيها من تبسيط مفيد، غير كافية لتفسير البنية الداخلية للاعتقادات، وخصوصًا الحالات التي لا يكون فيها الفعل ظاهرًا أو ممكنًا، مثل المعتقدات العميقة أو المؤجلة.
نظرية الحالة العقلية (Mental State Theory):
نظرية الحالة العقلية تُصرّح أن الاعتقاد (Belief) هو خريطة ذهنية نسترشد بها، أي أن اعتقاد فلان بـ(قضية) ما هو حالة معينة مستمرة في ذهن فلان طوال الوقت الذي يتمسك فيه بـ(قضية).
النظرية تحل الإشكالات التي ترد على النظريات السابقة، بل وتدمج بين نظرية الفعل العقلي (Dispositional Theory of Mind) من جهة أن الاعتقاد حالة مستمرة في ذهن المعتقد بها، ونظرية الاستعداد (Dispositional Theory) من جهة أن الاعتقادات ليست في حاجة للظهور في أي سلوك فعلي.
هذه النظرية بالتحديد توسّع فيها أرمسترونغ (Armstrong) في كتابه الاعتقاد والصدق والمعرفة (Belief, Truth and Knowledge)، حيث ميّز بين الاعتقادات ومجرد الأفكار، فوضع نوعين من الخرائط: خرائط الاعتقاد (Maps of Belief) وخرائط التفكير (Maps of Thought)، فجعل الاعتقادات خرائط نسترشد بها، بينما الأخرى هي مجرد خرائط وهمية.
إلى هنا يتم الجزء الاول والسلام عليكم ورحمة الله




