الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن البداهة والضرورة تقضي بأن لهذا العالم ربا خالقا في الغيب يدبره، فاعل قادر مختار؛ ولكن لأن الدهرية قوم مكابرون، أبوا إلا أن يجعلوا الواجب موجودا ميتا لا قدرة له ولا اختيار (كالطاقة ونحوه)، ولا يخفاك أوجه امتناع قولهم التي لا يحصيها المرء إلا بعد تعب، ولعل أظهرها وأقربها في الفهم التي يستوي فيها العامي والذكي: هو دلالة النظم؛ وهذا مقال أقرره فيها وأدفع سفسطاتهم والله أرجو التوفيق والسداد.
وليكن أن العالم المنظور هو النظام “أ”، وهذا النظام نعلم أنه يتكون من الأجزاء {ب، ج، د، هـ، و …} وبما أن النظام “أ” قابل بطبعه لأن ينفك عن أجزائه (فإن لم يقبل الانفكاك لم يكن نظاما -والمراد الانفكاك في الخارج لا مجرد رفع ذلك في الوهم-)، ويمكن أن يعاد تركيب عناصره لتشكل النظام “أ” مرة أخرى، أو أي نظام آخر، إذن “أ” لا بد له من مُنظّم بالبداهة، ركبه على ذلك النحو لا على غيره عن قصد وإرادة. بل واتساق تلك الأجزاء في تكوينهم للمجموع بحيث يحصل المقصود منه على نحو لا يحصل على غيره، واطراد ذلك على نحو متسق، بل وكون ذلك المقصد من النظام نافعا ومناسبا للحاجة -دلالة العناية- (functionality) دال على حكمة المُركِّب، إذ وضع الشيء في موضعه.
ولهذا فاللغة الطبيعية عند سائر البشر تستسيغ وصف الكون المشهود بأنه «مُحكم – مُنظم organized – organisé – organisiert – organizado الخ. وهذا يدل بدلالة الالتزام بمقتضى هذا التركيب اللغوي فاعلا ما وراءه هو الذي أحكمه ونظمه (وهو ما يقال له فعل مبني للمجهول). وهذا دال على فطرية ذلك في نفوسهم لاستحالة تطواؤهم على ذلك، ولهذا ذكر الملحد داوكنز أنه يرى نفسه مضطرا للعض على لسانه “bite my tongue ” في كل مرة في وصف كائن بأنه creature، لأنه يستلزم لغويا وجود خالق له.
فإذا ثبتت ضروريتها لم يلزمنا الإجابة عن معارضاتكم النظرية، لأن الضروريات لا يطعن فيها بالنظريات وإلا لزم الدور أو التسلسل، وهو باطل. فيكفينا أن نحكم على اعتراضاتكم قبل النظر في مادتها أنها سفسطة من جنس معارضات الطاعنين في صدق الحواس ونحوه.
فإن مما لا يُماري فيه عاقل منصف أن العالم يجري على نظام محكم شديد الإحكام. لولا هذا الإحكام والانضباط في نظام العالم؛ ما أصبح لدينا مفهوم لما نسميه بالوحدة القياسية للمقادير Standard Unit، فالمتر – مثلا- وحدة ثابتة المقدار لقياس الأطوال، يمكن للبشر أن يتفقوا على استعمالها مرارا وتكرارًا، دون خوف من أن تتغير قيمتها عشوائيا بين عشية وضحاها! ونفس الأمر بالنسبة لوحدات قياس الزمن، فلو لم يكن الكون مضبوطا ما أمكن قياس الزمن بوحدات ثابتة لا تتغير، فوجود مدة معينة ثابتة هي الساعة أو اليوم من دلائل الإحكام في العالم. وإن لم يكن كذلك، ما أمكن أن يكون عندنا تصور تجريدي للمقادير على اختلاف أنواعها؛ إذ نتوقع في كل مرة نفكك بنية تلك الأشكال التجريدية، أن نراها تتركب من نفس الوحدات القياسية ومن نفس العلاقات المطردة بين تلك الوحدات في كل مرة!
واعلم أن معرفة كون المؤثر مختارا -أي ذا قصد وإرادة- من النظر في أثره إما أنه معلوم بالعقل أو بالعادة، فإن قيل بالعقل: عمَّ ذلك الشاهد والغائب فثبت المطلوب. وإن قيل بل بالعادة: أجيب بالمنع، وذلك أن البداهة اللغوية كما تقدم تقتضي أن بمجرد انطباق مسمى النظام على الشيء، يستلزم ذلك وجود منظم قادر مختار؛ وأن متى ما اجتمعت في شيء ما سمات معينة، من التركب المعقد الذي يؤدي مقصدا معينا نافعا، عُلم بالبداهة أن مركبه قادر مختار حكيم، ولم يسئل عنه بـ”ما الذي رجح هذا” وإنما بـ”من الذي رجح هذا”.
والمؤثر إن لم يكن مختارا قاصدا، فإنه مؤثر عشوائي بالضرورة، وحصول أثر له نمط pattern معين من مؤثر عشوائي = تناقض ذاتي، فإننا لا نعرف العشوائية إلا بأنها: غياب النمط. فكيف لغياب النمط أن ينتج نمطا؟؟ هذا أشبه بأن يقال: الجاهل بـ”أ” سوف يُعّلِّمها لغيره إذا مر الكثير من الوقت، وهذه قضية تحليلة باطلة بالبداهة.
وليكن: R(x) يعني أن x عشوائي، وP(y) يعني أن y له نمط. من حيث التعريف، إذا كان x عشوائي: R(x) → ¬P(x). ومذهب القوم: R(x) → P(y). وهذا تناقض ظاهر.
وأما ما يضربه بعضهم من الأمثلة مثل قولهم: النمط والانتظام يتولد من رحم العشوائية بآلية التكرار، كأن ترمي مجموعة من حجار النرد ملايين المرات حتى تحصل في النهاية على رقم هاتفك، أو على ترتيب أرقام مميز.
فيقال لهم: لا نسلم أن العشوائية ها هنا أنتجت نظاما، فنحن نفترض مسبقًا أن هناك نمطًا (رقم الهاتف) ننتظر ظهوره. ونحاول من خلال التكرار الوصول إليه. وفرق بين التصور الموضوعي للنظام، وبين مطابقة الواقع لنظام مُفترض في الذهن predefined؛ فإن الأول نظام موضوعي يُعلم أنه كذلك استقلالا عن إدراك المدرك، فهو نظام في نفس الأمر بخلاف الثاني الذي هو نظام غير-مستقل عن إدراك المدرك Subjective Order.
أو يمكننا أن نصيغ امتناع قولهم بأن يقال: أن ما به حصل التأثير «عشوائي»، فهو يسمح -من حيث التعريف- بحصول: (أ) واحتمالات لا نهائية هي نقيض (¬أ)، أي لا تحصى الاحتمالات الممكنة التي كان من الممكن أن يتركب منها النظام ليفشل في أداء المقصد الذي يؤديه بالفعل؛ فإذا كان الذي ترجح هو (أ)، لزم ترجيح أحد طرفي الممكن من غير مرجح، وهو محال عقلا.
وقد يقال على التسليم جدلا أن ذلك معلوم بالعادة: أنكم تطردون كل ما استفاضت به عادتنا على الغائب، وبهذا القياس تتأسس عامة نظرياتكم في نشأة الكون والحياة التي تعتبرونها حقائق علمية؛ والعادة مستفيضة بأن كل نظام: أي مجموعة أجزاء تؤدي مهمة معينة له منظم ذو قصد وإرادة وعلم، بل هذا الاستقراء عظيم تحته جزئيات لا تحصى في تجربتنا، فهو أقوى وأرجح معرفيا من الاستقراءات التي يُبنى عليها التطور والانفجار العظيم ونحوه. فيلزمكم على أصولكم أن النظرية التفسيرية التي تقول بوجود المصمم الذكي -الذي يناظر النصارى لإثباته- حقيقة علمية؛ وإلا ففرقوا لنا نوعا بين ما قبلتموه من الأقيسة في نظرياتكم وبين هذا القياس، بل أبعد من ذلك أنكم ترون شفرة أوكام مرجحا معتبرا، وافتراض مصمم ذكي أبسط بكثير من افتراض عوامل طبيعية كثيرة عشوائية. فإما أن تقبلوا نظرية المصمم الذكي فيُهدم مذهبكم، أو تتوقفون في نظرياتكم الكوسمولوجية والتطورية.
فإذا علمت هذا: عُلم أن قول الدهرية المعاصرين بأن النظم في المخلوقات تفسره «الأكوان المتعددة»، و«نظرية التطور»، محض خرف عقلي! فجدليا: الجواب ما تقدم أن المصمم الذكي أرجح كنظرية تفسيرية على أصولهم ومعياييرهم في الترجيح. وأما الجواب المعتمد على أصولنا: فيقال لهم أن هذه مغالطة في استخدام المنطق الاحتمالي، فإن المنطق الاحتمالي لا يحتج به في الممتنعات العقلية كما هو ظاهر، فكأنكم تقولون تعدد العوالم اللانهائية قد يجوّز اجتماع النقيضين في أحد تلك العوالم.
بل أبعد من ذلك أن مجال تطبيق منطق الاحتمالات إنما هو في الممكنات الخارجية، لا الممكنات العقلية، فضلا عن الممتنعات العقلية. فشرط استخدام المنطق الاحتمالي: أن يكون المبحوث ممكنا خارجا ابتداء، وهو يفترض وجود علاقة سببية خفية نسعى إلى الوصول إليها عن طريقه (أعني منطق الاحتمالات)، فالاحتمال الإحصائي = يتأسس على القياس الاستقرائي للمشاهدات بغية التوصل إلى تصور النمط السببي التكراري المفترض لهذا الصنف من الحوادث أو الممكنات الواقعة تحت الحس والمشاهدة، ولهذا لا يصح استخدامه فيما لا يعرف له نمط مثل الميسر والقمار. ومطلوبكم ها هنا نقض للسببية أصلا، فكيف يستدل به على نشوء نمط عشوائية؟؟ وتمديد فراغ العينة المبحوثة للحدث المحال (س)، لن يقلبه ممكنا -كما هو ظاهر-. بل هو في الحقيقة قياس مع الفارق، فإنهم قد قاسوا الصُدَّف على الفاعل المختار الجاهل الذي يتعلم من تكرار المحاولة مرة بعد مرة؛ والحق أن الصدفة والعشوائية المحضة لا تتعلم شيئا، فتمديد وقت الصدف فارق غير مؤثر. وكثرة وتتابع الصدف لن يخرج مجموعها عن كونه محض صدفة!
فإن حقيقة قولهم أن العالم نشأ عن طريق تتابع الصدف مرة بعد مرة، بحيث تأتي كل صدفة مفيدة فتضيف على ما قبلها، من غير أن يكون ثمة معلومات مسبقة: لما يضاف، ووجه إضافته، وصفة النظام المضاف إليه، وتأثير الإضافة، فلا إحكام ولا غاية ولا خطة ولا بناء ولا تأسيس ولا شيء من ذلك، وإنما عشواء في عشواء، تطاول عليها الزمان جدا، فصارت أنظمة فيزيائية وحيوية مُحكَمة أشد الإحكام. فتأمل مقالتهم، ثم كبر على العقل أربعا!