أبحاث عقدية

تثبيت مقالة «حوادث لا أول لها»

بيان القدم النوعي لأفعال الرب سبحانه وتعالى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله، أما بعد:

فقد رمى بعض منتحلي السنة والأثر، شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه أحدث القول بحوادث لا أول لها -بمعنى: أن ليس لجنس المخلوقات أول-، لأجل اعتبارات فلسفية، وادعى -زورا- أن أهل الحديث مجمعون على مجانبة هذا الاعتقاد. وها أنا ذا: أبطل زعمه هذا، وأذب عن هذا الاعتقاد السني، راجيا الله التوفيق والسداد.

أحب أن أنبه القارئ أولا أن شيخ الاسلام ابن تيمية لم يدعي قط أن قوله هذا اختيار فلسفي وصل له بنظره وتفكره الخاص، بمعزل عن عقيدة أهل الحديث التي لم يزل يذب عنها ويدفع عن حياضها سهام المعطلة الجهمية، بل كان ينسب ذلك لأهل الحديث كما في درء التعارض، بل وقال في الكيلانية أنه مقتضى طرد أصول أحمد.

هذا المقال في مقامين: الأول إقامة الأدلة على قولنا، والثاني: نقض أدلتهم، وكلاهما مهمان ليتم المقصود.

المقام الأول: إقامة الدليل على قولنا.

اعلم -وفقك الله للحق- أن النزاع في حوادث لا أول لها، فرع النزاع في أصل عظيم بين أهل الحديث والمتكلمين، وهو قدم جنس أفعال الله، فإن المتكلمون قاطبة: كلابيهم ومعتزليهم وجهميهم وكراميهم يمنعون ذلك، لأجل امتناع تسلسل الآثار عندهم. وأهل الحديث مجانبون لهذا الاعتقاد، قائلون بقدم جنس كل صفات الله، فلم يفرقوا بين ذاتي وفعلي، ولا بين فعل لازم ومتعدي، وإنما أطلقوا أزلية الجنس فيهم جميعا -كما سيأتي-، بل وجعلوا الفعل من لوازم الحياة، فإن قُدِّر أن جنس الأفعال حادث لزم عدم الاتصاف بالحياة قبل حدوثه وهو محال.

قال الامام البخاري: «ولقد بين نعيم بن حماد رحمه الله تعالى أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت». وقال عثمان بن سعيد الدارمي: «أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة».

ولم يُعرف عن أحد من أهل الحديث البتة: أنه قال أن لجنس أفعال الله بداية، جاء في إبطال التأويلات – ط غراس (١/‏٦٨٦)

«وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن شاقلا هذه المسألة مُفْردةً نقلتها من خط أبي بكر الكِشَّي من أصحابنا فقال: قد زَعَمَ أحد ممن يَدَّعي أنَّه من المثبتة: أنَّ أسماءه ما كان منها من صفات الذات لم يزل بها، وما كان من صفات الفعل فهي الكائنة بعد أنْ لم تكن، قال: وهذا قول مُبْتَدع لم يَسبق إليه إمامٌ متبع، قال: وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث العُبادي وأبي بكر أحمد بن هاني: من زَعَمَ أنَّ أسماء الله مخلوقة فقد كفر، ولم يزل الله متكلمًا».

قلت: وابن شاقلا إمام الحنابلة في وقته، وقد نقل إجماع أهل الحديث على بطلان هذه المقالة، ولم يفرق بين فعل وفعل، وإنما أطلق ذلك في سائر صفات الله الفعلية.

بل ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن إنكار أحمد على داود الأصبهاني (بل وتكفيره له) لقوله بأن كلام الله محدث، متوجه لقول من قال بحدوث جنس أفعال الله، وأقول: هذا تحرير غاية في الدقة، فقد حكى الأشعري في مقالات الإسلاميين أن داود الأصبهاني كان يفسر عبارة “لم يزل متكلما” بأنه “لم يزل قادرا على الكلام”.

وخروجا من الاستطراد أقول: اعلم أن الله سبحانه وتعالى بمقتضى كونه أزلي: (1) إما أنه لم يزل غير خالق ثم خلق، (2) أو أنه لم يزل خالقا.

و(1) معطل عن فعل الخلق الذي هو كمال لمدة لا نهائية، كما لو قيل: لم يزل الله ساكتا ثم تكلم، فهذا حقيقته خرس، فخلاف لو قيل -كما هو اعتقاد أهل السنة-: لم يزل متكلما ويسكت متى شاء. وهذا يبطله قوله تعالى: ﴿أَوَلَیۡسَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰۤ أَن یَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّـٰقُ ٱلۡعَلِیمُ ۝٨١﴾ [يس]. فسمى رب العالمين نفسه «خلاق»، من فعال وهي صيغة مبالغة من الكثرة، فيكون المعنى: «كثير فعل الخلق»، والذي لم يزل لا يخلق ثم ابتدأ في الخلق، هو قليل فعل الخلق لا كثير الخلق!

ثم إن السلف -رضي الله عنهم- لم يكونوا يختزلون اسم الخالق: في القادر على الخلق، فقد نصوا -وهذا مهم فانتبه- أن الله تعالى لا يسمى بالاسم لمجرد القدرة عليه كما هو الشأن مع المخلوق، قال الإمام أبو داود رحمه الله عن المخلوق: «الاسم غير المسمى في المخلوقين؛ لأن الرجل يسمى محمودا وهو مذموم، ويسمى قاسما ولم يقسم شيئا قط، وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه». اهـ اللالكائي (305). أقول: ومفهوم كلامه: أن الله لا يسمى قاسما ولم يقسم شيئا قط، كما لا يسمى خالقا ولم يخلق شيئا قط، فلو كان لفعل الخلق بداية لم يقم في ذات الله قبلها قط، لم يصح أن يسمى قبل تلك اللحظة خالقا!

ونحن لا نعني ب(2) إلا أن تعلق المشيئة بالفعل لا أول له، أي أننا لا نحصي كم قامت الصفة في ذات الله، كما أنكم تقولون -أو أغلبكم على الأقل- أن كلمات الله لا أول لها.

والسلف كما أطلقوا أن الله لم يزل متكلما، أطلقوا ذلك في سائر صفات الله:

– قال الإمام الدارمي:

«له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، وله الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، يقبض ويبسط، ويتكلم، ويرضى ويسخط، ويغضب، ويحب، ويبغض، ويكره، ويضحك، ويأمر وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين، والقدرة والسلطان والعظمة، والعلم الأزلي، 👈🏻لم يزل كذلك ولا يزال».

– قال الامام ابن بطة:

«وقد فهم من آمن بالله وعقل عن الله أن كلام الله، ونفس الله، وعمل الله، وقدرة الله، وعزة الله، وسلطان الله، وعظمة الله، وحلم الله، وعفو الله، ورفق الله، وكل شيء من صفات الله أعظم الأشياء، وأنها كلها غير مخلوقة لأنها صفات الخالق ومن الخالق، فليس يدخل في قوله {خالق كل شيء}، لا كلامه، ولا عزته، ولا قدرته، ولا سلطانه، ولا عظمته، ولا جوده، ولا كرمه، لأن الله تعالى 👈🏻لم يزل بقوله وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته إلها واحدا👉🏻، وهذه صفاته قديمة بقدمه، أزلية بأزليته، دائمة بدوامه، باقية ببقائه، لم يخل ربنا من هذه الصفات طرفة عين».

فإما أن تؤولوا قول السلف: “لم يزل متكلما” بأنه لم يزل قادرا على الخلق فتخرجون عن السنة قولا واحدا، وتدينون بدين داود الظاهري كما تقدم تحريره، إذ أهل السنة مجمعون أن كلمات الله لا أول لها، كما تواتر عن أحمد وغيره من السلف قولهم: «لم يزل الله متكلما»، ولم يفسرها على القدرة أحد سوى داود الظاهري وبُدع لأجل ذلك، ونقل ابن شاقلا الاجماع على تفسيرها بغير ذلك كما تقدم، بل نص غير واحد من السلف أن كلمات الله لا تعد ولا تحصى، جاء في مخطوط لتهذيب اللغة للأزهري: «قال أبو منصور:… والقرآن: كلامُ اللهِ، وكَلِمُ الله، وكلماته [في المخطوط: «كلاماته»، وهو تحريف]. و̲ك̲ل̲ا̲مُ̲̲ ̲ا̲ل̲ل̲ه̲ ̲ل̲ا̲ ̲يُ̲̲حَ̲̲د̲ ̲و̲ل̲ا̲ ̲يُ̲̲عَ̲̲د̲، وهو غيرُ مخلوق. تبارك الله عمّا يقول المفترون علوا كبيرا». اهـ مستفاد من الأخ أحمد بن كامل.

أو تقولون في الكلام ما تقولون في سائر الصفات، إذ لم يفرق السلف بينهم وأطلقوا في هذا ما أطلقوا في هذا، وهذا إلزام محكم لا مفر لكم منه، إما أن تدينوا بدين الكرامية أن لكلام الله أول، أو تقولون بقولنا بأن سائر صفات الله لا أول لنوعها.

وقد نص السلف أن الله لم يزل يفعل أفعالا مستلزمة لوجود المخلوقات:

– روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أنه سأله سائل عن قوله: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿سميعًا بصيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك». قلت: المغفرة مستلزمة للمغفور، والرحمة مستلزمة للمرحوم، وكذا السمع والبصر.

– قال أحمد في رواية حنبل: «لم يزل الله متكلما عالما غفورا».- روى اللاكائي وابن بطة عن حنبل عن أحمد بن حنبل أنه قال: «يكلم الله عز وجل عبده يوم القيامة؟ قال: نعم فمن يقضي بين الخلق إلا الله، يكلمه الله عنده، ويسأله عز وجل، والله عز وجل متكلم لم يزل يأمر بما يشاء، ويحكم وليس لله عدل ولا مثل».

– قال ابن منده: «ذِكْرُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنَ الكِتَابِ وَالأَثَرِ عَلَى أَنَّ الله تَعَالَى لمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا آمِرًا نَاهِيًا بِمَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ».

المقام الثاني: هل الأدلة الشرعية تبطل حوادث لا أول لها؟

– نقض احتجاجهم بأثر ابن عباس: «أول ما خلق الله القلم».

• الوجه الأول: أن الصحيح أن العرش كان قبل القلم، فالأثر إذن محمول على الأولية النسبية، ويدل على ذلك أمور:

❒- الأول: حديث: «قدَّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، والتقدير مقارن لخلق القلم كما في لفظ أثر ابن عباس: «قال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر».

❒- الثاني: أن في بعض روايات حديث عمران بن حصين: «كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». فعطف الخلق والكتابة على العرش بثم.

❒- الثالث: ما روى عثمان بن سعيد الدارمي قال ٤٤ – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنْبَأَ سُفْيَانُ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، ثنا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَأَمَرَهُ وَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَإِنَّمَا يَجْرِي النَّاسُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ». اهـ إسناده جيد، أبو هاشم هو إسماعيل بن كثير المكي.

والبيهقي على تجهمه قال عن حديث أول ما خلق الله القلم: «وإنما أراد- والله أعلم- أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش والقلم، وذلك بين في حديث عمران بن الحصين – رضى الله عنه ثم خلق السموات والأرض».

• الوجه الثاني: أن هذا اللفظ لا يدل على الأولية المطلقة، كما روى الطبري نحوه عن مجاهد في الكعبة قال حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: «إن أولَ ما خلَق اللهُ الكعبةُ، ثم إن أولَ ما خلَق اللهُ الكعبةُ، ثم دحَا الأرضَ مِن تحتِها». اهـ إسناده جيد

– وأما قول بعض السلف: «كان الله ولا شيء»، فلا يدل على أن هناك خلق أول، وبيان ذلك من وجهين:

• الوجه الأول: أن هذا لفظ نبوي، وفي تكملة الحديث وكان عرشه على الماء، والعرش والماء مخلوقات، فثبت أن العبارة لا تدل على مطلوبكم.

• الثاني: أن هذا هو إنما في لحظة معينة في الوجود، إذ ليس لوجود الله بداية، فلا يدل على مذهبكم عبارات كهذه إلا أن تكون من قبيل: «لم يزل الله ولا شيء»، وهو ما لم يقل به أحد من السلف يوما من الدهر، ولا سبيل لكم للاتيان به أو بنظير له والله الموفق.

– وأما قول بعض السلف مثل الدارمي: «خالق قبل المخلوقين». فدال على قولنا كما سيأتي بيانه!

فمعنى العبارة: أي لم يكتسب اسم الخالق من فعل الخلق، فأفعال الرب -جل ثناؤه- ↤ صادرة عن أسمائه: فالله سبحانه لأن اسمه “الخالق” يخلق. وأسماءُ المخلوقين ↤ صادرةٌ عن أفعالهم: فالعبد يُسمى “خالق” بعد أن يخلق. فالرب جل شأنه فِعاله عن كماله، والمخلوق كماله عن فِعاله، فاشتقت له الأسماء بعد أنْ كمل بالفعل.

إذ الرب لم يزل كاملًا فحصلت أفعاله عن كماله، لأنَّه كاملٌ بذاته وصفاته، فأفعاله صادرةٌ عن كماله؛ كَمُلَ ففعل، والمخلوق فعل فكَمُل.

قال الإمام ابن منده رحمه الله:

«قد ذكر الله عز وجل اسمه الرزاق في كتابه قبل أن خلق خلقه ورزق عباده فأسماء الله بخلاف اسماء المخلوق وكذلك صفاته بخلاف صفاته، لأن أفعال الله عز وجل مشتقة من أسمائه، وأسماء عبيده مشتقة من أفعالهم».

وقد فسر ابن منده “خالق قبل الخلق”، أي كان يخلق قبل المخلوقات المعروفة، قال ابن منده: «وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِالخَالِقِ البَارِئِ المُصَوِّرِ قَبْلَ الخَلْقِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْلُقُ وَيُصَوِّرُ». اهـ التوحيد لابن منده – ت الفقيهي (٢/‏٧٦)

– دعوى استدلال أهل الحديث على عدم مخلوقية الكلام بأنه يسبق المخلوقات:

وهذا هو أقوى أدلتهم، وقد ذكره البخاري بقوله: «قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فَأَخْبَرَ أَنَّ أَوَّلَ خَلْقٍ خَلَقَهُ بِقَوْلِهِ، وَأَوَّلَ خَلْقٍ هُوَ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُقَالُ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فَأَخْبَرَ أَنَّ كَلَامَهُ قَبْلَ الْخَلْقِ».

وذكره عبد العزيز الكناني بقوله:

«يا أمير المؤمنين، قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء معه، وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن الأشياء بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عز وجل عن قدرته، فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون: أول خلق خلقه الله بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها. فأي ذلك فقد ثبت إن هاهنا: إرادة ومريد، وقول وقائل ومقال، وقدرة وقادر ومقدورعليه. وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق فليس هو من الخلق في شيء».

قلت: هذا ليس استدلالا على عدم مخلوقية الكلام بأن جنس المخلوقات حادث، والكلام سابق للمخلوق إذن هو غير مخلوق. بل هو استدلال بأن الكلام سابق لأي مخلوق، فإن كان الكلام مخلوقا أيضا احتاج إلى كلام آخر فيلزم تسلسل العلل المحال، ولهذا وجب أن يكون الكلام الذي هو من جملة علل خلق المخلوق غير مخلوق، وهي المروية عن سفيان والبويطي. ولا يعارض هذا أن كل من الكلام والخلق قديم النوع، ويدلك عليه رواية لوين فيما روى الخلال قال: أخبرنا عبد الله قال قلت لأبي: «إن لوينًا محمد بن سليمان الأسدي يقول: (أول ما خلق الله القلم)، والله لم يزل متكلمًا قبل أن يخلق الخلق، فأعجبه هذا واستحسنه». فاستدل على أن الكلام قديم النوع بأن الخلق قديم النوع، وضرب المثل بأول مخلوق معروف وهو القلم.

وأما قول الآجري: «وقد احتج أحمد بن حنبل رحمه الله بحديث ابن عباس: إن أول ما خلق الله من شيء القلم وذكر أنه حجة قوية على من يقول: إن القرآن مخلوق، كأنه يقول: قد كان الكلام قبل خلق القلم، وإذا كان أول خلق الله من شيء القلم دل على أن كلامه ليس بمخلوق؛ ولأنه قبل خلق الأشياء».

قلت: فهم الآجري للحجة نسلم أنه يعارض قولنا، وكذلك كلام قوام السنة في الحجة في بيان المحجة، والطبري في تاريخه، فنسلم أنه يخالفنا. وقد استدل قوام السنة على قوله ببعض حجج الكلابية، مثل حجة السيف يسمى قطوعا وهو في الغمد (أنظر المقصد الأسنى للغزالي)، والطبري قد ذكر في تاريخه أعاجيب مثل دليل الحدوث الكلامي -وإن كان لا يلتزم لوازمه-، فلا يستغرب منه. وهؤلاء وإن كانوا من أهل الحديث، إلا أنه لا يصار لقولهم وقد خالفوا من هو أجل منهم، ولا يدل دليل شرعي على ما ذهبوا إليه، بل طرد أصول السلف يقتضى خلافه (فهم يثبتون أن نوع الكلام قديم، وقدم تقدم إلزام من يقول بذلك بقدم نوع فعل الخلق)، ونحن لا ندعي الاجماع في هذه المسألة، ولكن الغرض نفي كونها بدعة أحدثها ابن تيمية، بل الحق أنها هي الراجح من أقوال أهل الحديث، وهو تحقيق مذهب أحمد كما تقدم.

– * قال عبد العزيز فقلت لبشر: “تقول إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل شيئا ولما يخلق شيئا”. قال: “بلى”. فقلت له: “بأي شيء حدثت الأشياء بعد إذ لم تكن شيئا أهي أحدثت أنفسها أم الله أحدثها”؟ قال: “الله أحدثها”. فقلت له: “فبأي شيء أحدثها”؟ قال: “أحدثها بقدرته التي لم تزل”. قلت له: “صدقت أحدثها بقدرته أفليس تقول إنه لم يزل قادرا”؟ قال: “بلى. قلت له: فتقول إنه لم يزل يفعل”؟ قال: “لا أقول هذا. قلت له: فلابد من أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة الله، ولا يقال لصفة هي الله ولا هي غير الله”.

* قال بشر المريسي: “ويلزمك أيضا أن تقول إن الله لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك فقد أثبت أن المخلوق لم يزل مع الله سبحانه وتعالى”.

* قال عبد العزيز فقلت له: إني لم أقل هذا وليس لك أن تحكم علي وتحكي عني ما لم أقل وتلزمني ما لم يلزمني، إني لم أقل إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل فألزمني ما قلت، وإنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة الله يقدرعليها ولم يمنعه منها مانع.

قلت: يبدو أن المخالفين قد بلغوا الغاية في العجمة، والجهل بمقالات المخالفين والموافقين جميعا، وطرائق الرد عند العلماء! فإن سياق الكلام يا إخوة: أن المريسي معتزلي يرى أن المخلوقات تحدث بالقدرة القديمة من غير فعل من القادر يقوم به، وبما أن القدرة لم تتغير فليس هناك وقت أولى من آخر لحدوث الخلق، فيلزمه أن الله يخلق في كل لحظة، فإذا لم تتوقف المخلوقات على غير القدرة، والقدرة قديمة، لزم وجود المخلوقات معها. والكناني يقول له أنه لا يلزمني هذا كما لزمك، فغرض الكناني ليس إبطال تسلسل الحوادث وإنما غرضه إبطال مذهب المريسي في عدم التفريق بين الفعل والمفعول. والمناظرة اسمها “حيدة”، ففيها تنزل في الحجاج بحسب غرضه من الخصم (ولكن القوم أعاجم لا يفهمون السياق)، حتى أنه قال في موضع: لا أقول إن الله سمعا وبصرا. فلما كان الغرض ما ذكرت من إبطال مذهب الخصم في أفعال الله، قال ما قال لأنه لا يلزم من بطلان التسلسل بطلان الفعل الذي لا يكون حدوث المخلوق إلا به (والذي ينكره الخصم)، وهذا ظاهر لكل ذي لب والله الموفق.

– وأما أدلتهم العقلية، فهي أسخف من أن نرد عليها، ولكني سأعرج عليها باختصار:

قالوا: أن أزلية نوع المخلوقات ينافي أولية الله، والجواب: أن هذا سفه، فالأول هو الذي ليس قبله شيء، والله لا يمكن أن يكون قبله شيء وإن كان نوع المخلوقات أزلي، لأن كل مخلوق من السلسلة حادث يتقدمه محدثه. واعتراضهم نابع في الحقيقة عن تشبيه الله بمخلوقاته؛ وهي مقدمة مضمرة لا يشعرون بها، وهذا عند قولهم “لو كان نوع صفة الخلق أزليا للزم أن يبقى شيء مع الله”، وهذا إنما يكون فيمن له بداية من المخلوقات، والله تعالى لا بداية له.

وكذلك يخلطون بين النوع والعين؛ وهذا ظاهر من ظنهم أنه يلزم قدم شيء مع الله، فالفرق بين النوع والعين بدهي، فالعين هو الذي يوجد خارج الذهن، أما النوع مفهوم ذهني يعبر عن مجموع الأعيان، ونضرب عليه المثال المشهور أن أكلات أهل الجنة كل معين فيها له بداية ونهاية، ونوعها لا نهائي؛ وكذلك نقول في صفة الخلق.

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم


حاشية:

مقالات أخرى ذات صلة بمسائل التسلسل:

في حوادث لا أول لها، بيان غلط الشيخ “حسام الحمايدة” في مسألة تسلسل الحوادث، تسلسل الحوادث، بين الإمكان والامتناع، موقف أهل الحديث من “تسلسل الحوادث”، ما تسلسل لا يتحصل، نقد مثال ويليام لين كريغ في التسلسل، نقض معضلة زينون الإيلي، الرد على من زعم أن تسلسل إرادات الله = تسلسل في العلل، إِفْحَامُ المُجِيزِينَ لِتَسَلْسُلِ العِلَلِ، في مسألة “الافتقار والفاعلية وتسلسل العلل الفاعلة”.

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن الآراء السنية السلفية، وبتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى