مقدمة
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، ومن سارَ على نهجِه إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
فإنَّ أَجَلَّ ما عُمِّرَتْ به الأنفاسُ، وأشرفَ ما انْطوتْ عليه الضَّمائرُ، هو مَعرفةُ الرَّبِّ جَلَّ ثناؤُه بما يَستحقُّه من نُعوتِ الجلالِ والتَّمام، وتَنزيهُه عمَّا لا يليقُ بجَنابِه من صِفاتِ النَّقصِ والاعْتِلال. وإنَّ من أَعظمِ الحُجَجِ التي يَنْقادُ لها العقلُ السَّويُّ، ويَسكُنُ إليها القلبُ الذَّكيُّ، ما جَرى في مَعينِ أهْلِ التحقيقِ بـ «بُرهانِ الأَكْمَلِيَّةِ».
وهذا مَقالٌ حُبِكَ مَنْزَعُه، ورُصِفَ مَقْطَعُه، في تَهذيبِ هذا البُرهانِ العظيمِ الذي قَرَّرَه الإمامُ الحَبْرُ، ناصِرُ السُّنَّةِ وقامِعُ البِدْعةِ، شَيْخُ الإسْلامِ [أبو العبَّاسِ ابنُ تيميةَ] —أجْزَلَ اللهُ له المَثوبةَ—؛ حيثُ عَمَدنا إلى استقراءِ مَظانِّه في بَطونِ مُصَنَّفاتِه، وجَمْعِ شَتاتِه من مَواضِعِ ذِكْرِه، حتى استوى على سُوقِه نَصيحةً للمُسترشِدين، وقَمْعاً للمُبطلين.
فصل في الكمال
اعلم أنَّ الكمالَ التَّامَّ هو أن يكونَ الشيءُ موصوفًا بأوصافٍ ثابتةٍ لا يَلحقُه منها نقصٌ من جهةٍ من الجِهات، فهي زيادةٌ في ثبوتِه وتمامِه، وهي أقصى ما يبلغُه الموجودُ من التَّمام. وأمّا النَّقصُ فلا يُعقَلُ إلّا أن يكونَ على أحدِ ضربَين: فقدانَ كمالٍ، كالجهلِ فإنّه فقدانُ العلم؛ أو أن يكونَ أمرًا ثابتًا يُنافي كمالًا آخَرَ ويُفضي إلى فقدانِه، كالوَجَعِ فإنّه أمرٌ ثابتٌ قائمٌ بصاحبِه لكنّه يدلُّ على العَجزِ ويستلزمُ فَقْدَ تمامِ القُدرة.
ولأجلِ هذا لا يُوصَفُ الرَّبُّ تبارك وتعالى بشيءٍ ممّا يُنفى عنه إلّا وفي ذلك النَّفيِ إثباتُ أمرٍ ثابتٍ له، إذِ العَدَمُ المَحضُ لا كمالَ فيه ولا حَمدَ. كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فنَفى عن نفسِه السِّنَةَ والنَّومَ، وفي ذلك إثباتُ تمامِ حياتِه وتمامِ قيامِه بنفسِه وقيامِه على خَلقِه. وكذلك قولُه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ففيه إثباتُ تمامِ قُدرتِه. وقولُه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ففيه إثباتُ تمامِ عِلمِه.
وممّا يَلزَمُ من كونِ الكمالِ أمرًا ثابتًا: أنّه لا بُدَّ أن يكونَ ممكنًا في نفسِه غيرَ مُحالٍ، فما كان مُحالًا لم يكن كمالًا، وما ثَبَتَ أنَّه كمالٌ لم يكن مُحالًا.
وتنبَّهْ أنَّ الكمالَ على ضَربَين: أحدُهما: الكمالُ المطلق، وهو الذي لا نَقصَ فيه من وجهٍ من الوُجوه أصلًا، فهو كمالٌ للموجودِ من جهةِ ما هو موجودٌ، لا يكونُ نَقصًا في حقِّ موصوفٍ البتَّةَ، كالعلمِ والقدرةِ وما جرى مَجراهُما. ومِن سبيلِ معرفةِ ذلك: أن تُقَدِّرَ موجودَين أحدُهما متَّصفٌ بهذا الوصفِ والآخَرُ متَّصفٌ بخلافِه، فيَظهرُ لك أيُّهما أكمل.
والضَّربُ الثاني: الكمالُ النسبي، وهو ما يستلزمُ نقصًا مع ما فيه من كمالٍ، فيكونُ كمالًا من وجهٍ دون وجهٍ، كالأكلِ للجائعِ فإنَّه كمالٌ له، وهو للشَّبعانِ نَقصٌ، لأنَّه ليس كمالًا مَحضًا بل هو مقرونٌ بالنَّقص. فهذا الضَّربُ إنَّما هو كمالٌ لنوعٍ من الموجوداتِ دون نوعٍ، فلا يكونُ كمالًا للموجودِ من جهةِ ما هو موجودٌ.
ولهذا كان من الكمالاتِ ما هو كمالٌ للمخلوقِ وهو نَقصٌ في حقِّ الخالقِ سبحانه، كسائر ما يستلزَمَ جوازَ الفَناءِ والعَدَمِ عليه المُنافيَ لوُجوبِه وقيامِه بنفسِه، أو استلزَمَ الحُدوثَ المُنافيَ لأوَّليَّتِه وقِدَمِه، أو استلزَمَ الافتقارَ المُنافيَ لغِناه.
كالأكلِ والشُّربِ، فإنَّ الصَّحيحَ من الحيوانِ الذي يَشتهي الطَّعامَ والشَّرابَ أتَمُّ حالًا من السَّقيمِ الذي لا يشتهيهما، لأنَّ قِوامَه بهما، فإذا قُدِّرَ غيرَ قابلٍ لهما كان أنقَصَ من القابلِ لهذا الكمالِ. لكنَّ هذا يستلزمُ حاجةَ الآكلِ الشَّاربِ إلى غيرِه، وهو ما يَدخُلُ فيه من الطَّعامِ والشَّرابِ، ويستلزمُ خُروجَ شيءٍ منه كالفُضول. ومَن لا يحتاجُ إلى أن يدخُلَ فيه شيءٌ أتَمُّ ممَّن يحتاجُ إلى ذلك، ومَن يتوقَّفُ تمامُه على غيرِه أنقَصُ ممَّن لا يتوقَّفُ تمامُه على غيرِه، فإنَّ الغَنيَّ عن الشيءِ أعلى من الغنيِّ به، والغَنيَّ بنفسِه أتَمُّ من الغنيِّ بغيرِه.
واعلم أنَّ كلَّ ما يُحمَدُ فإنّما يُحمَدُ على ما له من أوصافِ الكمالِ، وكلُّ ما يُحمَدُ عليه الخلقُ فهو من الخالقِ، والذي منه ما يُحمَدُ عليه هو أَولى بالحمدِ. فثَبَتَ أنَّه سبحانه هو المستحقُّ للمَحامدِ كلِّها، وأنَّه أَولى بالحمدِ من كلِّ محمودٍ، وأتَمُّ كمالًا من كلِّ كاملٍ، وهو المطلوبُ.
فصل في برهان ثبوت الكمال
يُقالُ: هذا الرَّبُّ الواجبُ الذي لم يزَل ولا يزالُ، خالقُ كلِّ شيءٍ، لا يخلو: إمّا أن يكونَ الكمالُ التَّامُّ الذي لا نَقصَ فيه — وهو ممكنٌ في نفسِه غيرُ مُحالٍ — جائزًا له، وإمّا ألّا يكون. والثاني باطلٌ، وبيانُه من وجهَين:
الوجهُ الأوّلُ: أنَّ هذا الكمالَ الذي هو ممكنٌ في نفسِه ولا نَقصَ فيه قد ثَبَتَ بالفعلِ لبعضِ المخلوقاتِ المُحدَثةِ التي لا تقومُ بأنفُسِها. والمخلوقُ المُحدَثُ ناقصُ الوجودِ من جهةِ كونِه مُفتقِرًا إلى غيرِه، مسبوقًا بالعَدَم.
والرَّبُّ الواجبُ بنفسِه أتَمُّ وجودًا من كلِّ مُحدَثٍ؛ لأنَّه غنيٌّ بذاتِه، دائمُ الوجودِ، غيرُ مُفتقِرٍ إلى شيءٍ. فإذا جازَ هذا الكمالُ لِما هو أنقَصُ وجودًا، فجوازُه لِما هو أتَمُّ وجودًا وأبعد عن العدم من كل وجه أَولى وأَحرى؛ إذ لا يُعقَلُ أن يَقبَلَ الأدنى ما لا يَقبَلُه الأعلى في بابِ الكمالاتِ الوجودية.
وبيانُ لزومِ ذلك: أنَّ كِلا الطَّرَفَين يشتركانِ في كونِهما موجودَين، والكمالُ المذكورُ كمالٌ وجودي لا يستلزمُ نقصًا، فما ثَبَتَ جوازُه للموجودِ من جهةِ ما هو موجودٌ لا يُنزَعُ عن موجودٍ أكمل منه، وإلّا لكانَ الأنقَصُ أقبَلَ للكمالِ من الأتَمِّ، وذلك مُحالٌ.
ويُؤكَّدُ هذا بعكسِه: لو لم يَقبَلِ الواجبُ هذا الكمالَ الجائزَ للموجودِ، لكانَ المُحدَثُ المخلوقُ أَولى بألّا يَقبَلَه — لأنَّه أنقَصُ — فلا يَثبُتُ لشيءٍ من الموجوداتِ البتَّةَ.
الوجهُ الثاني: أنَّ المُعطيَ أَولى بما يُعطي، وبيانُه: أنَّ كلَّ كمالٍ في المخلوقِ فهو مُستفادٌ من الخالقِ، والذي يُعطي غيرَه شيئًا فهو أحَقُّ بذلك الشيءِ من المُعطَى؛ لأنَّ فاقدَ الشيءِ لا يُعطيه. فمَن جَعَلَ غيرَه قادرًا فهو أَولى بالقُدرة، ومَن عَلَّمَ غيرَه فهو أَولى بالعِلم، ومَن أَحيا غيرَه فهو أَولى بالحياة. فكلُّ كمالٍ ثابتٍ للمصنوعِ فهو أَثَرٌ من آثارِ صانعِه، والصَّانعُ أَحَقُّ بأَثَرِه.
ويدُلُّك على ذلك: أنَّه لو كانَ الواجبُ ناقصًا مع كونِه الصَّانعَ التَّامَّ لكلِّ ما سِواه — والنَّقصُ: إمّا فَقدُ كمالٍ أو أمرٌ يستلزمُ فَقدَه كما تقدَّم — للَزِمَ أن يكونَ الفَقدُ مُنتِجًا للثُّبوت، وأن يكونَ غيابُ الكمالِ سببًا في حصولِه. وهذا مُحالٌ ببَداهةِ العقل؛ لأنَّ المعدومَ لا يُنتِجُ الموجودَ.
فإذا عَلِمتَ أنَّ ذاتَ الرَّبِّ تَقبَلُ الكمال، لَزِمَ أنْ يكونَ هذا التَّمامُ ثابِتًا له لا مَحالَةَ. وذلك أنَّ الشيءَ إذا كان قابِلًا لِلصِّفةِ فلا تَنصَرِفُ عنه إلا لِمانِعٍ يَمنعُها، والرَّبُّ الغنيُّ لا مانِعَ له؛ فلو قُلتَ إنَّ المانِعَ من ذاتِه، لكان هذا تَنَاقُضًا، إذْ كيفَ تَقْبَلُ الذَّاتُ ما تَمنعُه؟ ولو قُلتَ إنَّ المانِعَ من غيرِه، لكان الرَّبُّ مُحتاجًا إلى ذلك الغيرِ، ومَنْ كان مُحتاجًا لغيرِه في كَمالِه لم يكن غنيًّا بنفسِه.
وبيان آخر بأن يقال: أن هذا الغيرُ الذي يُفتقَرُ إليه لا يخلو: إن كان مصنوعًا للواجبِ — مخلوقًا له — لَزِمَ من ذلك الدَّوْرُ المُحالُ، فإنَّ كلَّ ما في المصنوعِ من الأمورِ الثابتةِ فهو من الصَّانعِ. فلو كان الواجبُ يَستفيدُ كمالَه من مصنوعِه: لم يَحصُل الكمالُ للواجبِ حتّى يَحصُلَ لمصنوعِه، ولم يَحصُل لمصنوعِه حتّى يَحصُلَ للواجبِ — لأنَّ جاعلَ الكاملِ كاملًا أَحَقُّ بالكمال — فيتوقَّفُ كلٌّ منهما على الآخَرِ، وذلك الدَّوْر. وهو مُحالٌ، لأنَّ الشيءَ يمتنعُ أن يكونَ صانعًا لنفسِه، فأن يمتنعَ أن يكونَ صانعًا لصانعِه أَولى.
وإن كان واجبًا آخَرَ بنفسِه يُكمِّلُه، لَزِمَ من ذلك: أن يكونَ ذلك الغيرُ هو الرَّبَّ الكاملَ على الحقيقةِ، ويكونَ الأوَّلُ مصنوعًا مربوبًا، فيَنتقلُ الكلامُ إلى ذلك الواجبِ الكاملِ — وهو المطلوبُ.
أو يُدَّعى أنَّ كلًّا منهما يُعطي الآخَرَ كمالَه: وهذا يستلزمُ الدَّوْرَ المُحالَ في التأثير: فلا يكونُ هذا كاملًا حتّى يُكمِّلَه الآخَرُ، ولا يُكمِّلُه الآخَرُ حتّى يكونَ كاملًا في نفسِه، ولا يكونُ كاملًا حتّى يُكمِّلَه الأوَّلُ. وهكذا دَوَالَيك. فلا يحصُلُ الكمالُ لأيِّ منهما ألبتَّةَ. بل لو قيلَ: لا يكونُ كاملًا حتّى يَجعلَ نفسَه كاملًا، ولا يَجعلُ نفسَه كاملًا حتّى يكونَ كاملًا — لكان ذلك مُمتنِعًا؛ فكيف إذا توسَّطَ بينهما غيرٌ يحتاجُ هو أيضًا إلى مَن يُكمِّلُه؟!
فتعيَّنَ بهذا البيانِ الباهر: وجوبُ ثبوت الكمالِ المنزه عن كل نقص للرَّبِّ جَلَّ ثناؤه.
فصل في جواب إشكالات
فإن قيلَ: قولُكم بأنَّه لا يكونُ كاملاً إلّا بالاتِّصافِ بالصِّفاتِ اعترافٌ منكم بأنَّ كمالَ البارئِ موقوفٌ على غيرِه.
قيل: إن أرادَ السَّائلُ بذلك أنَّه إنَّما صارَ كاملاً بصفاتٍ اتَّصفَ بها من خارجٍ، فلا يكونُ كاملاً بذاتِه المجرَّدةِ عن هذه الصِّفات — فيُقال: هذا لا يتوجَّهُ إلّا لو أمكنَ وجودُ ذاتٍ مجرَّدةٍ عن هذه الصِّفات، أو أمكنَ وجودُ ذاتٍ كاملةٍ مجرَّدةٍ عنها. فإذا كانَ أحدُ هذَين ممتنِعاً امتنعَ كمالُه بدون هذه الصِّفات، فكيف إذا كانَ كلاهما ممتنِعاً؟
وقد قضى صريحُ العقلِ بأنَّ الذَّاتَ المسلوبةَ هذه الصِّفاتِ ليست كالذَّاتِ المتَّصِفةِ بها، فضلاً عن أن تكون أكملَ منها، بل قضى بأنَّ الذَّاتَ المتَّصِفةَ بها أكملُ — فعُلِمَ بالضَّرورةِ امتناعُ كمالِ الذَّاتِ بدون هذه الصِّفات.
فإن قيلَ بعد ذلك: لا تكونُ ذاتُه ناقصةً مسلوبةَ الكمالِ إلّا بهذه الصِّفات.
قيل: الكمالُ بدونِ هذه الصِّفاتِ ممتنِع، وعدمُ الممتنِعِ ليس نقصاً، وإنَّما النَّقصُ عدمُ ما يمكن.
وأيضاً: إذا ثبتَ أنَّه يمكنُ اتِّصافُه بالكمال، وأنَّ ما اتَّصفَ به وجبَ له، وامتنعَ تجرُّدُ ذاتِه عن هذه الصِّفات — كانَ تقديرُ الذَّاتِ منفكَّةً عنها تقديراً ممتنِعاً لا يُعتدُّ به.
وإذا قُدِّرَ للذَّاتِ تقديرٌ ممتنِع، وقيلَ: إنَّها ناقصةٌ بدونِه — كانَ ذلك دليلاً على امتناعِ ذلك التَّقدير، لا على امتناعِ نقيضِه. كما لو قيلَ: إذا ماتَ كانَ ناقصاً — فهذا يقتضي وجوبَ كونِه حيَّاً، لا أنَّه ناقصٌ بحياتِه. كذلك إذا كانَ تقديرُ الذَّاتِ خاليةً عن هذه الصِّفاتِ يُوجِبُ أن تكونَ ناقصةً — كانَ ذلك ممَّا يستلزمُ أن تكونَ موصوفةً بها وجوباً لا جوازاً، فسقطَ الاعتراضُ من أصلِه.
فإن قيلَ: قيامُ الأفعالِ الحادثةِ بالربِّ إن أوجبَ له كمالاً فقد استكملَ بغيرِه فيكونُ ناقصاً بذاتِه، وإن أوجبَ له نقصاً لم يَجُز اتِّصافُه بها، فما وجهُ الجواب؟
قيل: الكمالُ الذي يجبُ اتِّصافُه به هو الممكنُ الوجود الذي لا نقصَ فيه، وأمَّا الممتنعُ فليس من الكمالِ الذي يتَّصفُ به موجودٌ أصلاً. والحوادثُ المتعلِّقةُ بقدرتِه ومشيئتِه يمتنعُ وجودُها جميعاً في الأزلِ دفعةً واحدة، فلا يكونُ انتفاؤها في الأزلِ نقصاً، إذ انتفاءُ الممتنعِ ليس بنقص.
ثمَّ إنَّا إذا قدَّرنا ذاتَين: ذاتٌ تفعلُ شيئاً بعد شيءٍ وهي قادرةٌ على الفعلِ بنفسِها، وذاتٌ لا يمكنُها أن تفعلَ بنفسِها شيئاً البتَّة، بل هي كالجمادِ العاجزِ عن الحركة — كانت الأولى أكملَ من الثانيةِ بالضَّرورة. فعدمُ هذه الأفعالِ نقصٌ من حيثُ هو عجزٌ، وأمَّا وجودُها بحسبِ الإمكانِ فهو الكمال.
بيدَ أنَّا لا نُسلِّمُ أنَّ عدمَ هذه الأفعالِ نقصٌ مطلقاً في كلِّ حالٍ ووقت، ولا أنَّ وجودَها كمالٌ مطلقاً في كلِّ حالٍ ووقت. بل الحقُّ أنَّ وجودَها في الوقتِ الذي اقتضَتْه مشيئتُه وقدرتُه وحكمتُه هو الكمال، ووجودَها بدونِ ذلك نقصٌ وخروجٌ عن الحكمة. وعدمَها حيثُ اقتضَت الحكمةُ عدمَها كمالٌ لا نقص، ووجودَها حيثُ اقتضَت الحكمةُ وجودَها هو الكمالُ بعينِه.
وإذا كانَ الشيءُ الواحدُ يكونُ وجودُه تارةً كمالاً وتارةً نقصاً، وكذلك عدمُه — بطلَ التَّقسيمُ المطلقُ الذي بنى عليه المعترضُ سؤالَه.
ومثالُه: أنَّ المطرَ رحمةٌ بالخلقِ حينَ يحتاجونَ إليه، وعذابٌ حينَ يضرُّهم. فإنزالُه لحاجتِهم رحمةٌ وإحسان، والمحسنُ الرَّحيمُ متَّصفٌ بالكمال. وعدمُ إنزالِه حيثُ يكونُ ضرراً ليس نقصاً، بل هو أيضاً رحمةٌ وإحسان. فهو محسنٌ بالوجودِ حينَ كانَ الوجودُ رحمة، ومحسنٌ بالعدمِ حينَ كانَ العدمُ رحمة.
فإن قيلَ: ففي الإسلامِ إثباتٌ للنَّقائصِ للرَّب، كإثباتِكم الغضبَ والعجبَ والضَّحك.
قيل: نحن نعلمُ بالاضطرارِ أنَّا إذا قدَّرنا موجودَين: أحدُهما عندَه قوَّةٌ يدفعُ بها الفسادَ، والآخرُ لا فرقَ عندَه بينَ الصَّلاحِ والفساد — كانَ الذي عندَه تلك القوَّةُ أكملَ من الآخرِ بلا مِرية.
ولهذا يُذَمُّ من لا غَيرةَ له على الفواحشِ كالدَّيُّوث، ويُذَمُّ من لا حَمِيَّةَ له يدفعُ بها الظُّلمَ عن المظلومين. ويُمدَحُ الذي له غَيرةٌ يدفعُ بها الفواحشَ وحَمِيَّةٌ يدفعُ بها الظُّلم، ويُعلَمُ أنَّه أكملُ من ذاك. فثبتَ أنَّ هذه المعاني في أصلِها من صفاتِ الكمال.
فإن قيلَ: إنَّ هذه انفعالاتٌ نفسانيَّة تعتري الموجودَ من غيرِه.
قيل: كلُّ ما سوى اللهِ مخلوقٌ منفعِل، فكونُ هذه المعاني انفعالاتٍ فينا نحنُ، نعجزُ عن دفعِها ولا تكونُ إلّا لغيرِنا — لا يوجبُ أن يكونَ اللهُ كذلك منفعِلاً عاجزاً. بل كلُّ ما يجري في الوجودِ فإنَّه بمشيئتِه وقدرتِه، لا يكونُ إلّا ما يشاء، ولا يشاءُ إلّا ما يكون، له الملكُ وله الحمد.
وأمَّا الضَّحك: فقد قيلَ إنَّه خِفَّةُ روح. وهذا ليس بصحيح، وإن كانَ قد يُقارنُه أحياناً. ثمَّ إنَّ خِفَّةَ الرُّوحِ إن أُريدَ بها وصفٌ مذمومٌ فهذا إنَّما يكونُ فيمن يضحكُ ممَّا لا ينبغي أن يُضحَكَ منه. وأمَّا الضَّحكُ في موضعِه المناسبِ له فصفةُ مدحٍ وكمال. وإذا قُدِّرَ حيَّان: أحدُهما يضحكُ ممَّا يُضحَكُ منه، والآخرُ لا يضحكُ قطُّ — كانَ الأوَّلُ أكملَ من الثَّاني.
ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «يَنظُرُ إليكُم الرَّبُّ قانِطين، فيَظَلُّ يَضحَك، يَعلَمُ أنَّ فَرَجَكُم قَريب». فقالَ له أبو رَزينٍ العُقَيليّ: يا رسولَ الله، أَوَيَضحَكُ الرَّب؟ قال: «نعم». قال: لن نَعدَمَ من ربٍّ يضحكُ خيراً. فجعلَ هذا الأعرابيُّ العاقلُ بصحَّةِ فطرتِه ضحكَه دليلاً على إحسانِه وإنعامِه، فدلَّ على أنَّ هذا الوصفَ مقرونٌ بالإحسانِ المحمود، وأنَّه من صفاتِ الكمال. والشَّخصُ العَبوسُ الذي لا يضحكُ قطُّ مذمومٌ بذلك، وقد وُصِفَ يومُ العذابِ الشَّديدِ بقولِه تعالى: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾.
وأمَّا العَجَب: فإنَّه استعظامٌ للمُتَعجَّبِ منه، وقد يُقارنُه جهلٌ بسببِه إذا كانَ المُتعجِّبُ لا يعلمُ وجهَ خروجِ الشَّيءِ عن نظائرِه. واللهُ تعالى بكلِّ شيءٍ عليم، فلا يجوزُ عليه أن يجهلَ سببَ ما تعجَّبَ منه. بل يتعجَّبُ لخروجِه عن نظائرِه تعظيماً له في نفسِه. واللهُ تعالى يُعظِّمُ ما هو عظيمٌ في ذاتِه أو عظيمٌ بسببِه، وذلك من كمالِ علمِه وحكمتِه لا من نقصِه.
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المراجع:
ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال.
ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، الصفدية.
ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، درء تعارض العقل والنقل.
ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، شرح الأصبهانية – ت آل غيهب.
ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، منهاج السنة النبوية.




