أبحاث عقديةأبحاث شرعيةقضايا فلسفية

المَسَالِكُ المُحْكَمَة في نَقْضِ دعوَى وُجُوبِ الخَلْقِ مِنَ المادَّة

ثمانية أوجه مبطلة لبدعة امتناع الخلق من غير مادة سابقة!

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الخالق البارئ المصور، الذي خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}،لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو على كل شيء قدير.

والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين، محمد بن عبد الله، الذي بعثه الله بالتوحيد الخالص، فدعا الناس إلى إفراد الرب بالعبادة والربوبية والخلق، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد ظهر في هذه الأعصار نفرٌ من المنتسبين إلى السنة ممن انتسب إلى السنة ظاهرًا، وتلبّس بالسلفية زورًا، لكنه تشرّب من علم الكلام حتى صار ديدنه، وتضلّع من الفلسفة حتى غدت مشربه، فجمع بين دعوى السلفية التي يتستر بها، وبين التفلسف الذي هو حقيقة أمره، فخرج علينا ببدعة شنعاء ما سبقه إليها أحد من أهل الإسلام، ولا قال بها إمام من أئمة الهدى الأعلام.

وحاصل بدعتهم المنكرة: أنهم زعموا أن الخلق لا يكون إلا من مادة سابقة، وأن الله تعالى لا يقدر على خلق شيء من عدم محض، بل لا بد من وجود مادة قديمة يحوّلها ويشكّلها، فجعلوا الله – تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا – محتاجًا إلى المادة في خلقه كحاجة النجّار إلى الخشب، وسلبوا عنه حقيقة الخلق والإبداع الذي اختص به دون سائر المخلوقات.

ولقد أرادوا – زعموا – أن ينتصروا بهذه المقالة الشنيعة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فزعموا أن هذا مذهبه وأنهم يتبعون كلامه، وما أبعدهم عن مراده! بل حرّفوا كلامه عن مواضعه، وفهموا منه ما لم يُرده قط، وحملوا عباراته على غير ما أراد، ثم نسبوا إليه من الباطل ما هو برئ منه براءة الذئب من دم يوسف.

وهذا المقال الذي بين يديك – أيها القارئ الكريم – ليس موضوعه الرد على تحريفهم لكلام شيخ الإسلام، فذاك قد فُرغ منه في موضعه، وإنما المقصود هنا إقامة البراهين العقلية القاطعة على بطلان مذهبهم في نفسه، بغض النظر عن نسبته إلى ابن تيمية أو غيره.

فإن الباطل باطل ولو نُسب إلى أكبر الأئمة، ومقصودنا أن نُبيّن أن هذه البدعة فاسدة من أصلها، هادمة لأصول الدين، مناقضة للعقل قبل أن تكون مناقضة للنقل، مستلزمة للكفر من غير وجه، فلا يسوغ لمسلم أن يعتقدها أو يقول بها أو يقف فيها.

وما قصدت بهذه الورقات إلا أن أزجر جاهلهم، وأوقظ غافلهم، فإن كثيرًا من الناس قد يقرر القول ولا يتنبه إلى لوازمه، ويعتقد المقالة ولا يميز ما يقتضيه موجبها، والعاقل من إذا نُبّه انتبه، وإذا ذُكر تذكر، وما بعد البيان عذر.

والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبي ونعم الوكيل.

الوجه الأول

يقال لكم: المادة السابقة واللاحقة لا تخلو: إما أن يكون بينهما قدر مشترك من المادة، أو لا يكون: فإن قلتم: ثمة بينهما أمر مشترك باقٍ واجب البقاء، لزمكم أن هذا الأمر المشترك الباقي لم يزل ولا يزال، فهو قديم أزلي لا أول لوجوده. فإذا كان هذا القدر المشترك قديمًا أزليًا، صار مقارنًا للرب تعالى في القِدَم، لم يتقدمه الرب بزمان، فلا يكون سبحانه هو الأول المطلق الذي ليس قبله شيء، بل يكون معه غيره في الأزل، وهذا شرك في الربوبية = ممتنع عقلاً، وكفر شرعًا.

وإن قلت: بل لا أمر مشترك بين السابقة واللاحقة البتة -كما هو نص كلام الشيخ تقي الدين في النبوات-، بل تفنى السابقة فناءً كليًا حتى لا يبقى منها ذرة ولا جزء، ثم توجد اللاحقة بعد عدم محض، قيل لك: يا أحمق، إن سوَّغتم في العقل إفناء المادة السابقة إفناءً كليًا، ثم إيجاد المادة اللاحقة بعد العدم، فقد أقررتم بجواز إيجاد المادة عن العدم المحض! وإذا جاز ذلك، فأي معنى لاشتراط المادة السابقة أصلاً؟! فإن المادة الأولى لو كان لها مدخلية في الإيجاد لم يجز فنائها بالكلية، فإن جاز لم يكن لها مدخلية = فيبطل الاشتراط؛ وهذا بين، فإن تأثير المشروط بشرط يوجب وجود شرطه، وقد فرضنا وجوب فنائه! فإما أن لا تأثير أو لا اشتراط، والأول باطل فتعين الثاني.

وإذا جاز ذلك بعد الإفناء، جاز مثله ابتداءً، بل يكون أولى، إذ لا فرق بين الإيجاد بعد العدم الطارئ، وبين الإيجاد بعد العدم الأصلي، إذ المعنى المعتبر – وهو الإيجاد عن العدم – حاصل في الحالين. والجهة منفكة انفكاكًا ظاهرًا، فليس في العقل ما يوجب توقّف الإيجاد على إفناء مادة قبلها.

فظهر بهذا: أنكم على التقديرين في تناقض بيِّن، فإما أن تُقِرّوا بقِدَم جزء من المادة فتكفروا، أو تُقِرّوا بجواز الخلق من العدم فيبطل مذهبكم ويثبت مذهب أهل الحق. ولا محيد لكم عن أحد الأمرين، والحمد لله رب العالمين.

الوجه الثاني

يقال لكم: الإمكان الذي يُصحِّح تعلق القدرة بالشيء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون هو الإمكان الذاتي الثابت للشيء من حيث هو هو وليس غيره، أو يكون هو إمكان الوقوع الخارجي المتوقف على أسبابه وشروطه، ولا ثالث لهذين في المعقول.

فإن قلتم: المصحِّح لتعلق القدرة هو إمكان الوقوع الخارجي لا الإمكان الذاتي، قيل لكم: أن إمكان الوقوع الخارجي تابع للقدرة عليه، لا متبوع لها. فإن الشيء إنما يكون ممكن الوقوع في الخارج إذا تحققت قدرة الفاعل عليه. فإن جعلتم إمكان الوقوع شرطًا للقدرة، والقدرة شرطًا لإمكان الوقوع، لزمكم الدور القبلي الممتنع: إذ يكون كل منهما متوقفًا على الآخر قبل تحققه، فلا يتحقق واحد منهما البتة.

وإن قلتم: بل المصحِّح لتعلق القدرة هو الإمكان الذاتي لا إمكان الوقوع الخارجي، قيل لكم: الإمكان الذاتي ثابت للشيء لذاته، لا لأمر خارج عنه. فالممكن إنما هو ممكن لأن نفسه لا تقتضي وجوده ولا تمنع وجوده، فهو في ذاته لا واجب ولا ممتنع، سواء قُدِّر معه شيء آخر أو لم يُقدَّر.

فإن كان الشيء لا يكون مقدورا إلا مع تقدير مادة، فالإمكان الذي تذكرونه ليس ثابتا لذات الممكن، بل لذات مركبة من الممكن ومن مادته، وهذا نقض لتعريف الإمكان.

وإن كان الشيء ممكنا لذاته، سواء قدرت مادة أو لم تقدر، فقد ثبت: أن الإمكان الذاتي لا يفتقر عقلا إلى مادة، ومن ثم فالقدرة غير موقوفة على المادة؛ وهذا هو المعقول الصريح والمنقول الصحيح، والحمد لله رب العالمين.

الوجه الثالث

يقال لكم: القدرة من حيث حقيقتها ومعناها تستلزم الاستغناء التام بها عن غيرها في تحصيل المقدور، فإن حقيقة القادر هو: المستغني بذاته وصفته عن كل ما سواه في إيجاد مقدوره، لا المحتاج إلى شرط خارج عن ذاته وصفاته.

فإذا قلتم: الخلق لا يتم إلا بوجود مادة سابقة، فقد جعلتم ما به الإيجاد حصتين:

  • حصة من جهة الرب: وهي القدرة على التحويل والتشكيل.
  • حصة من جهة المادة: وهي كونها محلاً قابلاً للتحويل والتشكيل.

فيلزمكم: أن الرب غير مستغنٍ بقدرته وحدها في إيجاد المقدور، بل هو محتاج إلى وجود المادة حتى يتم الإيجاد. وهذا سلب لحقيقة معنى القدرة، فإنه لا معنى للقادر إلا: المستغني في إيجاد مقدوره عن كل ما سواه من الأمور الخارجة عن ذاته وصفاته.

فنقول لكم: الرب تعالى في إيجاد المخلوق إما مستغنٍ بقدرته عن وجود المادة، أو غير مستغنٍ بها، ولا ثالث.

فإن قلتم: هو مستغنٍ بقدرته عن المادة في إيجاد المخلوق، ثبت المطلوب وهو جواز الخلق من غير مادة، وبطل قولكم بوجوب المادة.

وإن قلتم: هو غير مستغنٍ بقدرته عن المادة، قيل لكم: فهذا القدر الزائد الذي تحتاجون إليه إما أن يكون ممكنا بذاته أو ممتنعا: فإن كان ذلك القدر ممكناً في ذاته، فقد أثبتم العجز بعينه؛ لأن العجز إنما هو فقد القوة الممكنة، فما افتقر إلى ممكن خارج لم يكمل بنفسه، بل كان قاصراً عن حد القدرة التامة.

وإن كان ممتنعاً في ذاته، لزم أن القدرة ممتنعة على كل وجه، سواء مع المادة أو بدونها؛ لأن الشيء إذا كان ممتنعاً في نفسه لم يصح فرض حصوله لا بشرط ولا بشرط، فيبطل حينئذ معنى القدرة أصلاً.

فظهر بهذا التقسيم أنكم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تُقِرّوا: أن القدرة الإلهية كاملة مستغنية عن المادة، فيثبت جواز الخلق عن عدم ويبطل قولكم بوجوب المادة.

أو تُقِرّوا: أن القدرة الإلهية ناقصة محتاجة إلى المادة، فيلزمكم نسبة العجز إلى الله، أو نسبة انتفاء القدرة بالكلية؛ وكلاهما كذب في المعقول، وكفر بالمنقول.

فتعيّن: ثبوت القدرة الكاملة لله تعالى لا بشرط وجود المادة، فجاز الخلق من عدم محض، وهذا هو مذهب أهل الحق والتوحيد، والحمد لله رب العالمين.

الوجه الرابع

يقال لهم: إن دعواكم امتناع الخلق بلا مادة، إما أن يكون مستندها الشرع، أو العقل.

فإن قلتم: الشرع دل على ذلك، قيل: كذبتم، فإنه لا في الكتاب ولا في السنة ما يدل على اشتراط مادة سابقة في الخلق، وإنما غاية ما فيهما إثبات وقوع الخلق من مادة سابقة، وهذا لا يقتضي أن وجودها شرط لازم.

إذ ليس كل ما وقع وقع لامتناعه بدون شرطه، بل قد يقع الحاصل لا لوجوب شرطه، بل لمحض مشيئة الرب فيه، كما أنه سبحانه فعل الحسن لا لامتناع القبيح عليه عقلاً – على مذهب أهل السنة – بل لأنه اختار الأكمل لحكمته، مع جواز غيره.

بل السمع يدل على ضد ما زعمتم، فإن الله تعالى قال:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

وهذا نص في تعليق الإيجاد على الإرادة وحدها، من غير أن يُذكر معها شرطٌ من مادة أو محل، ولو كانت المادة شرطًا واجبًا لذُكرت في مقام البيان عن القدرة.

فدل على أن الأمر عند إرادته كافٍ في إيجاد المقدور، وأنه لا يتوقف إلا على محض إرادته وقدرته، لا على مادة خارجة عنه.

وإن قلتم: بل هذا معلوم بالعقل، قلنا: هذا العقل الذي تحتجون به، إما أن يدل عليه بالضرورة، أو بالنظر.

فإن قلتم: بالضرورة، فلا يخفى ما في ادعائها من المكابرة، فإنكم معترفون بأن تقرير مذهبكم هذا موقوف على مقدمات نظرية فلسفية، في حقيقة الإمكان، وفي الأمور العامة، ونحو ذلك مما لا يحضره الذهن ابتداءً بلا كسب ولا روية، بل لا يتصوره إلا من تمرَّس بصناعة المنطق، وطالع كتب الفلسفة، وتدرَّب بالجدل، فكيف يُدعى بعد هذا أنه معلوم بالبداهة والضرورة؟!

وإن قلتم: بل هو معلوم بالنظر والاستدلال، قيل لكم: إذا كان فهم دليل مقالتكم لا يحصل إلا بعد رياضة الذهن بصناعة المنطق الأرسطي، والتوغُّل في الفلسفة، والمران على طرق الجدل، كان تصوّر ذلك الدليل وابتداعُه أولى أن يكون موقوفاً على تلك الصنائع.

فإذا تقرر أن الصحابة الكرام وسلف الأمة لم يعرفوا من هذه الفلسفة والمنطقيات الأرسطية شيئاً، وجب خلوُّ نفوسهم من هذا الدليل الذي تزعمونه على الامتناع، مع أنهم كانوا أعلم الخلق بربهم، وأثبت الناس توحيداً، وأكملهم عقلاً وفطرة.

فإذا كان الأمر كذلك، بقي في نفوسهم أصل الإمكان المشهود بالفطرة والعقل، المعلوم بقياس الأولى من خلق الله نفساً واحدة ثم جعل منها ذرية كثيرة، ومن خلقه سبحانه الشيءَ من العدم، أن إيجاد شيء آخر من غير مادةٍ سابقةٍ ممكن لا يمتنع. فتعين أن مقالتكم في اشتراط المادة مخالفةٌ لما كان عليه سلف الأمة، وأنها دسيسة فلسفية متأخرة، لا برهان عليها من عقل صريح، ولا من نقل صحيح.

الوجه الخامس

ويقال أيضاً: إن احتجاجكم بأنكم لم تنفوا قدرة الرب تعالى، وإنما نفيتم تعلقها بالممتنع، هو بعينه نظير مقالة القدرية: لم ننف علم الباري بأفعال العباد، وإنما نفينا ثبوت العلم الممتنع الذي يُفضي إلى مناقضة العدل الواجب له، إذ العدل واجب له، ونقيض الواجب ممتنع، والخلو عن الممتنع ليس بنقص.

فإن كان هذا الاعتذار عندكم سائغاً، فبمَ تبطلون قول المعتزلي حين يقول: عدم العلم بما يمتنع العلم به لا يسمّى جهلاً، بل الجهل إنما يكون في الممكن العلم؟

فإن أنكرتم عليه وقلتم: لا معنى لعدم العلم إلا الجهل، ثم قلتم: امتناع الجهل على الرب يدل على فساد ما ادعيتموه من لزوم نفي العلم بحجة امتناع المناقضة للعدل؛ قيل لكم بمثله سواءً بسواء: لا معنى لعدم القدرة على الممكن لذاته إلا العجز، كما لا معنى لعدم العلم إلا الجهل.

فإذا قلتم: إن القدرة لا تتعلق بالإيجاد بعد فناء سائر المواد، فقد نسبتموه إلى العجز عن الممكن، لأن الممكن لا يمتنع تعلق القدرة به، وعجز القادر عن الممكن محال في حقه سبحانه.

فكما أن امتناع الجهل على الله سبحانه شاهد على فساد تعليل المعتزلة بنفي العلم، فكذلك امتناع العجز عليه شاهد على فساد تعليلكم بنفي القدرة.

وكما أن السلف قد كفروا هؤلاء، لأن اللازم الظاهر يجري مجرى المقالة، فلم يعتبروا ما احتجوا به موجبا للاشتباه، فكذلك نقول في مقالتكم سواء بسواء.

الوجه السادس

يقال لكم: كل مخلوق هل هو قابل للفناء لذاته؟ فإن قلتم: بل المخلوق ممتنع الفناء لذاته، كذبتم على المعقول وكفرتم بالمنقول. وإن قلتم: بل المخلوق ممكن الفناء في ذاته قابل له، قيل لكم: كل ما أمكن فناؤه في ذاته، أمكن إفناؤه بالقدرة، إذ الإمكان الذاتي يستلزم إمكان تعلق القدرة به. وكل فعل ممكن في ذاته، فالقوة على فعله ممكنة في ذاتها.

فيقال لكم: هل يقدر الرب تعالى على إفناء جميع المخلوقات حتى لا يبقى شيء منها، أم لا يقدر على ذلك؟

فإن قلتم: الرب لا يقدر على إفناء جميع المخلوقات، فقد نسبتم إليه العجز، إذ لا معنى للعجز إلا: عدم القدرة على الفعل الممكن لذاته. وقد أقررتم بأن فناء كل مخلوق ممكن لذاته، فعدم القدرة على إفنائه عجز صريح، فتكفرون بنسبة النقص إلى الله، مع كذبكم على المعقول إذ العقل يقضي بأن القادر على إفناء كل واحد قادر على إفناء الجميع، ومع كذبكم على المنقول إذ الشرع قاطع بأن الله على كل شيء قدير.

فإن قلتم: بل نحن لم ننسب العجز إلى الرب، وإنما قلنا: إن الفعل نفسه – وهو إفناء الجميع – ممتنع لذاته لا ممكن، فلا يدخل تحت القدرة، قيل لكم: أنكم قد أقررتم بأن فناء كل واحد من المخلوقات ممكن لذاته، فإذا كان فناء كل واحد ممكنًا لذاته، فكيف يكون فناء الجميع ممتنعًا لذاته؟ الجميع ليس إلا مجموع الآحاد، فإن كان فناء كل فرد ممكنًا، كان فناء المجموع ممكنًا بطريق الأولى، إذ المجموع لا يزيد في الحقيقة على مجموع أفراده.

فحاصل قولكم جمع بين النقيضين: إذ أثبتم إمكان الفناء لكل مخلوق، ثم أثبتم امتناع الإفناء لجميع المخلوقات، والإمكان والامتناع نقيضان لا يجتمعان. فإن كان الفناء ممكنًا في ذاته، فالإفناء ممكن بالقدرة التامة. وإن كان الإفناء ممتنعًا، فالفناء ممتنع لا ممكن، فلا يجوز أن تقولوا: الفناء ممكن والإفناء ممتنع، فإن هذا تناقض صريح.

فقولكم بامتناع إفناء الجميع يستلزم أحد أمرين:

  • الأول: أن تكون المخلوقات مستغنية عن الله في بقائها، إذ لو كانت محتاجة إليه في بقائها لقدر على إفنائها، فإذا لم يقدر على إفنائها فهي مستغنية عنه، وهذا كفر ظاهر.
  • الثاني: أن تكون القدرة الإلهية عاجزة عن فعل ممكن لذاته، وهو الإفناء، إذ قد أقررتم بأن كل مخلوق ممكن الفناء، فعدم القدرة على إفناء ما هو ممكن الفناء عجز محض، وهو كفر.

فظهر: أنكم على كل تقدير في كفر بيِّن: إما بتعجيز الرب وإما بإثبات الاستغناء للمخلوق.

الوجه السابع

كل حكم يثبت لذات الشيء من حيث هي، لا يتغير بوجود غيره ولا بانتفائه، فإن الأحكام الذاتية ثابتة للذوات بحسب حقائقها لا بحسب أمور خارجة عنها.

فيقال لكم: تعلق القدرة الإلهية بإفناء المخلوق هل هو حكم ثابت لذات المخلوق من حيث كونه ممكنًا قابلاً للفناء، أم هو حكم ثابت بشرط وجود مخلوقات أخرى معه؟

فإن قلتم: تعلق القدرة بإفناء المخلوق ثابت لذات المخلوق من حيث هو ممكن قابل للفناء، بحيث يكون الله قادرًا على إفنائه سواء وُجدت معه مخلوقات أخرى أم لم توجد، ثبت المطلوب، وهو أن الله قادر على إفناء جميع المخلوقات، فإن قدرته على إفناء كل واحد لا تتوقف على بقاء الآخر، فيقدر على إفناء الجميع.

وإن قلتم: بل تعلق القدرة بإفناء المخلوق يتغير بحسب وجود غيره أو انتفائه، فالله قادر على إفناء المخلوق ما دام معه غيره من المخلوقات، فإذا لم يبق إلا هو وحده صار إفناؤه ممتنعًا، قيل لكم: هذا جمع بين النقيضين من وجهين:

  • الوجه الأول: أنكم أثبتم أن القدرة متعلقة بإفناء كل فرد على الانفراد، إذ كل واحد منها ممكن الفناء لذاته، ثم قلتم: القدرة غير متعلقة بإفناء الفرد الأخير حال انتفاء ما سواه. فأثبتم التعلق ونفيتموه في آن واحد بالنسبة إلى شيء واحد بعينه، وهذا تناقض صريح.
  • الوجه الثاني: أن المخلوق الأخير إن كان ممكن الفناء لذاته – كما أقررتم – فالقدرة متعلقة بإفنائه، سواء كان معه غيره أم لم يكن، إذ العبرة بإمكان ذاته لا بوجود غيره. وإن كان ممتنع الفناء حال انفراده، فكيف صار ممتنعًا لذاته بعد أن كان ممكنًا؟ وما الذي غيّر حقيقته حتى انقلب من الإمكان إلى الامتناع؟ فلا بد أن تقولوا: إما أن إمكان فنائه ذاتي لا يتغير، فيُفنى ولو كان وحده، أو أنه ليس بممكن الفناء لذاته بل بشرط وجود غيره، وهذا القول الثاني يناقض إقراركم بأن كل مخلوق ممكن الفناء لذاته.

فتبيّن بهذا: أن قولكم باطل من جميع الوجوه، وأنكم واقعون في الكفر على كل تقدير: إما بتعجيز الرب، أو بإثبات استغناء المخلوق، أو بالجمع بين النقيضين. وصار الحق بيِّنًا وهو: أن الله قادر على إفناء جميع المخلوقات، وقادر على خلق مخلوق جديد بعد إفنائها من عدم محض لا من مادة، فثبت جواز الخلق من عدم وبطل قولكم بوجوب المادة، والحمد لله رب العالمين.

الوجه الثامن والأخير

يقال لكم: القدرة على الخلق إما أن تكون ثابتة للرب حال انفراده عن المادة، أو لا تثبت له إلا بوجود المادة معه، ولا ثالث.

فإن قلتم: بل القدرة ثابتة لكل واحد منهما حال انفراده، فلا يخلو: إما أن تنفرد المادة بالقدرة دون الرب، وهذا ظاهر البطلان بالضرورة. أو ينفرد الرب بالقدرة دون المادة، فلا يحتاج في خلقه إلى مادة سابقة، وهذا هو المطلوب.

وإن قلتم: بل القدرة لا تثبت للرب حال انفراده عن المادة، وإنما تثبت له بوجود المادة معه؛ قيل لكم: هذه القدرة الحاصلة حال الاجتماع إما أن تحصل منهما، أو من غيرهما.

أما حصولها من غيرهما فباطل، إذ لو احتاج حصول القدرة إلى ثالث، لعاد السؤال: هل هذا الثالث قادر بذاته أم يحتاج إلى رابع؟ فيتسلسل إلى غير نهاية، وهو محال بالضرورة.

وأما حصول القدرة منهما معًا فأشد بطلانًا، إذ يلزم منه أن يجعل كل منهما الآخر قادرًا، فيكون الرب محتاجًا إلى المادة لتجعله قادرًا، والمادة محتاجة إلى الرب ليجعلها قادرة. وهذا دور قبلي ممتنع، فإن كلاً منهما يتوقف على الآخر قبل حصول القدرة له، فلا يحصل لواحد منهما قدرة البتة.

ثم يقال لكم على وجه آخر: اجتماع عاجزين لا يُنتج قادرًا البتة، كما أن اجتماع أعميين لا يُنتج بصيرًا، واجتماع جاهلين لا يُنتج عالمًا. فإن القدرة أمر وجودي إيجابي، لا يحصل من مجرد انضمام معدومين لها، إذ العدم لا يُنتج وجودًا. فإذا كان الرب – على زعمكم الباطل – غير قادر حال انفراده، والمادة غير قادرة حال انفرادها، فاجتماعهما لا يُنتج قدرة، إذ هو اجتماع عاجزين، واجتماع العاجزين لا يرفع العجز.

والحاصل: أن القدرة على الخلق إن كانت ثابتة للرب بذاته، فلا حاجة إلى المادة، ويثبت جواز الخلق من عدم. وإن لم تكن ثابتة له بذاته، بل تتوقف على المادة، لزم أن تكون صفة القدرة الإلهية ناقصة محتاجة إلى غير الله، وهذا محال وكفر. وإن قلتم: لا هذا ولا ذاك، بل القدرة حاصلة من اجتماعهما، فقد بيّنا استحالة ذلك.

فتعين بهذا: أن القدرة ثابتة للرب بذاته، غير متوقفة على وجود المادة، فيجوز الخلق من غير مادة، ويبطل قولكم بوجوب الخلق من مادة سابقة على جميع التقادير، ولله الحمد والمنة.

خاتمة

فهذه وجوه من الاعتراضات العقلية المحكمة، والإلزامات المنطقية القاطعة، أوردناها على من زعم أن الخلق لا يكون إلا من مادة سابقة، وأن الله لا يقدر على الإيجاد من العدم المحض، وقد تبيّن من مجموع هذه الوجوه بطلان مذهبهم من جميع الجهات، واستحالة قولهم على كل التقديرات، ووضح أنهم واقعون في محاذير عظيمة، وملزومون بلوازم فاسدة، لا ينفكّون عنها ولا يتخلصون منها مهما تلوّوا واحتالوا.

هذا وأنبهكم أن هذه الحجج جميعاً جارية على أصول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويعرف نظائرها في كتبه من عُني بمعرفة مذاهبه.

ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يُرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجنّبنا الزيغ والضلال، وأن يثبتنا على العقيدة الصحيحة والمنهج القويم، وأن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يُحيينا على السنة وأن يُميتنا عليها، وأن يحشرنا في زمرة نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تم بحمد الله وتوفيقه

كتبه آدم بن محمد المالكي في 3 جمادى الأولى 1447 هـ

راجيًا من الله القبول والسداد

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن المواقف السنية، وتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole