مقدمة
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ كتابَه بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، وجعلَه مُعجِزاً في نظمِه ومعناه إلى يومِ الدِّينِ، والصلاةُ والسلامُ على مَن أُوتيَ جوامعَ الكَلِمِ وبُعِثَ رحمةً للعالمينَ.
أمّا بعدُ: فإنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 5-7].
وقد جرى في هذا الزمانِ أن طعنَ طاعنونَ في هذه الآيةِ الكريمةِ، وتداولوا في مجالسِهم ومنتدياتِهم شُبهةً حاصلُها: أنَّ الآيةَ تزعُمُ — بحسبِ فهمِهم — أنَّ المنيَّ يخرجُ من موضعٍ بينَ العمودِ الفقريِّ والأضلاعِ، وأنَّ هذا مخالفٌ لما قرَّرَه علمُ التشريحِ الحديثِ من أنَّ المنيَّ يُصنَعُ في الخصيتَينِ المُستقرَّتَينِ في كيسِ الصَّفَنِ في الحوض، فيكونُ القرآنُ — في زعمِهم — قد جاءَ بخبرٍ يُناقضُ الواقع.
وهذه الشُّبهةُ وإن كانت واهيةَ الأساسِ عندَ مَن يُحسِنُ النظرَ، إلّا أنّها قد شاعتْ شُيوعاً عريضاً في شبكاتِ هذا العصرِ ومنابرِه، وصارَ يتناقلُها مَن لا بضاعةَ له في لسانِ العربِ ولا في أصولِ التفسيرِ، حتّى فُتِنَ بها أقوامٌ من ضِعافِ المسلمينَ، وظنّوا أنَّ العلمَ قد أبطلَ ما جاءَ به القرآنُ.
ولمّا رأيتُ هذه الشُّبهةَ قد استطارَ شرَرُها وعظُمَ خطَرُها على عوامِّ المسلمينَ، وأنَّ كثيراً ممّن ردَّ عليها لم يُوفِّها حقَّها من التحريرِ والتفصيلِ، رأيتُ أن أجمعَ في هذا البحثِ ما تفرَّقَ من كلامِ أهلِ العلمِ في معنى الآيةِ، وأن أحكيَ خلافَ المفسّرينَ فيها حكايةً منضبطةً تُبيِّنُ مأخذَ كلِّ قولٍ ودليلَه، وأن أُفرِدَ كلَّ وجهٍ من الأوجهِ التفسيريّةِ ببيانِ ما يُسوِّغُه من جهةِ اللسانِ وما يشهدُ له من جهةِ الواقعِ، حتّى يتبيَّنَ لكلِّ ذي عقلٍ أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ لا مطعن فيها بوجه، وأنَّ الطاعنَ فيها لم يُؤتَ من قِبَلِ القرآنِ بل أُتِيَ من قِبَلِ جهلِه بلسانِ العربِ وقصورِه في مدارِكِ التفسيرِ.
وقد رتَّبتُ هذا البحثَ على النحوِ الآتي: بدأتُ بحكايةِ خلافِ المفسّرينَ في الآيةِ مع بيانِ مآخذِ الخلافِ يُظهِرُ كيف تفرَّعَتِ الأقوالُ بعضُها من بعضٍ، ليقفَ القارئُ على أصل المسألة. ثمّ أفردتُ كلَّ قولٍ من الأقوالِ الكبرى ببحثٍ مستقلٍّ فيه نصرتُه وبيانُ أدلّتِه من جهةِ اللغةِ والتفسيرِ ومطابقتِه للواقعِ العلميِّ.
وأسألُ اللهَ أن يُوفِّقَنا للصوابِ وأن يجعلَ هذا البحثَ نافعاً لمن أرادَ الحقَّ ولم تأخُذْه العزّةُ بالإثمِ. وصلّى اللهُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.
حكاية خلاف المفسرين
قال اللهُ تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 5-7].
فإن هذه الآية من المواضع التي كثر فيها كلام المفسّرين، وتشعّبت فيها وجوه التأويل، لا من جهة أصل المعنى العام، فإنهم متّفقون على أن المقصود تذكير الإنسان بأصل خلقه، وإقامة الحجة عليه في إمكان إعادته؛ ولكن من جهة تحرير المراد بالصلب والترائب، وبيان إلى أي شيء يعود الضمير، ومن أي جهة يُفهم الخروج.
أما تفسير الصلب والترائب، فلم يقع في الصُّلبُ خلافٌ يُعتدُّ به، فهو عند أهلُ اللغةِ اتفاقا: الظَّهرُ أو عظمُ الظَّهرِ، وهو مأخوذٌ من الصلابةِ والشدّةِ لأنّه دِعامةُ البدنِ ومحلُّ قِوامِه. فلا خلافَ بينَهم أنَّ المرادَ بالصُّلبِ جهةُ الظَّهرِ من الإنسانِ، أي العمودُ الفقريُّ وما يتّصلُ به.
وأما الترائب فهي جمع تريبة، قد تعدَّدتْ عباراتُ المفسّرينَ وأهلِ اللغةِ في تحديدِها، وجميع ما ذكروا يرجع إلى معنىً واحد، وهو: مُقدَّمُ الجِذعِ من أعلاه، أي ناحيةُ الصدرِ وما يتّصلُ به من الأضلاعِ والترقوتَينِ وموضعِ القِلادةِ. وإنّما وقعَ التنوُّعُ في عباراتِهم لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم أشارَ إلى جزءٍ من تلك الناحيةِ أو وصفَها بوصفٍ يختلفُ عن وصفِ غيرِه: فمَن قال “موضعُ القِلادةِ” أشارَ إلى أعلى الصدرِ حيثُ تقعُ القِلادةُ.
ومَن قال “ما بينَ الثديَينِ” أشارَ إلى وسطِ الصدرِ. ومَن قال “أربعُ أضلاعٍ من ذا وأربعٌ من ذا” أشارَ إلى الأضلاعِ المحيطةِ بالصدرِ. ومَن قال “بينَ المنكِبَينِ والصدرِ” أشارَ إلى أعلى الجِذعِ من قُدّامٍ. ومَن قال “بينَ الترقوتَينِ والثندوتَينِ” حدَّدَ المنطقةَ بما بينَ أعلى الصدرِ وأسفلِه. ومَن قال “عظامُ الصدرِ” أجملَ ما فصَّلَه غيرُه.
فهذه كلُّها أوصافٌ لناحيةٍ واحدةٍ من البدنِ: ناحيةِ الصدرِ ومُقدَّمِ الجِذعِ. والفروقُ بينَها فروقُ تعيينٍ وتحديدٍ، لا فروقُ تضادٍّ وتناقضٍ. وهذا من عادةِ السلفِ في التفسيرِ: أن يُفسِّرَ كلُّ واحدٍ منهم اللفظَ بمثالٍ من أمثلتِه أو بجزءٍ من مسمّاه، ولا يعني ذلك أنّه يُنكرُ ما ذكرَه غيرُه، كما نبَّه على ذلك شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في مقدِّمتِه في أصولِ التفسيرِ حينَ قرَّرَ أنَّ اختلافَ السلفِ في التفسيرِ أكثرُه من بابِ اختلافِ التنوُّعِ لا اختلافِ التضادِّ.
وأما اختلاف المفسرين، فأوّلُ موضعٍ افترقَتْ فيه الأنظارُ هو الضميرُ المستترُ في الفعلِ ﴿يَخْرُجُ﴾: على مَن يعود؟ وللمفسّرينَ في ذلك مذهبانِ:
المذهبُ الأوّلُ: عودُه إلى “ماءٍ دافقٍ”
وهو قولُ الجمهورِ، ومأخذُهم أنَّ “ماءٍ دافقٍ” هو أقربُ مذكورٍ، وأنَّ جملةَ ﴿يَخْرُجُ﴾ صفةٌ ثانيةٌ للماءِ بعد “دافقٍ”، فيكونُ المعنى: خُلِقَ من ماءٍ دافقٍ خارجٍ من بينِ الصُّلبِ والترائبِ.
المذهبُ الثاني: عودُه إلى “الإنسانِ”
وهو وجهٌ ذكرَه ابنُ عطيّةَ والقرطبي والمهدوي احتمالا، وجزم به مكي بن أبي طالب. ومأخذُه: أنَّ الإنسانَ هو المحدَّثُ عنه في صدرِ الآياتِ ومحورُ السياقِ كلِّه، وأنَّ قاعدةَ عودِ الضميرِ إلى المحدَّثِ عنه أَولى من عودِه إلى أقربِ مذكورٍ حينَ تتضافرُ القرائنُ. وعضَّدوا ذلك بأنَّ الضمائرَ بعدَه — ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ و﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ — عائدةٌ على الإنسانِ اتّفاقاً.
وعلى هذا المذهبِ يكونُ المعنى: يخرجُ الإنسانُ — أيِ المولودُ — من بينِ صُلبِ أمِّه وترائبِها، فيكونُ المرادُ خروجَه من الرحمِ عند الولادةِ. والصُّلبُ والترائبُ حينئذٍ كلاهما للمرأةِ (الأمِّ).
والإشكال مندفع على هذا التقدير، إلا أننا نبين اندفاع على الإشكال حتى على مذهب الجمهور.
المفرَقُ الثاني: أعلى الحقيقةِ أم على الكنايةِ؟
مَن ذهبَ إلى أنَّ الصُّلبَ للرجلِ والترائبَ للمرأةِ افترقَ في طريقةِ تنزيلِ ذلك على ألفاظِ الآيةِ:
الوجهُ الأوّلُ: الحملُ على الحقيقة، وهو مذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف. وحجتهم: أن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى المجاز إلا بقرينة.
الوجهُ الثاني: الحملُ على الكناية، وهو وجهٌ نقلَه الماتريديُّ عن أبي بكرٍ الأصمِّ، ومبناه أنَّ “الصُّلبَ” كنايةٌ عن الرجلِ وقوّتِه ونسلِه — كما في قولِه تعالى ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ —، وأنَّ “الترائبَ” كنايةٌ عن المرأةِ وأنوثتِها لغلبةِ استعمالِها في وصفِ محاسنِهنَّ في كلام العرب. فلا يُرادُ بالصُّلبِ العظمُ ذاتُه ولا بالترائبِ العظمُ ذاتُه، وإنّما يُرادُ الرجلُ والمرأةُ كنايةً. و”من بينِ” حينئذٍ تُفيدُ الصدورَ عن شيئَينِ بتضافرِهما، كقولِ العربِ: “يخرجُ من بينِ فلانٍ وفلانٍ خيرٌ كثيرٌ”.
واحتجوا: بأن العرب لم تكن جاهلة بأن المني يُصنع في الخصيتين، فقد كانت أمة رعوية تمارس إخصاء البهائم والعبيد وتُدرك أن قطع الخصيتين يُبطل القدرة على الإنجاب. لكنها عَدَلت عن التصريح إلى لفظ “الصلب” أدباً واحتشاماً وترفعاً في الخطاب، وهو مسلك العرب في كلامها الرفيع. والقرآن نزل على أرفع ما تعرفه العرب من البيان، فاستعمل الكناية التي يفهمها العربي ويستحسنها.
والإشكال مندفع على هذا الوجه ولكنا مستمرون حتى ندفع الإشكال على الوجهين.
المفرَقُ الثالث (لمن جعلَ الخارجَ هو الماءَ): لمَنِ الصُّلبُ والترائبُ؟
مَن ذهبَ إلى أنَّ الضميرَ في ﴿يَخْرُجُ﴾ يعودُ على الماءِ الدافقِ افترقَ عندَ سؤالٍ ثانٍ: هل الصُّلبُ والترائبُ في بدنٍ واحدٍ أم في بدنَينِ؟ وفي ذلك مذهبانِ:
المذهبُ الأوّلُ: الصُّلبُ للرجلِ والترائبُ للمرأةِ
وهو المشهور بين المفسرين، ويُروى عن طائفة من السلف ولا يصح أكثره، وأصح المروي فيه ما روى الطبري قال: حدثني ابن المثنى، قال: ثني سلم بن قتيبة، قال: ثني عبد الله بن النُّعمان الحُدَانيّ، أنه سمع عكرِمة يقول: ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) قال: صُلْب الرجل، وترائب المرأة. اهـ لا بأس به.
وحكي أن ابن أبي حاتم روى عن ابن عباس من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: “صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون الولد إلا منهما”. اهـ ولا يُدرى ما حكم إسناده فأصله مفقود، وشبيب بن بشر لين.
واختارَه الطبريُّ وابنُ كثيرٍ والقرطبي، بل هو المشهور في كتب التفسير. ومأخذُه أنَّ الصُّلبَ غلبَ استعمالُه في وصفِ الرجلِ ونسلِه — كقولِه تعالى ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ — وأنَّ الترائبَ غلبَ استعمالُها في وصفِ النساءِ في أشعارِ العربِ. فوزَّعوا اللفظَينِ على بدنَينِ، وجعلوا الماءَ الدافقَ مجموعَ ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ.
والطبريُّ صرَّحَ بأنَّ “من بينِ” معناها “منهما”، أي من الصُّلبِ ومن الترائبِ، فيكونُ الماءُ مُركَّباً من مصدرَينِ؛ الأول: ماء الرجل من صلبه، والثاني: ماء المرأة من عظام. وهذا قول مرجوح سيأتي بسط القول في إبطاله.
المذهبُ الثاني: الصُّلبُ والترائبُ كلاهما للرجلِ
وهو ثابت عن قتادة من السلف، قال الطبري: قال: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يقول: يخرج من بين صلب الرجل ونحره. اهـ صحيح
وهو قولُ ابنِ القيِّمِ وابنِ عاشورٍ وأشارَ إليه السعديُّ. ومأخذُه أنَّ الضميرَ في ﴿يَخْرُجُ﴾ عائدٌ على “ماءٍ دافقٍ” وهو واحدٌ مفردٌ لا مُثنّى، وأنَّ الدفقَ وصفٌ ظاهرٌ في ماءِ الرجلِ تحديداً لأنّه هو الذي يُحَسُّ اندفاعُه، وأنَّ الترائبَ ليست مقصورةً على المرأةِ لغةً بل هي عظامُ الصدرِ لكلِّ إنسانٍ. فيكونُ المعنى: أنَّ ماءَ الرجلِ يخرجُ من حيِّزٍ في بدنِه واقعٍ بينَ ظهرِه (الصُّلبِ) وصدرِه (الترائبِ). وهذا هو الأصح كما سيأتي.
إبطال تفسير: الصُّلبُ للرجلِ والترائبُ للمرأة
وأمّا القولُ بأنَّ المرادَ صُلبُ الرجلِ وترائبُ المرأةِ، فقولٌ مرجوحُ المأخذِ عندَ التأمُّلِ، بعيدٌ عن ظاهرِ اللفظِ، ناءٍ عن سَنَنِ التركيبِ. وإنّما ذهبَ إليه مَن ذهبَ لِما ظنَّه من مناسبةٍ في بابِ الخلقِ والتولُّدِ، لا لِما ينهضُ به اللفظُ نفسُه من جهةِ العربيّةِ. ولو أُعطيَتِ الآيةُ حقَّها من النظرِ وأُجريَتْ على قانونِ اللسانِ من غيرِ تكلُّفٍ، لظهرَ أنَّ حملَها على بدنٍ واحدٍ وماءٍ واحدٍ أقربُ إلى ظاهرِها وأحرى بسياقِها وأقعدُ في العربيّةِ.
وبيانُ ذلك من ستّةِ أوجهٍ:
الوجهُ الأوّلُ: مصادمةُ ظاهرِ عودِ الضميرِ
قال سبحانَه: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ · يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. فالضميرُ المستترُ في ﴿يَخْرُجُ﴾ راجعٌ — على الأصلِ المقرَّرِ — إلى أقربِ مذكورٍ صالحٍ، وهو “ماءٍ دافقٍ”. وهذا الماءُ قد ذُكرَ مفرداً منكَّراً موصوفاً بصفةٍ واحدةٍ، فالأصلُ أن يكونَ المرجعُ واحداً وأن يُحمَلَ ما بعدَه على هذا الواحدِ حتّى تقومَ قرينةٌ بيِّنةٌ تنقلُ الكلامَ عن ظاهرِه.
فمَن زعمَ أنَّ هذا المفردَ أُريدَ به ماءانِ من بدنَينِ مختلفَينِ فقد خرجَ من الظاهرِ إلى دعوى لا يُسعِفُها اللفظُ. نعمْ، قد يُرادُ بالمفردِ الجنسُ في مواضعَ، لكنّ ذلك إنّما يُصارُ إليه حيثُ تدلُّ عليه قرينةٌ. ولا قرينةَ ههنا، بل القرينةُ على خلافِه: لأنَّ الماءَ لم يُذكَرْ مطلقاً بل وُصِفَ بـ”دافقٍ”، وهذا الوصفُ يزيدُه تعيُّناً ويمنعُ شيوعَه في كلِّ ماءٍ من غيرِ تمييزٍ.
الوجهُ الثاني: وصفُ “الدافقِ” يُضيِّقُ دائرةَ الاحتمالِ لا يُوسِّعُها
الدَّفقُ في أصلِ كلامِ العربِ ليس مطلقَ الخروجِ ولا كلَّ سيَلانٍ ورَشحٍ، بل هو الدفعُ بشدّةٍ والانصبابُ بقوّةٍ والاندفاعُ الظاهرُ. فإذا قالتِ العربُ “ماءٌ دافقٌ” لم ينصرفِ الذهنُ إلى كلِّ ماءٍ كيفما كان، بل إلى ماءٍ له هيئةٌ مخصوصةٌ يظهرُ فيها الاندفاعُ والقوّةُ. وهذا الوصفُ أليقُ بما يُحَسُّ دفقُه ويُشاهَدُ اندفاعُه — وهو مَنيُّ الرجلِ — لا بما كان خفيَّ الرشحِ لطيفَ السيلِ لا تبدو فيه صورةُ الدفقِ.
فلمّا وصفَ اللهُ الماءَ بالدافقِ فقد خصَّصَ ولم يُعمِّمْ. فكيف يُصارُ بعدَ ذلك إلى حملِه على ماءَينِ مختلفَينِ أحدُهما ظاهرُ الدفقِ والآخرُ لا ينهضُ فيه هذا الوصفُ؟ ولو أرادَ سبحانَه ذكرَ أصلِ الخلقِ من امتزاجِ ماءَينِ لكانَ في العربيّةِ مُتَّسَعٌ لبيانِه على وجهٍ أصرحَ. فأمّا أن يذكرَ ماءً واحداً دافقاً ثمّ يُلزَمَ السامعُ أن يردَّه إلى ماءَينِ من بدنَينِ، فذلك خلافُ سَنَنِ البيانِ.
الوجهُ الثالثُ: تأويلُ “مِنْ بَيْنِ” بمعنى “مِنْهُما” هدمٌ لمعنى الظرفِ
اضطُرَّ أصحابُ هذا القولِ إلى صرفِ “من بينِ الصُّلبِ والترائبِ” عن معنى التوسُّطِ، فجعلوا حاصلَه: من الصُّلبِ ومن الترائبِ، أي من كلِّ واحدٍ منهما. وقد صرَّحَ الطبريُّ بذلك حينَ قال: “يخرجُ من بينِ ذلك، ومعنى الكلامِ: منهما.”
وهذا في التحقيقِ إبطالٌ لِما وُضعَتْ له “بينَ”. فإنَّ “بينَ” ظرفٌ موضوعٌ للحيِّزِ المتوسِّطِ الفاصلِ بين شيئَينِ، لا لمُجرَّدِ الجمعِ بين المذكورَينِ. فإذا قيلَ: “جلستُ بينَ زيدٍ وعمرٍو” فُهِمَ أنّكَ في الحيِّزِ الفاصلِ بينَهما، لا أنّك جلستَ في زيدٍ وفي عمرٍو. فإسقاطُ معنى التوسُّطِ يجعلُ “بينَ” حشواً لا طائلَ تحتَه، والقرآنُ مُنزَّهٌ عن ذلك.
ويُقطَعُ هذا بالنظيرِ القرآنيِّ: قولِه تعالى ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾. فاللبنُ ليس بعضُه من الفرثِ وبعضُه من الدمِ على جهةِ التوزيعِ، بل يُستخلَصُ من الحيِّزِ الذي يتوسَّطُهما. فمَن أجرى “من بينِ” في آيةِ اللبنِ على التوسُّطِ ثمّ خالفَه في آيةِ الطارقِ فقد فرَّقَ بين المتماثلَينِ بغيرِ برهانٍ.
الوجهُ الرابعُ: تفكيكُ التركيبِ الواحدِ بين بدنَينِ مخالفٌ لنَظمِ الآيةِ
الآيةُ نسجَتِ الكلامَ نسجاً واحداً متّصلاً: ماءٌ دافقٌ يخرجُ من بينِ الصُّلبِ والترائبِ — فالماءُ واحدٌ والضميرُ واحدٌ والجملةُ واحدةٌ والتركيبُ متّصلٌ. فمَن جعلَ الصُّلبَ لبدنٍ والترائبَ لبدنٍ آخرَ فقد شقَّ ما جمعَه اللفظُ وفرَّقَ ما وصلَه النظمُ.
والعربُ إذا أرادتْ هذا التوزيعَ جاءتْ بما يدلُّ عليه من إضافةٍ أو ضميرٍ أو مقابلةٍ: فيُقالُ “من صُلبِه وترائبِها”، أو “من صُلبِ الرجلِ وترائبِ المرأةِ”، ليتعيَّنَ المقسومُ عليه. فأمّا أن يُذكَرَ اللفظانِ معرَّفَينِ تعريفاً واحداً في سياقٍ واحدٍ مع ضميرٍ واحدٍ ثمّ يُجعَلَ بعضُهما لهذا وبعضُهما لذاك، فليسَ ذلك ما يسبِقُ إليه الفهمُ ولا ما يدلُّ عليه النظمُ.
بل الألفُ واللامُ في “الصُّلبِ” و”الترائبِ” أدخلُ في العهدِ الذهنيِّ الراجعِ إلى صاحبِ الماءِ المذكورِ — وهو واحدٌ — من صرفِها إلى شخصَينِ لم يتقدَّمْ لهما ذكرٌ صريحٌ.
الوجهُ الخامسُ: دعوى اختصاصِ الترائبِ بالمرأةِ لا ينهضُ بها اللسانُ
بنى كثيرٌ من أصحابِ هذا القولِ مذهبَهم على أنَّ الترائبَ مختصّةٌ بالمرأةِ. وهذا غيرُ مسلَّمٍ. فأهلُ اللغةِ يذكرونَ في تفسيرِها: عظامَ الصدرِ، أو موضعَ القِلادةِ، أو ما قاربَ الترقوتَينِ والثندوتَينِ. وهذه معانٍ جِسميّةٌ لا تختصُّ بجنسٍ دون جنسٍ.
نعمْ، قد يكثُرُ ورودُ الترائبِ في الشعرِ عند وصفِ النساءِ لأنّ ذلك من مواضعِ الزينةِ والحُسنِ في بابِ الغزلِ، لكنَّ كثرةَ الاستعمالِ في بابٍ لا تُوجِبُ الاختصاصَ في أصلِ الوضعِ. وإلّا لزمَ من كثرةِ ذكرِ الخدودِ والقدودِ في وصفِ النساءِ أن تكونَ هذه الأسماءُ مختصّةً بهنَّ، وهذا لا يقولُه مَن له أدنى مَسكةٍ من نظرٍ.
فإذا بطلَتْ دعوى الاختصاصِ بطلَ ما بُنيَ عليها من حملِ الترائبِ على المرأةِ لُزوماً، وعادَ اللفظُ إلى سَعتِه الأولى صالحاً لأن يكونَ جزءاً من حدودِ البدنِ الواحدِ الذي يُذكَرُ معه الصُّلبُ.
الوجهُ السادسُ: “بينَ” تقتضي حيِّزاً واحداً معقولاً لا شيئَينِ متباعدَينِ
“بينَ” لا تُستعمَلُ إلّا حيثُ يُعقَلُ توسُّطٌ واتّصالٌ بين المذكورَينِ. فإذا قلتَ “بينَ الجبلَينِ” أو “بينَ الرجلِ وصدرِه” فَهِمَ السامعُ حيِّزاً محصوراً له صورةٌ مكانيّةٌ. فأمّا صُلبُ الرجلِ وترائبُ المرأةِ — إذا أُخِذا على ظاهرِهما — فليسَ بينَهما حيِّزٌ داخليٌّ من بنيةِ الخِلقةِ، وإنّما هو فراغٌ خارجيٌّ بين جسدَينِ مستقلَّينِ. وهذا لا يُتصوَّرُ أن يكونَ مبدأَ خروجِ ماءٍ ولا محلَّ نسبةِ الفعلِ إليه. فأمّا إذا جُعلَ الصُّلبُ والترائبُ في بدنٍ واحدٍ استقامَ معنى الظرفِ غايةَ الاستقامةِ، لأنَّ بين الظهرِ والصدرِ حيِّزاً محصوراً مفهوماً.
فالقولُ بأنَّ المرادَ صُلبُ الرجلِ وترائبُ المرأةِ قولٌ بعيدٌ عن ظاهرِ الضميرِ، مخالفٌ لوحدةِ المرجعِ، متكلِّفٌ في “بينَ”، مبنيٌّ على دعوى اختصاصٍ لا تثبتُ لغةً، نافرٌ عن مقتضى التركيبِ ونَظمِ الآيةِ. والأَولى أن يُقالَ: إنَّ الآيةَ ذكرَتْ ماءً واحداً دافقاً ثمّ نسبَتْ خروجَه إلى جهةٍ واحدةٍ محصورةٍ بينَ الصُّلبِ والترائبِ، على ما تعرفُه العربُ من الإسنادِ إلى الجهةِ والمكانِ والسببِ، من غيرِ حاجةٍ إلى تفريقِ النظمِ بين بدنَينِ ولا إلى إلغاءِ معنى “بينَ” ولا إلى حملِ المفردِ على التثنيةِ بغيرِ قرينةٍ.
دفع الإشكال على التقدير الثاني
والمقصود أن: الصُّلبُ والترائبُ في الآية كلاهما للرجلِ، وقد تقدم أن لفظ الترائب قد فسره أهل اللغة بمواضع من الصدر: موضع القِلادة، أو ما بين الترقوتين والثندوتين، أو عظام الصدر وما قارَبها. فالمعتبر إذن جهةٌ من مقدم البدن، لا وصف الأنوثة من حيث هي. فإذا ذُكر الصلب من خلف، والترائب من قدّام، فقد انحصرت للسامع العربي جهةٌ متوسطةٌ بين ظهر الإنسان وصدره.
وأعلى ما في روي في تفسير الترائب، ما رواه الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣٩١٨ – قال: حدثني أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أنبأ عبد الله بن محمد البغوي، حدثني جدي أحمد بن منيع، ثنا أبو يوسف القاضي، ثنا مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله عز وجل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] قال: «﴿الصلب﴾ هو الصلب، ﴿والترائب﴾ أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، [التعليق – من تلخيص الذهبي] – صحيح.
فالمقصود: من أعلى نقطة في القفص الصدري إلى منتهاه، أو باللغة التشريحية: (T1–T12).

وقد ثبت في الطب الحديث: أنّ قذف السائل المنوي من الرجل ناتج عن انقباضاتٌ سريعةٌ مُتواليةٌ تأخذ العضل أخذاً، فتعصره عصراً، فيندفع الماء اندفاعاً.
وأن القذف ليس حركة واحدة، بل مرحلتان متتاليتان:
- الإمناء (Emission): نقل المنيّ ومكوّناته إلى الإحليل الخلفي/البروستاتي.
- الطرد (Expulsion): دفع هذا المني بعد ذلك إلى الخارج بانقباضات عضلية سريعة.
والإمناء Emission هو المرحلة الأولى من القذف. ومعناه: تجميع مكوّنات المنيّ داخل المجرى البولي التناسلي ودفعها إلى الإحليل الخلفي، قبل أن تندفع إلى خارج الجسم.
والإمناء، الذي هو مبدأ القذف ينشأ اتفاقا من T10–L2، أي بين الصلب والترائب!
ولهذا جاء في دراسة كراسيوكوف، أندريه، وستايسي إليوت. التحكم العصبي ووظائف الأعضاء الجنسية: تأثير إصابة الحبل الشوكي:
القذفُ — وحقيقتُه دفعُ المنيِّ إلى خارجِ البدنِ — فعلٌ مَرَدُّه في الأصلِ إلى الجهازِ العصبيِّ الوُدِّيِّ عند مُستوى الفَقَراتِ الصدريّةِ العاشرةِ إلى القَطَنيّةِ الثانيةِ (T10–L2). وهو حدَثٌ عضليٌّ عصبيٌّ بالغُ الانتظامِ، يقعُ في مرحلتَينِ متعاقبتَينِ:
– فالمرحلةُ الأولى — وتُسمّى الإفرازَ (Seminal Emission) — أن يُدفَعَ المنيُّ عبرَ قناةِ القذفِ (Ejaculatory Duct) الكائنةِ في البُروسْتاتا حتّى يُصَبَّ في الإحليلِ البُروسْتاتيِّ (Prostatic Urethra).
– والمرحلةُ الثانيةُ — وتُسمّى الطردَ (Propulsatile Ejaculation) — أن تنقبضَ عضلاتُ قاعِ الحوضِ المحيطةُ بالإحليلِ انقباضاتٍ إيقاعيّةً متتابعةً، فتقذفَ ذلك المنيَّ عبرَ مَجرى الإحليلِ حتّى يبرُزَ من الصِّماخِ الظاهرِ (External Meatus) إلى خارجِ البدنِ.
Neural Control and Physiology of Sexual Function: Effect of Spinal Cord Injury – PMC
وليس مقصودي ههنا أن أُلزم الخلقَ أن هذا الوجه هو الوجه الوحيد الذي لا يجوز غيره، ولكن حسبي في دفع الإشكال أن أُبيّن أن هذا الذي ذهبنا إليه وجهٌ عربيٌّ صحيحُ المأخذ، قويُّ المَدخل، غيرُ خارجٍ عن قانون اللسان، ولا نافِرٍ عن سنن البيان. ومن ادّعى بطلانه من جهة اللغة فقد ادّعى ما لا برهان له به.
فإذا استقرَّ هذا في نفسِ الناظرِ، فإنّا نقولُ: إنَّ قولَه جلَّ وعلا ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ لا يمتنعُ في لسانِ العربِ أن يكونَ معناه: أنَّ هذا الماءَ الدافقَ يخرجُ من الجهةِ التي يصدُرُ منها مُوجِبُ خروجِه، ومنبعُ اندفاعِه، ومحلُّ الأمرِ المحرِّكِ له — وهو مُوَلِّدُ القذفِ الشَّوكيُّ وضفائرُه — لا أنَّ المرادَ حصرُ الكلامِ في آخرِ موضعٍ يمُرُّ فيه السائلُ قبلَ بُروزِه. وهذا مبنيٌّ على أصولٍ من اللغةِ والبيانِ، لا على محضِ التكلُّفِ.
ويدلك عليه: أنَّ العربَ لا تجعلُ الدَّفْقَ مُجرَّدَ السيَلانِ الهيِّنِ اللَّيِّنِ، إنّما تجعلُه اندفاعاً بقوّةٍ وصَبّاً بشِدّةٍ وخروجاً عن حدِّ السكونِ إلى حدِّ الحركةِ الغالبة. والفرقُ بين قولِكَ “ماءٌ سائلٌ” وقولِكَ “ماءٌ دافقٌ” فرقٌ بيِّنٌ عند مَن ذاقَ لسانَ العربِ: ذاك يُلحَظُ فيه مُجرَّدُ الجريانِ، وهذا يُلحَظُ فيه قوّةُ الإخراجِ ومَنشأُ الاندفاعِ. قال الأزهريُّ في تهذيبِ اللُّغةِ: ومعنى دافقٍ ذي دَفْقٍ، كما قالَ الخليلُ وسيبَوَيه.
فإذا وصفَ الحقُّ سبحانَه الماءَ بأنّه دافقٌ لم يكنْ ذلك وصفاً جامداً ساكناً، بل هو وصفٌ يُثيرُ في النفسِ معنى القوّةِ المحرِّكةِ، ويدعو الفهمَ إلى التماسِ منشأِ الدَّفقِ لا مُجرَّدِ تصوُّرِ سائلٍ خرجَ كيفَ خرجَ.
وههنا تنكشف مطابقة: فإنَّ مُوَلِّدَ القذفِ الشوكيَّ هو بعينِه تلك المنظومةُ التي تُنشِئُ الدَّفقَ وتُحدِثُه. فلفظةُ “دافقٍ” إذن ليست وصفاً لمادّةِ الماءِ من حيثُ هي مادّةٌ، بل هي إيماءةٌ إلى نمطِ خروجِه الذي يقتضي مُوَلِّداً يُحدِثُ ذلك الدَّفقَ. وذلك المُوَلِّدُ قائمٌ بين الصُّلبِ والترائبِ.
فإذا عقَّبَ ذلك بقولِه ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ساغَ على قانونِ العربيّةِ أن يكونَ المعنى: أنَّ تلك الجهةَ هي جهةُ ابتداءِ الدَّفقِ، أو الموضعُ الذي منه يصدُرُ ما به يصيرُ الماءُ دافقاً.
فإن قال قائل: إن هذا عدولٌ بالكلام عن ظاهره، لأن “من” حرف ابتداء الغاية، فالظاهر أن المقصود هو مكان ابتداء خروج الماء.
قيلَ: أصبتَ في الأصلِ وأخطأتَ في التنزيلِ. أجلْ، “مِنْ” لابتداءِ الغايةِ، بَيدَ أنَّ النزاعَ ليس في أصلِ معناها، إنّما النزاعُ فيما ابتدأَ من تلكَ الجهةِ: أجِرمُ السائلِ وحدَه في آخرِ مُنفَذٍ له، أم فِعلُ الخروجِ الدافقِ الذي به اندفعَ الماءُ؟
ونحنُ لا نُخرِجُ “مِنْ” عن بابِها، بل نُبقيها على أصلِها ونقولُ: ابتداءُ الخروجِ منسوبٌ إلى الجهةِ التي منها نشأ مُوجِبُ الخروجِ. وهذا استعمالٌ عربيٌّ صحيحٌ، فإنَّ العربَ تنظرُ تارةً إلى آخرِ المباشَرةِ وتارةً إلى أوّلِ المنشأِ، وكلٌّ من ذلك بابٌ معروفٌ مطّردٌ.
بل نَزيدُ فنقولُ: إنَّ الأمرَ العصبيَّ الذي يُطلِقُه مُوَلِّدُ القذفِ الشوكيُّ يخرجُ على الحقيقةِ لا على المجازِ من بينِ الصُّلبِ والترائبِ: فالإشارةُ الكهربائيّةُ تنطلقُ من النُّخاعِ داخلَ الصُّلبِ، ثمّ تَعبُرُ الجذورَ العصبيّةَ الخارجةَ من الثُّقَبِ الفَقَريّةِ، ثمّ تسري في الضفائرِ المتمركزةِ في الفراغِ بينَ الصُّلبِ والترائبِ، ثمّ تنحدرُ إلى الأعضاءِ المنفِّذةِ. فهذا خروجُ شيءٍ حقيقيٍّ — وهو الإشارةُ — من موضعٍ حقيقيٍّ. و”مِنْ” على بابِها في ابتداءِ الغايةِ المكانيّةِ، لا صَرْفَ فيها ولا مَجازَ.
ومَن قصرَ “الخروجَ” على خروجِ السائلِ المرئيِّ ضيَّقَ اللفظَ فوقَ ما يحتمِلُه اللسانُ. فإنَّ الخروجَ في كلامِ العربِ يُطلَقُ على كلِّ ما انتقلَ من حيِّزٍ إلى حيِّزٍ: يخرجُ الأمرُ، ويخرجُ الصوتُ، ويخرجُ النورُ، ويخرجُ الخبرُ، وتخرجُ الرائحةُ. وليس الخروجُ وقفاً على ما يُرى بالعينِ من سائلٍ أو جِرمٍ.
ألا تراهُم يقولون: “خرجَ الأمرُ من السلطانِ”، وليس معناه أنَّ الألفاظَ خرجَتْ من فَمِه دونَ سواهُ، بل معناه أنَّ مبدأَ الأمرِ ومَنشأَه من جهتِه؟ ويقولون: “هذا من عندِ الأميرِ”، وإن كانَ الكاتبُ هو الذي خطَّهُ والرسولُ هو الذي حملَه. ويقولون: “أنبتَ الربيعُ البَقلَ”، وليسَ الربيعُ فاعلاً على الحقيقةِ ولكنّه زمنُ الظهورِ وسببُ البروزِ. ويقولون: “بنى الأميرُ المدينةَ”، وإنّما باشرَها العمّالُ. أفيُقالُ بعدَ هذا إنَّ العربيّةَ لا تعرفُ نسبةَ الفعلِ إلى سببِه أو مصدرِه أو الجهةِ التي صدرَ عنها الأمرُ؟ معاذَ اللهِ، بل هذا من أشهرِ أبوابِها وأجراها على ألسنتِها.
وهو الذي يُسمّيه أهلُ البيانِ إسناداً إلى السببِ أو إلى المكانِ أو إلى ما له أدنى ملابسةٍ بالفعلِ. فإن جازَ أن يُنسَبَ البناءُ إلى الأميرِ والإنباتُ إلى الربيعِ والخبرُ إلى البلدِ والأمرُ إلى السلطانِ، فأيُّ مانعٍ يمنعُ أن يُنسَبَ خروجُ الماءِ الدافقِ إلى الجهةِ التي فيها مُوَلِّدُ القذفِ ومنها تصدُرُ أوامرُه؟ بل هذا أليقُ ببلاغةِ التنزيلِ، لأنّه لا يقفُ بالسامعِ عندَ الحسِّ القريبِ الساذجِ، بل يردُّهُ إلى الجهةِ التي فيها سرُّ الفعلِ ومعدِنُ الأثرِ.
ومن ههنا نعلم أن من قصَر معنى الآية على مصدر السائل، ثم قال: لا يجوز غيره، فقد ضيّق واسعًا، وحجر ما أطلقته العرب، وأغفل ما في الكلام من القرائن. فإن قوله: “ماءٍ دافق” قرينةٌ على أن المنظور إليه ليس مجرد مادة الماء، بل هيئته في الخروج. وقوله: “من بين الصلب والترائب” قرينةٌ على أن المراد جهةٌ متوسطة محصورة، لا موضعا بعينه؛ ولو أريد مصدر السائل لكان الأليق تعيين موضع دون الإتيان بـ”بين” المعبرة عن حيز متوسط بين أمرين.
وهذا مطابقٌ لحقيقةِ مُوَلِّدِ القذفِ مطابقةً لا يتخلَّفُ منها شيءٌ: فالمُوَلِّدُ كامنٌ في النُّخاعِ داخلَ الصُّلبِ، لكنَّ عملَه لا يقتصرُ على ما في جوفِ العظمِ، بل جذورُه العصبيّةُ تخرجُ وتتشعّبُ في الفراغِ الواقعِ أمامَ الفَقَراتِ وخلفَ الأضلاعِ، فتُنشئُ ضفائرَ — كالأورطيّةِ البطنيّةِ والخِصيَويّةِ — هي التي تحملُ أمرَ الدَّفقِ وتوزِّعُه. وتلك الضفائرُ لا تقعُ في العظمِ الفقريِّ ذاتِه ولا في عظامِ الأضلاعِ ذاتِها، بل في التجويفِ المحصورِ بينَهما تحديداً.
فإن قيلَ: يلزمُ من هذا التفسيرِ تجهيلُ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم بمعنى الآيةِ، إذ لم يكونوا يعرفونَ مُوَلِّدَ القذفِ ولا الضفائرَ العصبيّةَ، ومعلومٌ أنَّ القرآنَ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ ليُفهَمَ، فلا يجوزُ أن يكونَ المعنى المرادُ خافياً على مَن نزلَ فيهم وبلُغتِهم.
أجيب: وهذا ممنوع، فليس يُشترَطُ في فهمِ الآيةِ أن يُحيطَ السامعُ بتفاصيلِ الحقيقةِ التشريحيّةِ التي تقعُ وراءَ اللفظِ، بل يكفيه أن يفهمَ المعنى الإجماليَّ الذي يدلُّ عليه التركيبُ العربيُّ. والصحابي رضي الله عنه حينَ سمعَ قولَه تعالى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ فهمَ أنَّ بين ظهرِ الإنسانِ وصدرِه أمراً أوجبَ خروجَ هذا الماءِ دافقاً، وأنَّ تلك المنطقةَ من البدنِ هي مَنشأُ ذلك الخروجِ ومبدؤُه. وهذا القدرُ من الفهمِ صحيحٌ تامٌّ لا جهلَ فيه. وأمّا تفصيلُ الكيفيّةِ فهذا من بابِ تحقيقِ المناطِ الذي يتكشَّفُ بتقدُّمِ العلومِ، ولا يلزمُ أن يعرفَه كلُّ مَن فهمَ الآيةَ.
والفرقُ بينَ الفهمِ الإجماليِّ والفهمِ التفصيليِّ فرقٌ مقرَّرٌ عند الأصوليّينَ. فالعربيُّ الأوّلُ يفهمُ أنَّ بينَ الصُّلبِ والترائبِ سبباً يُنشِئُ الدَّفقَ، وهذا هو الإجمالُ. والطبيبُ المعاصرُ يكشفُ أنَّ ذلك السببَ هو مُوَلِّدُ القذفِ الشوكيُّ، وهذا هو التفصيلُ. والتفصيلُ لا يُناقضُ الإجمالَ بل يندرجُ تحتَه ويُوضِّحُه.
خاتمةُ البحثِ
فهذا آخرُ ما تيسَّرَ جمعُه وتحريرُه في هذه المسألةِ، وقد آنَ أن نَعقِدَ خلاصتَها ونُجمِلَ ثمرتَها. والذي يخلُصُ إليه الناظرُ المنصفُ من هذا كلِّه أمورٌ:
أوّلُها: أنَّ الطاعنَ في هذه الآيةِ لم يُؤتَ من قِبَلِ القرآنِ، وإنّما أُتِيَ من قِبَلِ نفسِه: من جهلِه بلسانِ العربِ وسَعةِ أساليبِها، ومن جهلِه بأقوالِ المفسّرينَ وتنوُّعِ مذاهبِهم، ومن جهلِه بالحقائقِ العلميّةِ ذاتِها التي ظنَّها خَصماً للآيةِ وهي شاهدةٌ لها.
وثانيها: أنَّ الآيةَ ليس فيها قولٌ واحدٌ صحيحٌ فحسبُ، بل فيها أقوالٌ متعدِّدةٌ كلُّها سائغةٌ في اللغةِ ومتّسقةٌ مع الواقعِ. فمَن حملَها على خروجِ المولودِ من بين صُلبِ أمّهِ وترائبِها وجدَ معنىً صحيحاً مشهوداً. ومَن حملَها على الكنايةِ عن الرجلِ والمرأةِ وجدَ وجهاً بلاغيّاً رفيعاً. ومَن حملَها على أنَّ ماءَ الرجلِ ينشأُ ويُدبَّرُ أمرُه من تلك المنطقةِ في بدنِه وجدَ مطابقةً عجيبةً لدقائقِ علمِ التشريحِ والأجنّةِ والأعصابِ. وتلك من آياتِ إعجازِ هذا الكتابِ: أن يكونَ اللفظُ الموجَزُ البليغُ صالحاً لمعانٍ متكاثرةٍ كلُّها حقٌّ، لا يُبطِلُ بعضُها بعضاً بل يشهدُ بعضُها لبعضٍ.
وثالثُها: — ولا بدَّ من التنبيهِ عليه — أنّا لا ندَّعي القطعَ بأنَّ المرادَ بالآيةِ وجهٌ بعينِه دونَ سواه، ولا نُلزمُ أحداً بمحملٍ واحدٍ ونردُّ ما عداه. فإنَّ التفسيرَ بابٌ واسعٌ، والقرآنُ لا تنقضي عجائبُه، وقد يكونُ في الآيةِ من المعاني ما لم يبلغْه فهمُنا. وإنّما حسبُنا أن نُبيِّنَ أنَّ كلَّ وجهٍ ذكرناه صحيحُ المأخذِ سائغُ المدخلِ، وأنَّ دعوى مناقضةِ الآيةِ للعلمِ دعوى باطلةٌ لا أساسَ لها.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. وصلّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمّدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.




