أبحاث شرعيةأبحاث عقدية

نفائس في الحكمة والتعليل [2]

مقدمة

الحمدُ للهِ العليمِ الحكيم، أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، ووسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وحِكمةً؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق والأمر. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فهذا هو الجزء الثاني من مقالة: “نفائسُ في الحكمة والتعليل”، بعد أن مهّدنا في الجزء الأول طريقَ النظر، وبسطنا القول في تقرير المسألة وإقامة الأدلة، فقد آثرنا في هذا الجزء أن نُفرده لجواب بعض الإشكالات العويصة، والمسائل الدقيقة التي طال فيها التلبيس، كمعضلة الشرّ، والاستكمال بالغير، وما أثاره بعض المتكلمين كابن الخطيب في المطالب العالية من شبهٍ تتعلّق بقبح التكليف، وشكر المنعِم، ونحوها مما يتمسك به بعض الدهرية، وهو عند التحقيق أضعف من بيت العنكبوت. واللهَ نسألُ التوفيق والتسديد، وأن يُلهمنا رشدَ القول وسداد الفهم، فهو الهادي إلى سواء السبيل.

فصل في دفع الاعتراضات عن ثبوت صفة الحكمة

الإشكال الأول: معضلة الشر

فإن قيل: أن في الشاهد شرور خلقها الباري، وهو مناف لصفة الحكمة التي تدعون ثبوتها.

قيل: بل ليست منافية لها، فثمة فرق بين «فعل القبيح» و«خلق القبيح»؛ فالصِّفة إذا حلّت بمحلٍّ عاد حكمها عليه لا على غيره، وخلق القبيح من حيث هو ليس حسنا ولا قبيحا، وإنما حكمه مشروط بالنظر إلى الغاية من خلقه، فإن كانت حسنة فهو حسن وإلا فلا. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في مجموع الفتاوى (١٤/‏٢٦٦): «فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير […] فإنه لا يخلق شرا محضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه».

فالباري قدّر وجود الشرور لما يترتب عليها من الخير والمصالح، لا لأنها مقصودةٌ لذاتها؛ فالقاعدة هنا أن تفويت الخير الغالب شرٌ غالب. أي يكون وجود الشر المعين شرطا لوجود خير معين، ولوجوب المشروط [وهو حصول ذلك الخير المُراد من الباري] وجب الشرط [وهو ذلك الشر المعين]؛ والشيء يمتنع أن يوجد من غير وجود شرطه، فلا تتعلق القدرة بإيجاده [أي ذلك الخير] من غير وجود ذلك الشر. والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصّل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه إذا كان طريقًا إلى حصول ذلك المحبوب، ووجود الملزوم بدون لازمه محال.

فسنّته سبحانه في خلقه وأمره فِعْل الخير الخالص والراجح، والأمر بالخير الخالص والراجح، فإذا تناقضت أسباب الخير والشر ــ والجمع بين النقيضين محال ــ قدّم أسباب الخير الراجحة على المرجوحة، ولم يكن تفويت المرجوحة شرًّا، ودفع أسباب الشر الراجحة بالأسباب المرجوحة، ولم يكن حصول المرجوحة شرًّا بالنسبة إلى ما اندفع بها من الشرّ الراجح.

ومبنى هذه الشبهة على أصل فاسد وهو: قياس الربّ تعالى على خلقه وتشبيهه بهم في أفعاله، بحيث يحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم. إذ رأوا أن المخلوق إذا رأى عبيده يقتل بعضهم بعضًا، ويُفِسد بعضهم بعضًا، ويظلم بعضهم بعضًا ــ وهو قادر على منعهم ــ فلا تدعه حكمتُه وإهمالَهم، فحيث تركهم كذلك، فإما أن لا يكون عالمًا بما يأتون به، أو لا يكون قادرًا على منعهم، أو لا يكون ممن يفعل لغرض وحكمة؛ والأولان مستحيلان في حقّ الربّ تعالى، فتعيّن الثالث. وقياس أفعال الربّ على أفعال العباد من أفسد القياس، وكذلك قياس حكمته على حكمتهم، وصفاته على صفاتهم.

وحسبنا لدفع الإشكال أنّ العقول قاصرةٌ عن الإحاطة بتمام الغاية ونهاية الحكمة فيما يجري به المقادير، فإن لم يكن ثمة سبيل لإثبات أن كل شر ليس شرطا لخير آخر مقصود للباري سقط الإشكال.

وهو سبحانه قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة، فيتركه لعدم محبته لوجوده، أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب إليه، أو لاستلزام وجوده فواتَ محبوب له آخر، وعلى هذا فتكون حكمته في عدم خلقه أرجح من حكمته في خلقه، والجمع بين الضدين مستحيل، فيرجِّح سبحانه أعلى الحكمتين بتفويت أدناهما، وهذا غاية الحكمة، فخلْقه وأمْره مبني على تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين تلك الراجحة، وعلى دفع المفاسد الخالصة أو الراجحة وإن وُجِدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة، وخلاف هذا هو خلاف الصواب والحكمة.

فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضت حكمته أن يخلق خلقًا يُظهر فيهم أحكامها وآثارها، فلمحبته للعفو خَلَق مَنْ يحسن العفو عنه، ولمحبته للمغفرة خَلَق مَنْ يغفر له، ويحلم عنه، ويصبر عليه ولا يعاجله، بل يكون تحت أمانه وإمهاله، ولمحبته لعدله خَلَق مَنْ يظهر فيهم عدله، ولمحبته للجود والإحسان والبر خَلَق مَنْ يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان، فلولا خَلْق مَن تجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحِكَم والمصالح، وأضعافها وأضعاف أضعافها.

فتبارك الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة، والنعم السابغة، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شيء حكمة باهرة، كما أن له فيه قدرة قاهرة.

الإشكال الثاني: حجة الاستكمال بالغير

وإن قيل: “لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصا بدونها مستكملا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء، أو يكون وجودها أولى به، فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى، فيكون مستكملا بها، فيكون قبلها ناقصا”.

أجيب: أن قولهم “مستكمل بغيره” مجمل، فإن أرادوا بالغير فعل العبد: فهو مخلوق الله ، وكائن بفعل الإله، وفعل الله ليس غيره، فإِن فَعَلَ اللهُ فِعْلًا يناسب فعلا سابقًا له – لم يكن بذلك مستكملا بالغير، فما سميته غيرا هنا هو فعله الذي هو: خلق الفعل الذي شاءه العبد وأراده، والذي ناسبه أن يفعل بعده فعلا آخر كالغضب أو الفرح؛ فكان الباعث له على فعله غاية نتجت عن فعل سابق له ولا غير. وإن قيل: الغير هو العلة الغائية نفسها، قيل لهم: هذه العلة الغائية في علم الإله وحكمته وعلمه وحكمته وإرادته من صفاته وليست غيره أيضًا، بل وجود العلة الغائية وجود علمي لا عيني خارجي أصلا، فما سميته غيرا ليس بغير. وثبوت العلة الغائية في العلم قديم، فكيف يستكمل به؟

وإن قيل: نريد بالاستكمال تحقق هذه الغايات في الخارج، والثمرة النهائية التي خرجت للوجود لا ما في علم الله وحكمته من مناسبة هذه الأفعال ومن كونها عللا غائية، فتحصيل العلل الغائية حادث، وما يفعل الله لأجله يتحقق ويكون ثمرة بعد فعل الله، فيكون فعله لغاية تحقق هذا الأمر الذي هو أولى، فيكون مستكملا به. قيل: لأن هذا إنما حصل بقدرته ومشيئته، لا شريك له في ذلك، فلم يكن في ذلك محتاجا إلى غيره وإذا قيل: كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه غيره، كان كما لو قيل كمل بصفاته، وبذاته.

والعقل الصريح يعلم أن من فعل فعلا لا لحكمة، فهو أولى بالنقص ممن فعل لحكمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة في الوقت الذي أحب كونها فيه، فكيف يجوز أن يقال: فعله لحكمة يستلزم النقص، وفعله لا لحكمة لا نقص فيه. وقد صدق القاضي عبد الجبار -وهو كذوب- إذ قال: وذلك – أي نقص من يفعل لا لغرض – ظاهر في الشاهد لأن الواحد إذا أراد النيل من غيره قال عنه : إنه يفعل الأفعال لا لعلة ولا لمعنى ، فيقوم هذا القول مقام أن يقول : إنه يعبث في أفعاله، وإذا به في المدح يقول: إن فلانا يفعل أفعاله لعلة صحيحة ولمعنى حسن».

والخلاصة: أن ما من محذور يلزم بتجويز أن يفعل لحكمة، إلا والمحاذير التي تلزم بكونه يفعل لا لحكمة أعظم وأعظم، وقد قدمنا لك طرفا منها، وغاية حجج القوم شبهات وخيالات لا تنهض أمام محكمات راسخات بصريح الفطرة والمعقول والمنقول، فلا يغرنك تهويلات القوم، وهذه المذاهب الرديئة التي انتحلوها هي من خذلان الباري لهم، لتركهم الوحي وراء ظهورهم.

الإشكال الثالث: في قبح التكليف

وإن قيل: المقصود من التكليف إما نعيم أو عذاب، وكلاهما عبث. أما النعيم، فإذ يمكن تحصيله بلا واسطة عناء، كان إدخال المشقة عبثًا. وأما العذاب، فإن قيل: هو لمصلحة المعذَّب، كان تناقضًا، وإن قيل: عوقب لتفريطه في نفع نفسه، كان كمن يقول: إن لم تجتهد لتحصيل دينارٍ لك، قطعتك؛ وهو محض العبث.

أجيب: بل لا نسلم أن منشأ حسن التكليف محض ما يعقبه من لذة نعيم أو عذاب مقيم، بل نفس التكليف والامتحان مُراد للرب منشأ لمصالح لا توجد من غيره؛ فلا عبث في توسط المشقة، إذ حصولها مراد لكونها شرطا في مصالح محبوبة للرب، كعبودية التوبة من الذنوب، والشكر والصبر على ما تقدم بسط الكلام في بيانه في الجزء الأول من المقال. وأما العذاب فوقوعه موقوف على استحقاقه، فليس العقاب على تفويت مصلحة النعيم، بل لإتيان الجرم المستحق للعقاب، الذي يقتضي العدل الواجب للرب حصول العقاب فيه؛ وهذا بين لمن فتح الله عليه.

الإشكال الرابع: في شكر المنعم

فإن قيل: النعمة لا تُعد نعمةً إلا مع الحاجة إليها والرغبة فيها، ومن استغنى عنها لم تكن له نعمة. والحاجة والشهوة ـ وهما شرطا النعمة ـ ضرران في أنفسهما: فالحاجة نقص وألم. فصارت النعمة لاحقةً لضرر، دافعةً له، لا مستقلةً عنه، كمن يجرح ثم يُبرئ، أو يسلب ثم يردّ. فانتفى وصف الإحسان، إذ غايته تسوية بين نفع وضرر، لا فضل فيها ولا تفضل.

أجيب: بأن هذا الاعتراض موقوف على مقدمة: أن إيجاد الناقص إيلام قبيح، وهذا ممنوع؛ فإن نقص الفقر في المطلق لا يستلزم كونه قبيحا في المخلوق، بل كمال الإنسان في فقره، وبه يحصل له أعظم اللذة بالتعبد لربه. وليس كل ما يقبح من المخلوق يقبح من الخالق، وكذلك القول في الحسن؛ فإن الكبر في الرب حسن وفي العبد قبيح، وأمثال ذلك كثير.

والغرض: أن صريح المعقول دافع لهذا، والناس مطبقون أن الإيجاد جود من الرب، وإنعام منه وإحسان على المخلوق، وهذه من العلوم الضرورية التي يجدها الخلق في أنفسهم: أن وجودهم خير من عدمهم، فيندفع بهذا العلم الضروري زعم الخصم أن نفس الإيجاد إيلام قبيح يعقبه العوض بالنعمة.

فإن نعمةُ الإيجاد أعظم النعم، فكل ما بعده إحسان بعد إحسان، وكمال بعد كمال، ومن زعم أن إيجاد الناقص لا يُعد نعمةً لأنه محتاج، فقد جعل العدم خيرًا من الوجود، وذلك من أعظم الجهل والظلم، وهو خلاف صريح العقل والشرع والفطرة.

وإن الفقر والحاجة ذاتي للعبد، ووجود الإنسان من غير لوازم ذاته ممتنع، ولما كان الفقر والحاجة منها، لم يكن بد من وجودها. وعلى هذا التقدير: يكون الإنعام بما يناسب طبع المنعم عليه، وضعا للشيء في موضعه، وليس عوضا على ألم سابق، ولا علاجا بعد إيلام كما أوهم ابن الخطيب في مماحكته هذه، والفرق بينهما في غاية الظهور إلا لمن طمس الله على قلبه.

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

آدم بن محمد المالكي

مهتم بالذب عن المواقف السنية، وتحرير أقوال أهل السنة في الطبيعيات والانسانيات و العقليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Optimized by Optimole